الدينار الليبي بين كر وفر

بقلم: محمد الأصفـر
علينا أن نثق في الدينار الليبي

المصارف في المدن المحررة والتي تحت سيطرة الثوار الليبيين تعاني نقصا حادا في السيولة. الناس لديها أرصدة لكن لا يمكنها السحب إلا مبلغا معينا تحدده كل شهر سلطات المجلس الوطني الانتقالي. الحال في المدن التي تحت سيطرة القذافي لا يختلف. المصارف تعاني نقصا حادا في السيولة مما اضطر النظام الليبي للاستنجاد بأوراق عملة قديمة كان قد ألغاها منذ زمن وأدخلها إلى السوق من جديد.

في المناطق الحدودية تتكدس العملة الليبية. تخرج مع الفارين من جحيم الحرب أو المسافرين لأجل العلاج أو التجارة. في منطقة سيدي براني بمصر سنجد عدة مطاعم ومقاه واستراحات. غالبا ما ترى علم الاستقلال الليبي يرفرف على أعلاها. وفي داخلها تجده ملصقا على الحوائط بصحبة شيخ الشهداء عمر المختار وعبارة يا رب أحفظ ليبيا وأهلها. مكتب منفصل خاص بتصريف العملة. يصرف لك الليبي بالمصري أو إن كنت عائدا إلى ليبيا يصرف لك الجنيه المصري بالدينار الليبي. يقوم المكتب أيضا بصرف بقية العملات الدولية المتداولة كاليورو والدولار.

بدوي من أصل ليبي يرتدي زي البادية الليبية، سورية وفرملة وعلى رأسه شنة حمراء في معظم الأحيان ملفوف حولها شال يبتسم في وجهك ويرحب بك. ليس أمامه أي قائمة أسعار. على الجدار لا ترى لوحة مضيئة بها أسعار العملات كالبنوك. كل شيء في دماغه. يقول لك ايش معاك؟ تقول له 300 دينار ليبي. يخرج من الدرج آلة حاسبة ينقر عليها بسبابته، قيمة المبلغ يضربه في سعر صرف اليوم، يعد النقود التي استلمها منك ويمنحك مقابلها بالجنيه المصري. تشكره وتجلس إلى طاولة لتناول وجبة شهية بلحم الخروف، يجيد بدو برّاني ومطروح والضبعة طهيها.

في مطروح بشارع الجلاء الشهير وهو شارع رئيسي مكتظ بالسياح والمتاجر التي تبيع المواد الغذائية المنتجة محليا خاصة تمور واحة سيوة وزيتونها الأسود والأصفر والأخضر، الشارع مكتظ أيضا بالمطاعم التي تعد المشويات، وكذلك بالمقاهي التي يستعملها الصرافون المتجولون كمقار لنشاطهم. في المقهى تسأل بدويا عن سعر الصرف اليوم فيخبرك. تلاحظ أنه ارتفع عن أول أمس. تسأله عن السبب يقول لك سوق .. عرض وطلب .. لا تقتنع بالإجابة. فسوق العملة له أسراره لا يمكنك أن تحصل عليها من صراف صغير يعمل تحت إمرة معلم كبير.

عندما أخبرته أني بصدد تصريف مبلغ كبير جدا. قادني من يدي إلى مكتب قريب من المقهى، هو محل شكله الظاهري محل هواتف محمولة ومستلزماتها. لكن ما إن جلست حتى رأيت خلف الشاب الأنيق الجالس إلى المكتب كميات كبيرة من المال .. ليبي .. مصري .. مصفوفة في رف خلفه. يا للصدفة الرجل الذي خلف المكتب صديق رقمي. صديق من ضمن قائمة أصدقائي في الفيس بوك. طلب لي قهوة اكسبريس من مقهى جديد افتتح مؤخرا لتقديم خدماته للزبائن الليبيين التي اكتظت بهم مطروح خاصة في شهري مارس وأبريل ومايو حيث تمت استضافتهم من أهل الخير من أعيان مطروح وجمعياتها الخيرية المتنوعة، هذا المقهى يعد قهوة المكياطة والخلطة والكوبتشينو وبقية الأنواع الإيطالية التي لن تجدها في مقاهي مصر الشعبية التي تقدم النرجيلة وشاي الكشري والحلبة والقهوة العربية بأنواعها سكر زيادة، سكر على الريحة، سكر مزبوط، سادة.

بدأنا في الدردشة وسألته عن تقلب السوق مرة الدينار يصعد ومرة يهبط. مثل الجندي في المعركة يكر ويفر. قال لي عندما يقصف الناتو كتائب القذافي، الدينار الليبي يرتفع سعره. وعندما يتم الاعتراف بمجلس الثوار الوطني من دولة عظمى يرتفع الدينار أكثر. المشهد يقول إن النصر قريب وأن الاستقرار سيعم والتجارة ستزدهر إذن علينا أن نثق في الدينار الليبي حتما ستكون له قيمته المتميزة. كلما حقق الثوار نصرا ميدانيا. يحررون مدينة جديدة أو يتقدمون عدة كيلو مترات سعر الدينار يرتفع. وكلما تعقدت الأمور ونامت المعركة وبقيت الأمور على ما هي عليه في جبهات القتال أو حققت الكتائب تقدما على الثوار الدينار الليبي يهبط.

قلت له: إن تجار العملة في مصر متهمون بتكديس العملة الليبية لديهم بكميات ضخمة مما جعل المصارف في ليبيا تعاني من نقص حاد في السيولة، فقال لي بالعكس، تجار العملة يحاولون تحريك الأموال المكدسة لديهم بشتى الطرق. يعيدونها إلى ليبيا سريعا يشترون بها دولارات أو يشترون بها ملابس مستوردة وأقمشة وبطاطين وأيضا خردة أو نحاس. الآن تجارة الخردة رائجة جدا. الذين يذهبون إلى جبهات القتال في ليبيا ليس كلهم ثوارا مقاتلين، منهم تجار يقتربون من الجبهات لجمع الأظرف الفارغة للقذائف والذخائر الرشاشات والبنادق الآلية. كل هذه الفوارغ مصنوعة من معادن مهمة مطلوبة في السوق العالمي خاصة النحاس. تجار الخردة المصريون يشترون الدينار الليبي من تجار العملة، ويشترون به الخردة من ليبيا التي ازدهرت تجارتها الآن في زمن الحرب.

سألته ألا تعتبر الأظرف الفارغة للقذائف وطلقات الرصاص بأحجامها كافة مواد عسكرية يحظر التعامل فيها من قبل التجار المدنيين؟

فقال لي: هم لا يحضرونها من جبهات القتال أو المناطق التي شهدت قتالا مباشرة، يقومون أولا بإذابتها أو جعلها في قوالب تفقدها هيأتها الأولى.

تحدثنا كثيرا عن هذه التجارة التي ازدهرت كثيرا في زمن الحرب. مهندس كيميائي كان حاضرا معنا تدخل في الحديث عارضا وجهة نظر حول التلوث السام الذي سببته الحرب للجو وللتربة وللأشجار، وأن هذا الأمر خطير على صحة الأجيال القادمة والحوامل. الناتو يقصف .. الكتائب تقصف .. الثوار نفس الشيء يطلقون النيران .. التجار يجمعون الأظرف الفارغة يبيعونها كمعدن.. التربة تصاب بالتلوث .. السماء تمتلئ بالدخان السام .. الليبيون يموتون .. المرتزقة الذين هم بشر مثلنا رمى بهم القدر والحاجة إلى هذا الأتون يموتون .. الفاتورة يدفعها الجميع .. المال .. الدم .. الحياة .. الحرية تقترب أكثر .. الدينار ترتفع قيمته أكثر .. من يمتلكه في عصر الحرية سيكون سعيدا .. في عصر العبودية الدينار لا يسعدك .. مهما كدست منه فثمة شيء سيؤرقك .. تبني بيتا جميلا يغتصبه منك ابن القذافي .. تركب سيارة جميلة توجه لك تهم معاداة الاشتراكية .. في عصر الحرية لا أحد سيقول لك من أين لك هذا؟ الجميع سيقولون لك ما شاء الله .. مبروك .. الحرية ترفع قيمة المال .. ترفع قيمة الحياة .. لقد نزف الشعب الليبي كثيرا من أجل هذه الغالية .. ومازال .. وسيظل ينزف لأن يكتسبها كاملة.