ضاحي خلفان، وحب الاستعراض

بقلم: سالم المزروعي

لا يعتبر حب الاستعراض والظهور، علّة حديثة عند بعض أنواع البشر، بل هي علة قديمة، لكن تطور وسائل الاتصال والإعلام جعلها تزداد حدة، وظهر من الأشخاص في مجتمعاتنا حالياً من يرغبون في تكثيف ظهورهم الإعلامي بأي وسيلة كانت، بل تجد لديهم استعداداً لقبول أية مقابلة إعلامية لأي جهة كانت في أي وقت كان.

وقد أثارت التصريحات الأخيرة للفريق ضاحي خلفان تميم قائد شرطة دبي، حول المجلس الوطني في دولة الإمارات، الكثير من التساؤلات لدي ولدى الكثيرين، حول ما إذا كان أبو فارس أحد المصابين بهوس الظهور في وسائل الإعلام المختلفة، أو لنقل أحد الحريصين على التواجد في الإعلام بصورة مستمرة ومثيرة للجدل.

المتتبع للعلاقة بين ضاحي خلفان ووسائل الإعلام خلال العشرين سنة الماضية، سيجد الكثير من النقاط الطريفة والغريبة في هذه العلاقة.

أذكر أنه في عام 1984م، عقد ضاحي خلفان تميم مؤتمراً صحفيا في دبي، للإعلان عن رؤيته أطباقاً طائرة، صرح خلاله أن الحادثة تمت في جميرا، عندما كان عائداً مع مجموعة من أصدقائه من سهرة في منزل صديق لهم، وشاهدوا جسماً دائرياً يدور بسرعة هائلة فوق البحر قبل أن يختفي عن الأنظار، وقد أثارت تصريحات تميم تلك الكثير من علامات الاستفهام بين مصدق ومكذب، ومتسائل عن جدوى عقد مؤتمر كهذا، ليتحدث فيه شخص عن رؤية طبق طائرة دون دليل ملموس يقدمه كالتقاط صورة مثلا لهذه الأطباق، كما استغرب البعض من أن هذه الطبق لم يره إلا ضاحي خلفان وأصدقاؤه، في مدينة لا تهدأ فيها الحياة ليلا أو نهاراً منذ أيام الثمانينيات.

في عام 2006 خرج ضاحي خلفان بتصريحات لوسائل الإعلام عن نيته الترشح لانتخابات المجلس الوطني، وذلك في الدورة التي شهدت أول انتخابات لعضوية المجلس الوطني في تاريخ دولة الإمارات.

وخرج ضاحي خلفان حينها بتصريحات ترافقها ما يمكن تسميته بـ"النيران الصديقة" التي أطلقها على بعض الأعضاء السابقين، مصوّرا نفسه أنه سيكون هو المنقذ والمصحّح لمفهوم العضوية في المجلس الوطني.

ثم أعلن ضاحي خلفان، وهو الذي يقود شرطة دبي المعروفة بإدارتها التنظيمية الدقيقة، عن تغيير نيته في الترشح، وأنه سينسحب من سباق الترشيح إلى المجلس الوطني بسبب طلب شهادة حسن السيرة والسلوك.

وقال أن عمله في خدمة شرطة دبي لمدة 37 سنة خير شهادة على التزامه بقوانين ولوائح الدولة، فردّ عليه الدكتور أنور قرقاش الذي كان يومها وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني، أن تقديم شهادة حسن السيرة والسلوك ليس إلا إجراء تنظيمياً وقانونياً يتوجب على كل من يتقدم بالترشيح إلى المجلس الوطني أن يتقدم به، وأن هذا القانون يسري على الجميع دون استثناء.

وقد أثارت تصريحات أبو فارس استياء الكثير من مواطني الإمارات يومها، فتبريره انسحابه في رفضه تقديم شهادة حسن سيرة وسلوك من أجل الترشح، يدل على نظرته غير الحضارية بضرورة وجود محسوبية له في الموضوع، وأن القانون ليس بالضرورة أن يسري على الكل، بل لا بد من بعض التجاوزات لأمثاله، وتساءل البعض: كيف يريد ضاحي خلفان أن يلتزم الجميع بالقانون والأنظمة واللوائح، بينا لا يريد هو أن يطبقها على نفسه؟

في قضية قتل المبحوح الأخيرة، أعلن قائد عام شرطة دبي عن تلقيه تهديدات بالاغتيال والتصفية، وفي مارس 2010 تقدم بفتح قضية ضد بريطانيين لأنهما حلقا فوق منزله على ارتفاع عشرة أمتار من الأرض من دون ترخيص، وقد تمت تبرئتهم في المحكمة.

لم يخل الشعر أيضاً من بعض "الطلعات" على بو فارس الذي ينشر بعض قصائده من حين لأخر في بعض الصحف، ففي مطلع ديسمبر الماضي نشرت له في صحيفة البيان قصيدة مهداة إلى رئيس الدولة، أخذت مساحة ثلث صفحة على امتدادها طولياً، لكن القصيدة كانت مليئة بالكسور الوزنية. أما قصيدته التي ردّ فيها على قصيدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فقد جاءت أشبه بالتقرير الأمني الذي يمدح فيه ضاحي نفسه ويعدد مهاراته ومهارات وإمكانيات من يعملون تحت إمرته في الشرطة بصورة متضخمة تبرز فيها الأنا بقوة.

ومن آخر الفرقعات الإعلامية لأبو فارس، ما خرج به قبل أسابيع قليلة، عندما عاد للحديث عن المجلس الوطني، ولكن بصورة غريبة، جاءت بصورة قريبة جداً من المطالبات التي تم رفعها قبل فترة إلى رئيس الدولة، والمعروفة باسم العريضة التي حملت توقيع أسماء عدد من المواطنين الذين يطالبون فيها ببعض التغييرات في المجلس الوطني وكيفية تفعيله. وقد تحدث ضاحي خلفان بصورة غريبة حيث طعن في ذمة الكثير من أعضاء المجلس الوطني الحاليين، وقال إن جميع المجالس الوطنية السابقة لا تحل ولا تربط ولا تحرك ساكنًا، ولا تسكنُ متحركاً.

الأغرب أن تصريحات ضاحي انطلقت في هذا الاتجاه، بينما لم ينبس ببنت شفة عندما أعلن النائب العام في الدولة القبض على مجموعة من الأشخاص الذين تطاولوا على رئيس الدولة ونائبه وولي عهد أبوظبي، وبدرت منهم تجاوزات تهدد أمن الدولة واستقرارها.

ضاحي خلفان تميم، حكاية لا تنتهي مع الإعلام، وفي آخر تصريح له لموقع اريبيان بزنس (نشر بتاريخ: 17 يوليو 2011م)، قال ابو فارس: ليس لدينا توجه لفرض أو لإجبار الشركات على توظيف إماراتيين، لكننا نشجع الشركات التي تساعد على توظيف المواطنين بحيث تعطى عطاءات وعقود لا تعطى لغيرها، أي أن نعاملها معاملة خاصة. ويكمل قائد عام شرطة دبي متحدثاً باسم شيوخ الإمارات: ومن خلال معرفتي المتواضعة بصاحب السمو الشيخ محمد وشيوخ الإمارات، فهم لا يفضلون عملية فرض أو إكراه الشركات على توظيف إماراتيين.

أثار هذه التصريح استغرابي أيضاً، فأنا لم اعرف أبو فارس متحدثاً رسمياً أو غير رسمي باسم شيوخ الإمارات، ولا أدري لماذا يدخل نفسه في مسائل التوطين والاقتصاد، وكيف يعترف بلسانه أن معرفته بالشيوخ متواضعة ثم يتحدث باسمهم! وكيف يتحدث عن المعاملات الخاصة مع البعض، بعطاءات مع البعض دون الآخر!

ترى لو أن أبو فارس كان عضوا في المجلس الوطني، هل كنا سنراه يخرج بتصريحات يعارض فيها التوطين في الشركات الخاصة؟ هل هذا ما ينتظره منك أبناء الإمارات يا ضاحي؟

أما آخر فتاوي وآراء أبو فارس العجيبة، فقد كانت من خلال برنامج "واجه الصحافة" على قناة العربية، وقال أن جزر الإمارات الثلاثة طنب الكبرى والطنب الصغرى وأبوموسى، أن لإيران يد عليها قبل قيام الاتحاد بين إمارات الدولة. وأن ايران جارة مسلمة، واستقرار ايران هو استقرار للمنطقة!

كنت أتمنى لو أن من أجرى المقابلة عقّب على إجابة أبو فارس بسؤاله: هل الخليج عربي أم فارسي؟ وهل تعتقد أن إيران تريد الاستقرار لمنطقة الخليج أصلا؟ وهل الكشف عن شبكات التجسس الإيرانية في دول الخليج دليل على أن ايران تبحث عن استقرار المنطقة؟ وهل ما حدث من تدخلات سافرة لإيران في البحرين دليل على رغبتها في الاستقرار؟ وهل تودّ أن نقف صامتين ومراعاة أنها مسلمة رغم كل ذلك؟ وهل اعتناق إيران الإسلام يمكن أن يجعلنا نغض النظر عن احتلالها جزر الإمارات؟ ومزاعمها في البحرين؟

كم أنت كريم يا أبو فارس مع بلاد فارس!

ولا نعلم إلى أين يتجه ضاحي خلفان، الذي وصل وتجاوز سن التقاعد الرسمية في الدولة (61 عاماً)؟ هل سيترشح لعضوية المجلس الوطني لنشر وترويج أفكاره اللاوطنية والغريبة وغير المحسوبة؟

إلى أين يا أبو فارس؟ إلى أين؟

سالم المزروعي