نادي القصة المصري .. والواقع الثقافي

بقلم: نبيل عبدالحميد
من أعرق المنشآت الثقافية الإبداعية

هناك بلا شك حدث مزلزل أصاب مصر يسمي ثورة 25 يناير. وفي ظل التطور الجديد الذي لحق بالمجتمع فإن على المؤسسة الثقافية أن تعيد النظر في سياستها تجاه منظمات المجتمع المدني الثقافية، ولا بد أن تفعل ذلك بجدية ومصداقية سريعة ومؤثرة، وإلا عادت كما كانت كماً مهملاً من المباني والموظفين وهواة الياقات المنشاة!

فلا شك أن تلك المنظمات قدمت عطاءها الثقافي للمجتمع وأبرزت في مجالها أسماء كان لهم دور يحسب في إثراء الحياة الثقافية، كما قدمت نشاطات مرموقة في منظومة ثقافة البلاد.

وعلى وزارة الثقافة وهيئاتها أن تقوم فوراً بترميم الجسور ولحين إعادة بنائها بينها وبين تلك المنظمات، وأن تنحي جانباً هذا الاتجاه الأحادي الذي ساد سياستها وخططها ومؤتمراتها، مما جعل المثقفين يأخذون جانباً معارضاً لهذا الجو الفاسد وهذا الإقصاء المتعمد بالاعتراف بهم.

ولعل نادي القصة يمثل واقعاً فجاً لمثل تلك المنظمات التي وقعت في فخ الإقصاء المجحف. فهذا النادي بالقاهرة يعتبر من أعرق المنشآت الثقافية الإبداعية في مصر، إذ ترجع فكرة إقامته إلى مجموعة من رواد فن كتابة القصة وعشاقها وأصحاب البصمه في تطورها وتحققها بلغتها العربية علي مستوي العالم!

ففي أوائل النصف الثاني من القرن الماضي بدأ رائد الفكرة الكاتب الروائي يوسف السباعي في بلورة الهدف المنشود، وتجميع الأعضاء الأصلاء ووضع مشروع الميزانية التأسيسية، ثم اتخاذ طرق التنفيذ الفعلي للمشروع حيث أصبحت الفكرة واقعاً ملموساً.

وهكذا انضم إلي النادي مجموعة من أعلام الفكر والإبداع القصصي أمثال طه حسين والشرقاوي وعبدالحليم عبد الله وجوهر وتيمور وبنت الشاطئ وصوفي عبدالله وغيرهم من الأسماء.

وبدأ النادي يزاول نشاطه في إقامة الندوات النقدية حول فن كتابة القصة، ومناقشة القضايا الفكرية المعاصرة في النقد والإبداع، وفي دور اللغة وتطويرها وتنميتها .. الخ، مما يساعد على إتاحة المناخ الجيد للتحاور والمناظرة بين الرواد الراسخين في هذا الفن، وبين براعم الشباب من الموهوبين المتلمسين طريق التماس وإثبات الذات في هذا المجال، بالإضافة لذلك قام النادي بتحديث مسابقة سنوية كبيرة لكتاب القصة المتفوقين ورصدت جوائز قيمة علي رأسها الجائزة الأولي التي تمنح ميدالية ذهبية باسم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين إلى جوار جائزتها المالية.

وإذا ما رجعنا إلى لوحة الشرف المعلقة في صدر نادي القصة منذ الستينيات من القرن الماضي لوجدنا الكثير من أسماء أعلام الفن القصصي الذين يملأون حياتنا الإبداعية في الوقت الراهن.

كما أصدر النادي سلسلة الكتاب الفضي وقتها – والى الآن – وشارك في مادته الكثيرون من الأسماء المعروفة، أصحاب المدارس والاتجاهات المختلفة في فن الإبداع القصصي، ثم حمل الراية من بعدهم جيل لاحق من المخلصين لفن القصة. وهكذا أثرت سلسلة الكتاب الفضي المكتبة العربية بإصدارتها القيمة في هذا الفن.

وأخيراً فمن ضمن نشطات النادي إصدار مجلة "القصة"، لتكون المجلة الوحيدة المعنية بنشر القصة ونقدها وقضاياها على مستوى العالم العربي. وبالتالي فقد لاقت هذه المجلة إقبالاً كبيرا بين براعم الفن القصصي متوازية بين الأجيال من كتاب القصة.

والآن ولكي تتضح الصورة بدرجة أشمل لعلاقة نادي القصة (الهشة) بوزارة الثقافة. وإلى أي مدى يكون سقوطه في فخ الإقصاء المجحف. نقول إن نادي القصة لا يزال تابعاً لوزارة الشئون الاجتماعية، بصفته إحدي الجمعيات التي تخضع لإشرافها ولائحة نظامها الأساسي، حيث يتقاضى النادي من الوزارة مبلغ ألف جنيه سنوياً على هيئة إعانة أو تبرع مثله في ذلك مثل جمعيات الحرفيين والصناعة والزراعة .. الخ.

هكذا ظل النادي، ولسنوات طويلة، يقطر من هذا المبلغ الضئيل شحيح القطرات في عين كل نشاط من نشاطاته قبل أن تجف وتتلاشى.

ويحسب لأولئك الذين تولوا إدارة النادي من بعد جيل الرواد ـ وهم معروفون ـ يحسب لهم صدق الولاء لكيان النادي والحرص على استمراريته وتماسكه في أداء رسالته وإن كان على حساب ذواتهم. فلم يكن هناك أي مقابل لإدارة مجلة نادي القصة. فقد كانت مصروفات النادي الإدارية تلتهم ما يزيد على نصف هذا المبلغ.

وفي أوائل التسعينيات أشرفت على سماء النادي شمس الأمل، إذ وافق وزير الثقافة على إمداد النادي بمنحة سنوية من صندوق التنمية الثقافية قدرها خمسون ألف جنيه لتنشيط رسالة النادي. ثم أتبعها بخمسين ألف أخرى بعد سنوات حينما رأى بعينيه ومن خلال زيارته للنادي مشاركاً في توزيع جوائزة على المثقفين، رأي مدى الإفادة الملموسة والتغير الملحوظ الذي طرأ على أنشطة النادي، وأدواته المستحدثة من مطبوعات وكمبيوترات ومواقع على النت.

إذن فإن على وزارة الثقافة وهيئاتها، ومنها المجلس الأعلى للثقافة المنوط به وضع استراتيجية الثقافة في الدولة، أن يوقف هذا النوع من القطيعة مع هذه المنظمات كنادي القصة. وإذا آن الأوان أن تعتبر الدول هذه المنظمات الروافد الأساسية التي تصب في مجري الثقافة العامة، وأن تشارك الدولة هذه التجمعات، وأن تأخذ رأيها فيما تنوي فعله وأن تطرح همومها عليها وأن تتلاقي التوجهات!

الورقة التي شارك بها الكاتب في مؤتمر اتحاد كتاب مصر بالقاهرة (16 ـ 18 يوليو/تموز 2011).