المراكز المسرحية العراقية تحتفي بسامي عبدالحميد (الهامشي)

بقلم: د. محمد حسين حبيب
غربة عراقية

نشرت جريدة "الصباح" العراقية بتاريخ 27/4/2011 وفي صفحتها الثقافية مقالا بعنوان "الهوامش المسرحية تحتفي بغربة القومية" بقلم د. محمد ابوخضير. والمقال يختص بعرض مسرحية "غربة" في كلية الفنون الجميلة في بابل, والمسرحية من اعداد جمال الشاطئ واخراج كريم خنجر، وتمثيل سامي عبدالحميد، إنتاج الفرقة القومية العراقية للتمثيل.

وقبل البدء بمناقشة المقال المذكور نبين ان فكرة تضييف هذه المسرحية في بابل بدأت من رئيس اللجنة الثقافية في الكلية (كاتب هذه السطور) وبالتنسيق مع رئاسة قسم المسرح فيها وبتأييد ودعم عمادة الكلية, لأسباب منها: اردنا ان نحتفي ونكرم أولا الأستاذ الدكتور سامي عبدالحميد، بوصفه رائدا من رواد مسرحنا العراقي ومربيا فاضلا تتلمذ على يديه جميع أساتذة كلية فنون بابل فضلا عن غالبية أساتذة كليات الفنون الاخرى، وذلك لا اختلاف عليه الى جانب ان عبدالحميد لا يحتاج ان نتحدث هنا عن منجزه المسرحي العراقي والعربي الخلاق، ولا يزال يوعدنا وننتظر مشاريعه العملية والتنظيرية برغم أنه قارب التسعين من عمره أطال (الله جل وعلا) في عمره المديد. وكذلك ان اغلب طلبة كليتنا وجمهور بابل المسرحي لم يحظوا بمشاهدة حية لهذا الفنان الكبير على خشبة المسرح. وفعلا تمت الاستجابة لدعوة مسرحية "غربة" من قبل المؤسسة العامة للسينما والمسرح مشكورة, وتجاوزنا عددا من المعوقات المادية والإنتاجية بمعونة كريمة من رئاسة لجنة الثقافة والفنون في مجلس محافظة بابل الموقر.

ولغاية عرض المسرحية ونجاحها الكبير (حين وقف الجمهور مصفقا لاكثر من عشر دقائق) لم يعلم أحد من كل الاطراف الوارد ذكرها اعلاه (من اسماء ومنظمات ومجلس محافظة بابل وعمادة كلية وممثل رئاسة جامعة بابل ورؤساء اقسام واساتذة قسم المسرح وطلبة وفنانين وادباء ومثقفين حليين حضروا لمشاهدة هذه المسرحية الى جانب عدد كبير من الاعلاميين والصحفيين والقنوات الفضائية واذاعات محلية ومكتب اعلام جامعة بابل وغيرهم) أنهم سيكونون "هوامش مسرحية" بحسب عنوان مقال ابوخضير الذي ربما نسي اوتناسى أن العنوان "ثريا النص" فجاءت الثريا هنا مطفأة تماما بقصدية كاتبها, لا لأغراض نقدية, ولكن لأغراض شخصانية يعرفها الغالبية واكتشفها الاخرون بعد ذلك (المتعلقة بتقييم كاتب السطور لطلبته بين راسب وناجح في الدراستين العليا والاولية بموضوعية حازمة خارج العلاقاتية) ولا نهدف هنا التشهير والاتجار بالمسكوت عنه احتراما للمهنية الصحفية والنقدية برغم ان كاتب المقال ضرب هذه المهنية الأخلاقية عرض الحائط.

بعد مقدمة المقال نقرأ "تروج الفرقة القومية عرض مسرحية غربه تروجا (كما وردت) لثيمة تقليدية دونتها متون العروض المسرحية" وتتكرر (التقليدية) ثانية في قول "ما ابعد النص عن بناء الأداء المونودرامي في تقليديته الأولى التي عرفتها المسرحية العراقية بنص (مجنون يتحدى القدر) للكاتب يوسف العاني المقدم بتاريخ 3/3/1950 على مسرح معهد الفنون الجميلة (يراجع د. حسين علي هارف. يوسف العاني رائد المونودراما العربية)".

وفي مكان آخر من المقالة نقرأ "إن عرض (غربة) أطاح بكل مقومات العرض المونودرامي". ولم يذكر كاتب المقال ما هي مقومات العرض المونودرامي الناجح برأيه؟ فظلت جملته عائمة وناقصة موضوعيا, وهو يعتمد مرجعا يؤكد للقارىْ الرجوع اليه وهو نفسه – أي كاتب المقال- لم يقرأه جيدا, ذلك لأن غالبية استنتاجات أطروحة دكتوراه حسين علي هارف تنطبق مباشرة على عرض مسرحية "غربة" من هذه الاستنتاجات نذكر: 1- لم يكن فن المونودراما ترفا تكنيكيا بل هو إعلان عن الموقف بالشكل وتعبير عن المضمون في شكل منسجم معه. 2- تحمل المونودراما خصائص درامية مثلما تحمل عنصرا ملحميا في بعض جوانبها. 3- يأخذ السرد في المونودراما طابعا مسرحيا. 4- الزمن في المونودراما ذاتي – نفسي أما المكان فهو افتراضي ذو دلالة نفسية وفلسفية وقد يأخذ طابعا مسرحيا افتراضيا.

ومرورا بكل النقاط الاخرى (الاثنتا عشرة) نقطة كلها متطابقة مع عرض "غربة" وللمزيد ينظر (ص 269) الاطروحة. فكيف والحال هذه أن العرض أطاح بكل مقومات العرض المونودرامي؟

الفنان الدكتور سامي عبدالحميد

لقد شطبت المقالة على كاتب النص (د. حسن السوداني) و(د. كريم خنجر) مخرج العرض لأنهما لا يمتلكان تجارب سابقة وهما "ألقاب تجلس في أقصى مقصورات المشهد المسرحي العراقي دون معالم وحضور له أداؤه المشهود ... لم يعرف لهما خطاباً مسرحياً خالصاً"، وكأن كاتب المقال يمنع حق الكتابة والإخراج الا لمن يمتلك تجربة وخبرة سابقة كي يكون في منظوره (النقدي) مستحقا للممارسة. السؤال: كيف يبدأ المبدع اذا؟

برغم ان النص لم يكن متوفرا لدى كاتب المقال فقد حكم على الممثل بانه يضيف من عندياته. لنقرأ: "لذا كان للفنان (سامي عبدالحميد) أو أي ممثل عراقي آخر أن يضيف حوارات عدة من دون ضابط فني أو إيقاعي ما دام النص في تجوال في حوارات يومية حياتية" علامة تعجب كبيرة نضعها هنا!

ويتعرض كاتب المقال لإعداد نص "غربة" المبني على (اللصق او الكولاج) برأينا فيقول: "ويجمع (المؤلف!) و(المخرج) و(الممثل) بين حوارات عدة (هاملت عن الموت/ أدعية الموتى / مراسم الدفن / أدعية أربعينية الموتى / نصوص شعرية / نصوص شعبية) وهو ما أطاح بإيقاع المسرحية أو / العرض إذ تنعدم درجات البناء والترقب ليستمر الحوار في الهيمنة على مجريات السرد .. ".

وهنا أحيل القارئ الى مقال نقدي مسرحي لـ د. محمد ابوخضير نفسه بعنوان "فن الالصاق وجمالياته في عرض ..." المنشور في مجلة "الموقف الثقافي" (العدد 42 سنة 2002) ص 127-128 يؤكد فيه على اهمية فعل الالصاق الجمالي لآلية المتن الحكائي في العرض المسرحي. لنكتشف التناقض الواضح في الرأي النقدي وتحولاته الفكرية وفقا للفضاء المستهدف والغاية من الكتابة أصلا.

وفي نهاية المقال يصف الكاتب جميع من سعى واحتفى بسامي عبدالحميد ومسرحيته "غربة" هم من "أصحاب الرأي الموتور والداندية (هكذا وردت) المستعرضة والبوز المسرحي اليباب". ويهدد الكاتب "لجنة الثقافة والفنون في مجلس محافظة بابل ان تسترشد بأصحاب الرأي الراشد والرصين ..."، وهنا يقع ثانية في "المصالحية الشخصانية" والصداقية ليذكر أسماء أكثرهم من الشباب ولم تزل تجاربهم غضة بعد بل منهم لا تجربة لديه أصلا ولم يزل طريق المسرح غامضا لديه.

السؤال ثانية: أيمكن لتاريخ النقد المسرحي ان يتراجع عن موضوعيته واخلاقياته؟ وان حاولت بعض الكتابات مؤخرا ان تنزل به الى الحضيض, الجواب لا قطعا.

وختاما نقول: إن يوجينيو باربا وضع مفهوما للهوامش المسرحية في كتابه الشهير "زورق من الورق" يصفهم بالمجاميع المسرحية التي تعمل بالجزر الآمنة وهم "يؤسسون المختبرات والمدارس بعيدا عن تكلس المعايير والمقاييس المهيمنة .. والتي لا تزال تسيطر على المسارح المؤسساتية المميتة وليس الميتة على حد قول بروك ..." فنحن نفتخر بذلك.

ولان الحديث عن المركز والهامش قد أكل عليه الدهر وشرب, لان جميع المسرحيين العراقيين يعملون (الآن ومنذ 2003) في محافظاتهم العراقية بوصفهم مراكز مسرحية متعددة, واذا كان كاتب المقال يحن لذلك الزمن فهذا شأنه وحده. ونحن مركز مسرحي عراقي في بابل ومعنا سامي عبدالحميد الهامشي بحسب باربا ايضا (ص 25 من كتابه) نعتز بأن نكون "مجموعة من المنتفضين المجددين للمسرح امثال ستانسلافسكي ومايرهولد وكريج وكوبو وارتو وبرخت وغروتوفسكي هم الخالقون لمسرح التحول"، ومعهم مبدعو مسرح اوف برودوي واوف اوف برودوي الاميركي الذين بدأوا من "هامش" باربا المركزي ذاك, "لا" هامش صاحب المقال بمفهومه الشائع والساذج ذات الصبغة الكلسية.