الشرق الأوسط بين تركيا وإيران وأميركا

كتب ـ شريف أحمد
مرجع لا غنى عنه

تركيا وإيران والولايات المتحدة. ثلاث من القوى الرئيسية الفاعلة في ملف المصالح والمطامع في منطقة الشرق الأوسط. ووفق الباحث الدكتور عبدالعظيم محمود حنفي، في كتابه "صراعات الشرق الأوسط ومصالحه.. المتغيّر الأميريكي والعلاقات التركية الإيرانية"، فإن تحديد العلاقات بين هذه القوى الثلاثة أمر ضروري لفهم وتحليل صراع النفوذ والتمدد الإقليمي في المنطقة.

ويعدّ كتاب "صراعات الشرق الأوسط ومصالحه.. المتغيّر الأميريكي والعلاقات التركية الإيرانية" مرجعا لا غنى عنه لمعرفة تداخلات الصراعات والمصالح في منطقة الشرق الأوسط لاسيما من الزاوية المتعلقة بثلاثة من القوى الرئيسية الفاعلة فيها: تركيا وإيران والولايات المتحدة.

وفي إطار تفسيره لأسس مثلث القوى وأبعاد العلاقة بين أظلاعه الثلاثة: تقاربها وتباعدها، مصالح كلّ قوة ومطامعها، لم يقتصر الدكتور حنفي على تقديم خارطة فسيحة لتاريخ العلاقات الاقليمية، ولكنه يعيد الى الأذهان ما جرفته التطورات من تحولات ومواقف مفصلية أسهمت في رسم المعالم الرئيسية لتك الخارطة وحددت الكثير من مساراتها.

تقارب تركي- إيراني مضطرد

ترتكز دراسة الدكتور حنفي بالأساس على فهم وتحليل مسار العلاقة التركية - الإيرانية، وبحث سيناريوهات مستقبل العلاقات بين البلدين، مبينا التطورات الاساسية التي تحيط بهذه العلاقة واضعا في الاعتبار أن لكلا البلدين سياسة خارجية متباينة تجاه الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وكذلك النظام الاقليمي العربي وفقا لدرجة المصلحة.

ويفترض الباحث أن هناك عوامل عديدة تسهم في عملية التقارب والتباعد بين تركيا وإيران. فإذا كان العامل الجغرافي يلعب دورا كبيرا في التقارب بينهما لمواجهة التحدي الكردي نتيجة تشتت الاكراد بين أربع دول، منها اثنتان عربييتان هما: العراق وسوريا واثنتان غير عربيتين هما: تركيا وايران؛ فإن للعامل الايديولوجي (والديني تحديدا) دورا في التباعد بين البلدين نظرا للاختلاف بين نظام الحكم الاسلامي في ايران والحكم العلماني في تركيا.

وبين هذا وذاك تأتي المصالح الاقتصادية والتي تسوتجب التغاضي عن أية اختلافات بين البلدين، وهو الأمر الذي أسهم في حدوث تقارب تركي - ايراني مضطرد. إلا أن هذا التقارب، لن يكون في مصلحة قوة أخرى، هي الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، وهنا يظهر الدور الأميركي ليكبح هذه العلاقة.

وتحاول دراسة الدكتور عبدالعظيم محمود حنفي إثبات هذه الفرضية عن طريق الاجابة عن تساؤل أساسي يتعلق بطبيعة العلاقات التركية - الإيرانية ومحدداتها ومجالاتها وتأثير العامل الاميركي الذي ينزع نحو تعزيز العلاقات التحالفية مع تركيا ومحاولة احتواء النظام الايراني أو إسقاطه وتأثير ذلك على مسار ومستقبل تلك العلاقات.

ويوضّح الدكتور عبدالعظيم محمود حنفي، أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية في المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالزقازيق (مصر)، ومدير مركز الكنانة للبحوث والدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، وخبير في منبر الحرية الاميركي التابع لمعهد كاتو الاميركي في واشنطن، في مقدمة الكتاب التي تكشف عن الكثير من مكنوناته قائلا: "إن الموقع الجيوستراتيجي لتركيا وايران في منطقة الشرق الاوسط، ومن خلفه قدرة التأثير لأي منهما في تحولات المنطقة من حولهما، كان يعطي دوما وزنا وحساسية خاصين في العلاقة بين البلدين. علاوة على أن التجربة التاريخية لكل من تركيا وإيران، بها بعض التشابه حيث نشأت الجمهورية التركية على أقل من نصف مساحة السلطنة العثمانية التي فقدت أطرافها الأوروبية غرباً، والأفريقية والآسيوية شرقاً وجنوباً.

وعلى ذات المنوال تبلغ مساحة إيران الحالية بالكاد ثلثي مساحة إيران القرن التاسع عشر، بعد أن خسرت أفغانستان جنوباً وأجزاء شاسعة من القوقاز شمالاً، والبلدان يقعان على رقعة جغرافية لها أبعاد جيوسياسية أكثر من أي رقعة غيرها على سطح الكرة الأرضية.

نحن نتحدث عن منطقة ليست كمثل غيرها، ليس فقط بسبب احتياطات الطاقة الموجودة في أراضيها، بل لأن هذه المنطقة، وبسبب موقعها الجغرافي المتحكم في الطرق البحرية الدولية، حددت وما تزال تحدد مسارات الصعود والهبوط للقوى العظمى. ويعود السبب في أهمية الطرق البحرية الدولية إلى أن الشطر الأعظم من التبادل السلعي بين دول العالم المختلفة يتم عبر السفن لرخص تكاليف النقل مقارنة بالطائرات، وهو ما يعزز أهمية البحار والسيطرة عليها في حسم الصراعات الكونية. ووفق هذا التصور تحتل إيران مكانتها. على ذات النسق، تركيا لها موقع مركزي في الاستراتيجية العالمية ليس للاعتبارات الأيديولوجية، بل للاعتبارات الجيوبوليتيكية أيضاً، ومرد ذلك أن الرقعة الجغرافية التي تنهض عليها تركيا كانت ومازالت لبّ منطقة الأوراسيا ومركز دائرتها، وتعتبر القوة البحرية الحالية (الولايات المتحدة الأميركية) المنطقة الأخيرة أساسا لسيطرتها الكونية، بسبب أنها تحاول حبس ومحاصرة القوة البرية (روسيا) وتمنعها من الوصول إلى البحار المفتوحة. وتطل تركيا على الممرات البحرية في البوسفور والدردنيل، كما تفصل روسيا عند البحر الأسود الذي لا بد لها من المرور عبره للوصول إلى مياه البحر المتوسط الدافئة. تلك القوتان الإقليميتان سادت بينهما العداوات والخصومة والتنافس أكثر مما سادت بينهما الصداقة سيما منذ قيام الثورة الايرانية عام 1979.

إن الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية قد تبنت سياسة خارجية أكثر فاغلية من سابقاتها الا أن سياسات هذه الحكومة ازاء ايران تعكس الى حد كبير استمرارا لسياسات الحكومات التركية السابقة في الثمانينيات والتسعينيات، وكما يلاحظ بعض الباحثين، "فإن تركيا كانت تنظر الى ايران على انها بخلاف بلدان الشرق الاوسط الاخرى، دولة قومية كبيرة ومهمة يجب ادارة (العلاقات) معها وليس مواجهتها.

إن رغبة تركيا في اتباع سياسة ادارة او تدبير العلاقة مع ايران بدلا من مواجهتها، تعود الى زمن العثمانيين، وهي لا تزال حتى اليوم امرا لا بد منه في رؤية تركيا للسياسة الخارجية الا ان هذا الميل العام والتفضيل التركيين للديبلوماسية والادارة عندما يتعلق الامر بالشئون الايرانية لا يكفي لفهم التغييرات العميقة التي تشهدها سياسة تركيا الخارجية ازاء الشرق الاوسط بعامة وايران بخاصة، مما ادى الى حدوث تقارب لافت بين تركيا وايران عبر عن نفسه في صفقة نقل اليورانيوم الإيراني المخصب مع كل من تركيا والبرازيل. وتنص الصفقة التي أعلن عنها في السابع عشر من مايو/آيار عام 2010 أن تنقل 1200 كيلو جرام من اليوانيوم الإيراني منخفض التخصيب إلى تركيا لتحصل في المقابل على يورانيوم بتخصيب أعلى من روسيا وفرنسا للاستعمال في مفاعل طهران للبحوث، علاوة على تصويت تركيا ومعها البرازيل ضد فرض حزمة رابعة من العقوبات ضد ايران في مجلس الامن وفق القرار 1929 مع الزيادة المضطردة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين وفق مؤشرات محددة. وتتناول هذه الدراسة مستقبل العلاقات التركية - الايرانية مع تناول تأثير العامل الامريكي بهذا الصدد".

تركيا.. إيران.. أمريكا.. وصراع المصالح

تنبع أهمية موضوع الكتاب من عدة اعتبارات بعضها يتعلق بخصوصية النظامين الايراني والتركي ذاتهما، والبعض الآخر يتعلق بتداعيات هذه الخصوصية على العالم العربي. والدور الأمريكي لتحديد هذه التداعيات. حيث تطرح النخبة الايرانية نفسها كتجربة مختلفة عن نظم الحكم في بلدان العالم، فهذه اول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الاولى يتولى فيها رجال الدين بصفتهم هذه حكم دولة اسلامية، والدور الذي تراه النخبة الايرانية الحامكم لدورها وقد يكون طموحات ايران النووية عنوانا لهذه التصورات.

كذلك فإن تركيا دولة الخلافة الاسلامية، قد انهت الخلافة في العام 1924 وتبنت العلمانية نهجا ثابتا واختارت التوجه الغربي بدلا من الإسلامي في سياساتها الخارجية الا ان فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات منذ انتخابات نوفمبر 2002 وهو حزب ذو اصول اسلامية وتبنيه مقاربات جديدة للسياسة الخارجية تقوم على تعدد الابعاد وفق رؤية حكومة العدالة والتنمية بأن تركيا كانت دولة طرفية ضمن الإطار الاستراتيجي لحلف شمالي الأطلسي (الناتو)، تعتمد على المحيط الجغرافي للتحالف الغربي؛ لكنّ المفهوم الاستراتيجي للناتو، تطوّر خلال فترة ما بعد الحرب الباردة، وكذلك فعلت حسابات تركيا لبيئتها الاستراتيجية، الوجود التركي في أفغانستان إشارة واضحة على هذا التغيير؛ فلم تعد تركيا دولة طرفية. وهي اليوم تواجه ضغطا لتولّي دور إقليمي مهم، ما خلق، باعتراف الجميع، توترات بين التحالفات الاستراتيجية الحالية والمسؤوليات الإقليمية الصاعدة.

كما ان تركيا مهمة للاستراتيجية الأميركية بحكم أهميتها الجيوبوليتيكية لأنها محاطة بثلاثة بحار وتشكل جسر طبيعي يربط أهم قارتين وهما آسيا وأوربا وتقع على تقاطع بين أوربا ومصادر الطاقة الغنية والشرق الأوسط وحوض بحر قزوين ولها مضايق (البسفور والدردنيل) تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط.

وتركيا ليست مهمة للولايات المتحدة لكونها لاعبا جيوبوليتيكيا فحسب بل لكونها لاعبا جيوستراتيجيا لأنها تجاور بقعة عرضة للانفجار بسبب حالة عدم الاستقرار في البلقان الاوراسية وفى الشرق الأوسط واستقرار تركيا هام للولايات المتحدة، لأنها لو تعرضت لعدم الاستقرار الداخلي فإن ذلك سيجعل المنطقة كلها في حالة من الفوض.

مع ملاحظة أن الولايات الأميركية استفادت أيضا من حقيقة أن أحد ثوابت السياسة التركية هو التوجه الحازم نحو الغرب. فالجانب الأمريكي يرى تركيا لاعب جيو -استراتيجي في منطقة البلقان والشرق الاوسط ولها حيوتها في المجالين السياسي والاقتصادي بل ان تلك الرؤية لا ترى تركيا لاعبا جيواستراتيجيا فحسب بل تراها محورا جيوبوليتيكيا مهما تعول عليها الولايات المتحدة لأهداف استراتيجية، فالمصالح الهائلة الممتدة من آسيا الوسطى وحتى الخليج العربي تتطلب وجودا عسكريا وحليفا مباشرا فى السيطرة على قوس النفط الكبير الممتد من آسيا الوسطى وبحر قزوين وحتى الخليج العربي، واحكام السيطرة على ايران حتى يتم التعامل معها حيث ان تركيا يمكن ان تشكل حائطا صلبا في الجهود الاميركية لاقامة تكتل سني من الدول المعتدلة في المنطقة ضد طموحات المد الايرانى الشيعى الذي اخذ يمثل تحديا للجهد الاميركي في منطقة الشرق الاوسط، كما أن تركيا هي الدولة الديمقراطية المسلمة العلمانية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وان نوع الاسلام المتسامح الذي تعتنقه يمكن ان يكون نموذجا يقتدى لإيقاف ما تسميه الأصولية الاسلامية في المنطقة ويدعم جهود الدفع بالديمقراطية في العراق.

يوضّح د. حنفي في كتابه أبعاد العلاقات التركية - الايرانية، ومستقبلها وذلك من خلال تحليل وتحديد القضايا المثارة بين البلدين، التي ينتج عنها توترات أو صراعات معينة نتيجة اختلاف الرؤي بينهما وقضايا الاتفاق بينهما. ومن ثمة تأثير العامل الاميركي على مستقبل تلك العلاقات. فتركيا وإيران تحتلان موقعا استراتيجيا هاما بالنسبة للنظام الإقليمي العربي، باعتبارهما من دول الجوار الجغرافي يتشاركان في بيئة إقليمية واحدة تؤثر وتتأثر كل واحدة بالاخرى وكل واحدة تؤثر بدورها في دول الشرق الأوسط وجاراتها، وعلى مستوى أشمل في العالمين الإسلامي والغربي.

وهذا التأثير يستوجب تدخّل أميركي؛ تدخّل يؤثّر ويتأثّر بحالة العداء المتبادلة بين الولايات المتحدة وايران على خلفية جملة من القضايا من جهة. ومن جهة أخرى يؤثّر ويتأثر بتقاطع المصالح والتنافس بين إيران وتركيا من جهة، وأميركا من جهة أخرى، على مناطق النفوذ في الشرق الأوسط.