الهوني يري حقيقتين ويرحل

بقلم: محمد الأصفر
الصحفي الليبي المخضرم هاشم الهوني

ودعنا يوم 17 يوليو/تموز الجاري الصحفي والفنان الليبي المخضرم هاشم الهوني إلى دار الحق بعد أن تحقق حلمه الذي وأده في عز مجده ونجاحه العقيد القذافي عندما أمر بقفل جريدة الحقيقة عام 1971 بعد عامين فقط من انقلابه الذي بدأ كثورة ليتحول بعد زمن قصير إلى انقلاب دموي وحكم شمولي امتد إلى شتاء 2011.

ودعنا الهوني سعيدا هانئا بعد أن عاش خمسة شهور من زمن جميل تعيشه ليبيا الآن، هو زمن ثورة الشباب التي دحرت الديكتاتورية، ومازالت تضيق عليها الخناق لتستأصلها من جذورها بصورة نهائية.

ويذكر أن جريدة "الحقيقة" أصدرت أول أعدادها في مارس عام 1964 كجريدة أسبوعية، ونظرا لنجاحها واستقطاب أهم الكتاب الليبيين للكتابة فيها مثل الكاتب والمؤرخ محمد عبدالرزاق مناع والأدباء عبدالله القويري ويوسف القويري ومحمد الشلماني ومحمد فاضل زيان وغيرهم فقد تطورت سريعا لتؤسس مطبعتها الخاصة بها ولتصدر بصورة يومية.

ومن خلال جريدة "الحقيقة" الناجحة جماهيريا والتي كانت تقف الناس في طوابير من أجل اقتناء نسخة منها والاحتفاظ بها في إرشيف خاص بعد أن يتم تداولها بين أكثر من قارئ برز كتاب مهمون قدمهم الأخوان هاشم الهوني ورشاد الهوني للمشهد الثقافي الليبي والعربي، منهم من هو معروف في جرائد طرابلس ومصر، ومنهم من ظهر لأول مرة. كثير من الأسماء تألقت على جريدة "الحقيقة" وصنعت مجدها عبر أوراقها البسيطة الحميمية كالصادق النيهوم، وأنيس السنفاز، وخليفة الفاخري، ومحمد أحمد وريث، وحسين مخلوف، وسالم قنيبر، وأحمد إبراهيم الفقيه، وأمين مازن، وأبوبكر الهوني، وحميدة البراني، وعلي فهمي خشيم، ومحمد علي الشويهدي، وعبدالرازق بوخيط ... وغيرهم.

وكتب فيها أيضا عدة كتاب عرب مهمين ومعروفين منهم: بكر عويضه، وسمير عطا الله، ويوسف حسين، وتاج السر كنّه. وقد كانت الجريدة شاملة رياضية وثقافية وسياسية واجتماعية، وكان للمرأة في الجريدة دور مهم وصفحة مهمة أشرفت عليها الصحفية حميدة البراني زوجة رئيس التحرير رشاد الهوني.

وركزت الجريدة كثيرا على الأسماء الجديدة والمواهب الواعدة التي برزت فيما بعد وتكرست كأسماء مهمة في الأدب الليبي الحديث في مجال القصة والشعر والمقالة كمحمد المسلاتي، وسالم الكبتي، وأحمد أبوبكر المسلاتي، وزكري العزابي، ومحمد قصيبات، وعوض بريك، وسالمة الفاخري.

في هذه الجريدة تألق بشكل ملحوظ الكاتب الكبير الصادق النيهوم وعبر وريقاتها عبر مقالاته الجميلة ذات الأسلوب الرشيق والحاملة لآراء مثيرة للجدل تتحدث عن القرآن والرمز والديانات وتسخر من الواقع الليبي والعربي بطريقة إبداعية ذات حرفية عالية.

الصادق النيهوم من كتاب جريدة الحقيقة البارزين

عام 1971 ضاق القذافي ذرعا بجريدة "الحقيقة" وشعبيتها الكبيرة وسيطرتها على الرأي العام، فالناس والقراء لا يهمهم القذافي، ويهمهم ما ينشر في "الحقيقة" من مقالات للصادق النيهوم وخليفة الفاخري وعلى الفزاني ومحمد الشلطامي، فتم إغلاق الجريدة وملاحقة أسرة تحريرها حتى أن رشاد الهوني تمت محاكمته واستجوابه. ولينفرط عقد هؤلاء الكتاب ويتبعثرون بعيدا عن حقيقتهم التي صارت بفضل الديكتاتور القذافي صحيفة محظورة ومرّة. وتم أيضا مصادرة مطبعتها التي هي عبارة عن قطاع خاص، لصالح الجيش يطبع فيها بدل الجرائد والإبداع أوامر القبض وأوراق الإجازة وفواتير السلاح ومحاضر التحقيق وغيرها من أوراق بيرقراطية معقدة.

كلما تأخذنا الطريق إلى حديقة الحيوانات عبر البركة ومنطقة الحميضة لا بد لنا أن نمر قرب محطة بنزين بوكر ومعسكر الديقاقوستا على مبنى كان فيما مضى صرحا صحفيا كبيرا هو دار الحقيقة لنجد أمامه العسكر ببنادقهم وبقربهم براميل مملوءة بالأوراق الممزقة ووبعضها يصَّاعد منها الدخان.

والآن هاهو الزمن السيء يمر ويأتي إلى بنغازي وليبيا الزمن الحلو اللذيذ فليس ببعيد كانت كتيبة الفضيل بوعمر مسيطرة على كل شيء في بنغازي. الكتيبة قريبة جدا من دار الحقيقة للطباعة والنشر، بل هي خلفها بالضبط، ولتسمع دار الحقيقة صرخات الثورة وهتافات الشباب ولتنتصر الثورة في 17 فبراير/شباط 2011 بعد أربعين عام من قفل هذه الدار والجريدة صاحبة الرسالة الثقافية الجليلة، ولتبتهج صفحات الجريدة من جديد ولتخرج من أرشيفاتها القديمة لتكتب قصة ثورة شباب 17 فبراير.

لقد عادت جريدة "الحقيقة" الآن بأسرة تحرير جديدة يرأسها كما ذي قبل أبونا الفاضل مؤسسها الأول مع أخيه رشاد السيد هاشم الهوني الذي اعتبره أنه قد رأى حقيقتين هذا العام التاريخي المميز الحقيقة الأولى هي ثورة 17 فبراير، والحقيقة الثانية هي صدور أول عدد من صحيفته "الحقيقة" التي أوقفتها الديكتاتورية عام 1971.

بعد أن رأى الهوني الحقيقتين وتلمَّس العدد الأول الذي صدر الأسبوع الماضي بيده ناداه نداء الحق فلبى النداء وهو سعيد وهانئ. الثورة التي ينتظرها والتي أسس من أجلها جريدة قامت. والجريدة التي أبدعها وأوقفها الديكتاتور عادت إلى النور.

رحم الله صاحب الحقيقة وأسكنه فسيح جناته، والحرية هي مستقبل العالم.