لبنان: الشعب، الجيش، المقاومة.. مثلث ولكنه غير متساوي الأضلاع

بقلم: حسان القطب

الحديث عن تلاحم وترابط وتماسك مثلث الجيش والشعب والمقاومة، هو مجرد كلام لا يتجاوز عملياً وعلى أرض الواقع مضمون هذا الشعار في حقيقة الأمر. فالأحداث التي شهدها ولا يزال يشهدها لبنان تؤكد أن هذا الشعار المرفوع من قبل حزب الله وأتباعه، لا يراعي واقع التنوع اللبناني ولا خصوصية الطوائف ولا احترام الكيانات السياسية المعارضة ولا حتى تلك الموالية، لا في مشاعرها ولا حتى تقدير تاريخها وتضحياتها خاصةً عندما تصل إلى مرحلة تطبيق مضامين هذا الشعار على أرض الواقع.

الشعب اللبناني، متعدد الأديان والمذاهب، ومتنوع الأعراق والانتماءات، وهذا المزيج المتنوع والمتمازج في كيان واحد، تجاوز وعلى امتداد العقود الماضية الكثير من المحن والصعاب والأزمات والصراعات، وقفز فوق التضحيات والضحايا وحساب الخسائر والأرباح فقط ليستقر ويستمر هذا الكيان، وليبقى هذا الشعب المعطاء يعيش بسلام ومحبة ووئام، وينعم بسلم أهلي وعيش مشترك، يكون قدوةً للآخرين ومثالاً ونموذجاً لشعوب الشرق والغرب.. ومن الطبيعي أن تمر فترات صعبة، وأن تقع أخطاء وممارسات مرفوضة أو غير مبررة، ولكن إرادة الحياة والبناء كانت دائماً ما تكون أقوى، وهذا ما حدث بعد الحرب الأهلية التي استمرت طويلاً، وتوقفت مع توقيع اتفاق الطائف الذي أرسى مبادئ وأسس العلاقات للمرحلة المقبلة حتى لا يقع لبنان وشعبه في فخ الصراعات من جديد.. ولكن عقب الانسحاب الإسرائيلي من لبنان وأمام رغبة بعض القوى التي تمثل شريحة من مكونات الشعب اللبناني في الإبقاء على سلاحها وميليشياتها لحماية مشروعها وليس لحماية لبنان، وبناءً على سلطة الأمر الواقع التي أرسى لها عهد الوصاية السورية في لبنان، تم استنباط نظرية المثلث الذهبي (الشعب، الجيش، المقاومة)، وكل اعتراض على هذا الشعار هو بمثابة التحاق بالمشروع الأميركي- الصهيوني، ويشكل تهديداً للمقاومة، وجمهورها ومحبيها ورمزها وسيدها؟ من الطبيعي بل من البديهي، أن يكون مفهوم ومضمون هذا الشعار هو التساوي في الواجبات والحقوق، بين كافة أضلع هذا المثلث، وإلا لوجب تسميته غير ذلك، ومن المنطقي أن من حق كل لبناني باعتباره جزءاً من هذا الشعب، أن يكون إلى جانب الجيش والمقاومة. ولكن كيف هو واقع الحال الآن لدى كل ضلع من أضلع هذا المثلث:

- الشعب: كل مواطن لبناني يدرك اليوم عمق الأزمة التي يعيشها في علاقاته مع المكون اللبناني الذي يشكل عصب ميليشيا حزب الله وحركة أمل التي يطلق عليها جزافاً وبقوة الأمر الواقع "مقاومة"، في موضوع الأراضي على سبيل المثال، تطالعنا الحادثة لأخيرة في بلدة لاسا الواقعة في منطقة جبيل: (وكان أهالي لاسا - 90 في المئة منهم شيعة - قد منعوا وفدا من الرابطة المارونية من مسح أرض في البلدة تابعة لمطرانية جونية، وتم التعرض للصحافة ومنعها من التصوير ما أثار «نقزة» مسيحية عارمة، كما عقد اجتماع في بكركي في اليوم التالي حضره القيادي في «حزب الله» غالب أبو زينب)... وكان سبق ذلك (موجة التعدي على الأملاك العامة والمشاعات في الجنوب، والتي كانت قد شملت آلاف الدونمات التي بنيت عليها مئات الوحدات السكنية، وزادت حدة الاحتجاجات من قبل الأهالي عندما حاولت منعهم القوى الأمنية، ثم انتشر كالنار في الهشيم في كل الجنوب، ولم تسلم منه لا الأملاك البحرية ولا النهرية. واستهدف كل المشاعات دفعة واحدة.).. لماذا لا تستطيع القوى الأمنية منع هؤلاء المواطنين اللبنانيين من الاستيلاء على الأملاك العامة والخاصة والبناء عليها أو ضمها لأملاكهم الخاصة، لأنهم أقوياء بشعار "مثلث الشعب والجيش والمقاومة"، وأي تصدي امني لهم هو اعتداء على جمهور المقاومة، وسيكون مصير القوى الأمنية والمواطن اللبناني الرافض، مماثل لما جرى سابقاً في منطقة مار مخايل.. وعائشة بكار ومنطقة برج أبي حيدر والجامعة العربية والطيار المغدور سامر حنا، وما جرى في السابع من أيار/مايو ليس ببعيد؟ خلاصة القول أن المقصود بكلمة شعب في هذا المثلث ليس الشعب اللبناني برمته بل فئة بعينها وجمهور بعينه يحق له أن يمارس ما يريد من إطلاق النار في الهواء عند كل "إطلالة لسيده" أو "أستاذه"، ومن تصدي للقوى الأمنية بالشكل الذي يريد ويرغب دون حساب أو معاقبة بل حتى متابعة؟ ومن القدرة على البناء دون تراخيص وعلى أية قطعة أرض يراها مناسبة..إذاً هذا الفريق من الشعب هو مع المقاومة ضمن مفهومه الخاص عنها أي أنها "ميليشيا" خاصة به ولحماية ممارساته، وهو مع الجيش عندما لا يتدخل لمواجهته بل كقوة للفصل بين المتنازعين..

- الجيش: الجيش اللبناني من المفترض أن يكون درع الوطن وسياجه الحصين وحامي الأمن والاستقرار، يرابط على الحدود الدولية برمتها ودون استثناء منعاً لعبث العابثين واعتداء الطامعين وأولهم وعلى رأسهم إسرائيل الرابضة على حدودنا الجنوبية، فالمواطن اللبناني يسأل ما أهمية أو جدوى انتشار الجيش على الطرقات وإقامة الحواجز للتفتيش عن السلاح، طالما أن نصرالله يعلن المرة تلو المرة عن إدخال منظومات وتطوير دفاعات وتعزيز مخزونات الصواريخ والأسلحة، فهل يتم هذا بالتنسيق مع الجيش، أم دون علم الجيش؟ كما أن هناك فريق يطلق النار ابتهاجاً وغضباً، فرحاً وحزناً، دون حسيب أو رقيب، وباسم المقاومة، مما يتسبب في سقوط أبرياء.؟ وحزب الله كان قد منع هذا الجيش من التحليق بطوافاته في أجواء جنوب لبنان، بعد الاعتداء على إحدى طائراته من قبل أحد أضلع المثلث (المقاومة) الذي يفترض أنها تتكامل معه وبه. كما أن التركيز على تحالف المقاومة مع الجيش فقط وحصرياً دون سواه من الأجهزة الأمنية، أتاح لهذا الفريق التشكيك المتواصل بقيادات أمنية أخرى، سواء في انتمائها أو في وطنيتها، أو ربما الأمر محصورا فقط بهوية وانتماء من هو على رأس هذا الجهاز؟ فأصبحنا الآن نشهد ونرى ونتعايش مع "ضلعين" يضمان بعض اللبنانيين وبعض الأجهزة الأمنية.

- المقاومة: مفهوم المقاومة لا يحتاج إلى كثير من النقاش والتحليل والتفسير، فالمقاومة هي رد طبيعي وعفوي نتيجة وقوع احتلال للأرض وانتهاك للسيادة، فالمقاومة حق وواجب على كل مواطن دون استثناء، وليس شرف يدعيّه هذا الفريق أو ذاك، كما لا يمكن احتكار واستغلال ومصادرة هذا العنوان والشعار والمفهوم والبناء عليه سياسياً وإنمائياً واجتماعياً ودينياً وثقافياً وأمنياً في كافة جوانب مؤسسات الكيان والمجتمع اللبناني، ولكن مع الأسف هذا ما يحدث فأصبحنا أمام مجتمعين متناقضين متضاربين، فالتاريخ يبدأ عند هذا الفريق يوم انطلق حزبه (حزب الله) عام 1982، وكان حينها جزءاً من مقاومة وطنية واسعة، ليحتكر لاحقاً وبرعاية سورية وإيرانية، التاريخ والشعار والنتائج والتضحيات التي قدمها كافة اللبنانيين دون استثناء للحفاظ على هذا الوطن والكيان. وأصبح تحت شعار حماية المقاومة وتضحياتها يحق له تسمية وزراء ومدراء ومنع تعيينات وتأخير إصلاحات ورفض علاقات وتعميق ارتباطات.؟ واتهام قيادات سياسية، وتبرئة متهمين بجرائم واتهام أبرياء بارتكابات؟ ولم تعد مسؤوليته حماية الوطن بل حماية تصرفات جمهوره ومكون لبناني واحد مهما كانت ممارساته، وإسباغ ألقاب وصفات على هذا الجمهور تجعله يشعر لنفسه بالفوقية وينظر نحو الآخرين من شركائه في الوطن بالدونية..

خلاصة القول أن هذا المثلث غير المتوازن وغير العادل موجود بقوة الأمر الواقع ونتيجة تقاطع مصالح بعض أطراف هذا المثلث بمن فيهم بعض المسؤولين الرسميين الذين يستفيد بعضهم من وعود بالتعيينات والترقيات من قبل أعضاء هذا الفريق الذي يحمي مشروعه السياسي بميليشياته وبهيمنته على بعض المواقع والمناصب الرسمية ضمن خطة منهجية ومبرمجة وبرؤية إستراتيجية بعيدة المدى بدأت مع عام 1980، وليس عام 1982، كما يظن البعض. إن هذا المثلث غير متساوي الأضلاع، فهو يخدم طرفا واحدا بحيث أن أحد الأضلع الذي يطلق عليه "المقاومة" يتمدد على حساب الوجود الشرعي في كافة المناطق، ويعزز حضوره الشعبي بحماية انتهاكات واعتداءات جمهوره على الأملاك العامة والخاصة في أماكن حساسة وذات خصوصية، ووضع يمهد لتغييرات ديموغرافية على المدى البعيد، ويعمل على إضعاف حضور وقوة وهيبة القوى الأمنية وعلى رأسها الجيش. لذا فإن الحوار مع هذا الفريق سواء كان على طاولة الحوار أو ضمن أي إطار مهما اختلفت تسميته لا قيمة له لأن هذا الفريق يسير وفق برنامج محدد وضع في طهران ومهد لنموه حكام دمشق الحاليين، وينفذه حزب الله مستنداً لحرص معظم اللبنانيين على تجنب تكرار ما جرى في عقود سابقة، ولضعف البعض ممن هم في سدة المسؤولية، وطموحات آخرين وتردد المجتمع العربي والدولي.

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

hasktb@hotmail.com