'حان وقت الحزم الحكومي' عند قائد السبسي

بقلم: منور مليتي
تونس في مرحلة دقيقة جدا

لما قبل الباجي قائد السبسي بعد تردد مهام رئاسة الحكومة التونسية إثر استقالة محمد الغنوشي تداولت الأوساط السياسية والإعلامية تعليقا للشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة أن الحكومة رأسها "رجل من الأرشيف" في إشارة إلى أن قائد السبسي ينتمي إلى الجيل الأول من الاستقلال.

لكن قائد السبسي الرجل الذي نشأ في المدرسة البورقيبية اغتنم أول مؤتمر صحفي ليرد على الشيخ الغنوشي بالقول "ليس لي مشكلة، حتى هو أيضا من الأرشيف" بل ذهب أبعد من ذلك لينتقد الشيخ الغنوشي الذي كان قد صرح قبل سقوط نظام زين العابدين بن علي "ثقتي في الله أولا وثقتي في بن علي ثانيا" بالقول "أنا لا أقول كما قال البعض ثقتي في الله وفي بن علي".

ومنذ توليه رئاسة الحكومة استلهم قائد السبسي إدارته لأدق مرحلة تمر بها تونس من الطريقة البورقيبية وفي مقدمتها نوعية الخطاب وإصراره على عقد مؤتمرات صحفية يرتجل خلالها كلمة تبثها وسائل الإعلام مباشرة، تفاعل مع الثورة بعقلانية متفهما لمطالب التونسيين الثائرين وحريصا على ضمان هيبة مؤسسات الدولة.

فتح مكتبه للجميع دون استثناء، للأحزاب السياسية، للمنظمات الاجتماعية، للشخصيات الوطنية ولكل الذين ساهموا في الثورة ما ساعده على كسب ثقة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وعلى تأمين حد أدنى من الاستقرار.

لكن الرجل الذي يؤمن بالدولة وبهيبتها يرفض أن تتحول الثورة إلى فوضى تماما كما يرفض أن تنتهك مؤسسات الدولة من طرف أحزاب سياسية متطرفة يمينا أو يسارا.

رفض استهداف مؤسسات الدولة

خلال الفترة الأخيرة بدا الباجي قائد السبسي أكثر حزما في التعامل مع الأحداث التي تشهدها تونس حيث لم يتردد بضرورة فرض القانون ومحاسبة المتورطين في تلك الأحداث متهما أطرافا سياسية بالوقوف وراءها.

واكتشف التونسيون أن قائد السبسي الذي يدير بذكاء وصبر الأوضاع المعقدة في البلاد أنه بقدر تفاعله وتفهمه لمطالب التونسيين المشروعة بقدر ما هو حريص على فرض القانون وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة والتصدي لمحاولات استغلال الدين والمساجد لأغراض سياسية.

كما تأكدوا من أن الرجل الذي يحرص على تأمين عملية الانتقال الديمقراطي غير مرتاح للأوضاع في تونس ولدور الأحزاب السياسية التي لم تساعد الحكومة على حل المشاكل المتراكمة بل انكبت على حملات سياسية في إطار حسابات حزبية لا ترتقي إلى مستوى الوعي الوطني بضرورة تكاتف جهود مختلف القوى من أجل إنجاح المسار الديمقراطي.

وسائل حادت عن مهمتها

انتقد السبسي الطريقة التي تتعاطى بها وسائل الإعلام المحلية الرسمية والخاصة مع ما تشهده تونس من أحداث ملاحظا أن الإعلام "لا يخلو من نقاط الضعف التي يجب لفت الانتباه إليها".

وقال قائد السبسي في حوار أجرته معه إذاعة "موزاييك اف ام" إن "العديد من وسائل الإعلام حادت عن مهامها وكانت خلال الفترة الماضية تدعو للتظاهر وتشجع على الاعتصام مما فرض على الحكومة لفت الانتباه والدعوة إلى الاعتدال وتجنب التهويل والالتزام بالموضوعية".

ومنذ ثورة 14 يناير/كانوث الثاني التي أطاحت بنظام الرئيس ين علي شهدت وسائل الإعلام التونسية طفرة نوعية بعد أن رفعت عنها كل المحظورات التي كان فرضها النظام السابق، غير أن الأوساط السياسية لم تخف أن "الطفرة النوعية" لا تخلو من "انفلات إعلامي" على غرار الانفلات السياسي والاجتماعي والأمني.

ولئن أكدت الأوساط السياسية أن هذا الانفلات تبرره سنوات الكبت التي تعرض لها الصحافيون التونسيون فإنهم طالبوا في أكثر من مرة بضرورة حياد وسائل الإعلام والتحلي بالموضوعية والنزاهة في بلد يضج بحراك سياسي متعدد المرجعيات والأهداف ويشهد منذ الثورة حركات احتجاجية بعضها عفوي وبعضها منظم من طرف الأحزاب السياسية.

ويعيب التونسيون على وسائل إعلامهم انتهاجها لأسلوب الإثارة والابتعاد عن الضوابط المهنية مما جعلها تتحول إلى جزء من اللعبة السياسية إلى درجة أن التلفزة الحكومية سمحت لأحد المواطنين بالمطالبة بإعدام رئيس الوزراء السابق محمد الغنوشي على الهواء مباشرة ما أثار امتعاضا كبيرا لدى الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمواطنين العاديين.

غير أن قائد السبسي شدد على على ضرورة ان يكون الإعلام "حرا وشفافا وموضوعيا" باعتباره "يضطلع بدور أساسي في توعية الرأي العام وتنويره وتمكينه من المعلومة" ملاحظا أن الحكومة المؤقتة تحترم حق المواطن في التعبير عن رأيه وفي التظاهر بصفة سلمية شرط أن يكون ذلك في إطار ما يسمح به القانون.

تحييد المساجد

ومن جهة أخرى حذر قائد السبسي من توظيف المساجد لأغراض سياسية وكشف أن بعض الأشخاص يستغلون المساجد خلال المظاهرات وينتهكون حرماتها ويتعمدون الدخول إليها" معتبرا ذلك تدنيسا لبيوت الله.

وكان عدد من المتظاهرين خلال الفترة الأخيرة استعملوا المساجد كفضاءات خلفية واقتحموها خلال تفريقهم من طرف قوات الأمن.

وسارعت حركة النهضة إلى نفي أي علاقة لها بتلك الأحداث ونددت باستعمال العنف لكنها استنكرت الطريقة التي تعاملت معها السلطات مع المتظاهرين.

لغة الحزم

وأكد قائد السبسي أن كل من ثبت تورطه وإدانته في أحداث العنف الأخيرة سيحاسب وفق ما ينص عليه القانون.

وهذه أول مرة يتحدث فيها قائد السبسي بلغة وصفها المراقبون بـ"الحازمة" في التعامل مع المشاركين في المظاهرات الاحتجاجية التي اجتاحت عددا من المدن والأحياء الشعبية، بل لم يتردد رئيس الوزراء في وصف المتظاهرين بـ"الشرذمة" التي تريد أن تضرب استقرار البلاد وأمنها.

وقد دانت أغلب الأحزاب السياسية تلك الأحداث مؤكدة أنها تستهدف مسار الانتقال الديمقراطي وتعمل على إجهاض الاستحقاق الانتخابي ليوم 24 أكتوبر/تشرين الأول القادم وعرقلة عمل الحكومة.

غير أن تلميحات قائد السبسي إلى أن حرق المنشآت الخاصة والعامة وتخريب مراكز الشرطة تقف وراءها أطراف سياسية فسرها بعض السياسيون على توفر معلومات لدى الحكومة بأن الإسلاميين هم الذين خططوا ونفذوا تلك الأحداث، ولم يتردد زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي أحمد نجيب الشابي في القول أن الإسلاميين يخططون للاستيلاء على السلطة.

اطمئنوا: الانتخابات ستجري في موعدها

بخصوص جهود حكومته لتيسير انتخابات المجلس التأسيسي أكد قائد السبسي ان الحكومة "قامت بواجبها لتيسير الأمور بالنسبة للهيئة العليا المستقلة للانتخابات حتى تضطلع بمهامها في الإشراف على تنظيم الاانتخابات في موعدها" مشيرا إلى انه ولأول مرة في تاريخ البلاد الحديث لا تتدخل الحكومة في الانتخابات.

وطمأن التونسيين حول جدية العزم على الالتزام بموعد الانتخابات بالرغم من تشكيك عديد الأطراف وذلك في رد واضح على تصريحات لمسؤولين في حركة النهضة تشكك في إجراء الانتخابات في موعدها.

وضع تونس.. دقيق

وصف قائد السبسي الوضع العام في البلاد بـ"الدقيق جدا" خاصة في ما يتعلق بمشكل البطالة المتزايدة بوفود حوالي 80 ألف طلب شغل سنويا وقال إن الحكومة نفذت مشاريع سريعة ساهمت في خلق 60 ألف موطن شغل ومشاريع اكبر على مدى السنوات الخمس القادمة بكلفة 125 مليار دولار.

ويتطابق هذا الوصف مع تشخيص الخبراء للوضع في البلاد وخاصة في جانبه الاقتصادي حيث أكد كل من الخبيرين محمود بن رمضان وبوجمعه الرميلي أن تونس في حاجة إلى خطة تنموية مستعجلة لإنقاذ البلاد بعد أن تراجعت مدخراتها من العملة الصعبة وتراجعت نسبة النمو لتتراوح بين صفر و1 بالمئة.

وفي رد ضمني على الانتقادات التي وجهت للحكومة بخصوص سياسة الاقتراض أبرز قائد السبسي أن مواجهة مشاكل التنمية بالجهات المحرومة وتوفير مواطن الشغل "فرضت على الحكومة الاستعانة بالقروض من الخارج ملاحظا أن الحكومة تعتمد خطابا واقعيا مع المواطنين في تقديم واقع البلاد وآفاق التطوير في ظل الظرفية الحالية".

سر زيارة قطر

وكشف قائد السبسي أن زيارته إلى قطر والكويت وغيرها من البلدان أثمرت ثقة المستثمرين الأجانب في تونس وأعلن أن وفودا عديدة ستزور تونس في ختام الشهر الجاري للنظر في إمكانية الاستثمار بالبلاد.

لكن مراقبين سياسيين تونسيين لم يترددوا في التأكيد على أن زيارة رئيس الوزراء التونسي إلى قطر التي لم يكشف عن تفاصيلها كانت تهدف إلى تقديم صورة تونس الجديدة للقطريين فيما ذهب محللون سياسيون إلى أن الزيارة "الأخوية" بحثت موضوعين رئيسيين أولهما ضمانات الدعم الأميركي عبر وساطة قطرية وثانيهما ملف الإسلاميين الذين تربطهم علاقات جيدة مع دولة قطر.

منور مليتي- تونس