الفلسطينيون والكفر بالثورة المصرية

بقلم: محمود عبد الرحيم

طوال الأسابيع الأخيرة، وأنا أتابع، بانزعاج شديد، شكاوى الفلسطينيين المريرة، سواء عبر أخبار ومقالات أو شهادات حية من أصدقاء، كلها تصب في خانة الشعور بالإحباط من الثورة المصرية، التي راهنوا أن تأتي بجديد يغير وضعية التعاطي معهم مصرياً، للدرجة التي دفعت بعضهم إلى القول "لقد كفرنا بثورتكم".

وما يسوقه أهل غزة، يكرره أشقاؤنا في الضفة أو القدس، فالكل في المعاناة سواء، عند معبر بري أو بالمطارات.

وأزمة الفلسطينيين مع مصر أو فلنقل بشكل محدد مع النظام المصري، في النظرة الأمنية إليهم أو بالأحرى في اعتبارهم خطر محتمل لتهديد الأمن، ومحل شك وارتياب، ما يستوجب تخصيص إدارة لشؤون الفلسطينيين بجهاز أمن الدولة، ناهيك عن الاستخبارات، وما يتبعه من تضييقات في الدخول إلى البلاد، وتقليص أعداد الراغبين في السفر إلى أدنى عدد ممكن، ومنع العبور من خلال مصر إلا بشق الأنفس، حتى لو كانت هي المنفذ الوحيد للخروج للعالم، كما هي الحال مع أهلنا في غزة.

وللأسف هذا النهج يتشابه كثيراً مع النهج الصهيوني في التعاطي مع الفلسطينيين، وبحكم العلاقة الوثيقة بين نظام الرئيس المخلوع الذي لم يسقط بعد بالكامل، والكيان الصهيوني، فليس خفياً أن الطرفين كانا يعملان على بث روح اليأس والانهزامية في نفوس الفلسطينيين، لتركيعهم ودفعهم إلى الاستسلام، في إطار تسوية مفروضة من جانب تل أبيب وبرعاية واشنطن.وكنا نأمل بعد أن قمنا بثورتنا المجيدة أن تسقط المشاريع الصهيونية التي كانت (مصر مبارك) طرفاً فيها، وتحدث تغييرات راديكالية على صعيد السياسة المصرية باتجاه "إسرائيل" والفلسطينيين، أو بالأحرى مزيداً من الاحتواء والدعم للفلسطينيين، ومزيداً من التشدد، وربما القطيعة مع الصهاينة، لكن تعثر مسار الثورة المصرية، بفضل التدخلات الإقليمية والدولية، خاصة من جانب واشنطن وتل أبيب والرياض، وتحالف القوى الإسلامية مع بقايا النظام، حال دون إنجاز الثورة لأهدافها سريعاً، التي حتماً كانت ستكون لها امتدادات في الخارج وأصداء ومكتسبات يلمسها كل عربي، وخاصة الأشقاء في فلسطين، وليس المصريون فقط.

ولأن لا شيء تحقق على أرض الواقع، وما زلنا نواصل نضالنا الديمقراطي لتحرير مصر ومن بعدها العرب من التبعية والاستغلال والفساد، فالتضييق على الفلسطينيين لا يزال قائماً ومفهوماً في هذا السياق، حيث لم تتغير السياسات الأمنية بعد سقوط مبارك، خاصة من الجهاز الذي ادعوا أنه تغير لمجرد تغيير اسمه من "أمن الدولة" إلى "الأمن الوطني"، فلا يزال يمنع بعض الفلسطينيين من دخول مصر، رغم حصولهم على تأشيرات، خاصة من لهم علاقة بالمعارضة المصرية، أو من يسببون إزعاجاً للكيان الصهيوني في الداخل، ومنهم الصحفية صابرين دياب.

فضلاً عن تحقيقات أمنية تضع الفلسطيني في خانة المتهم الذي عليه أن يتذكر ربما ارتكب جريمة وهو لا يدري، كما حكي لي صديق ليس له أي نشاط سياسي، لا داخل مصر ولا في الأراضي الفلسطينية، ويميل بحكم ارتباطه بمؤسسة السلطة الفلسطينية إلى الانسجام مع المواقف الرسمية المصرية، وعدم الخروج عن النص، ومع ذلك تم توقيفه في مطار القاهرة، عقب عودته من زيارة الأهل في رام الله، وتبادل المحققين استجوابه وملاحقته بأسئلة سخيفة عن اسمه وعمله، وغيرها من الأسئلة التافهة التي لا يُقصد منها إلا المضايقة والإيذاء النفسي.

وثمة وقائع حدثت مع مئات، إن لم يكن آلاف، تدخل صراحة في باب انتهاك حقوق الإنسان، من قبيل المنع من قضاء الحاجة لساعات طويلة، أو الفصل بين الأم وطفلها، أو الاحتجاز في أماكن غير آدمية، حسب روايات متواترة.

ويبدو المشهد ليس أفضل حالاً لأشقائنا في غزة الذين هللوا فرحا بالإعلان عن فتح منتظم لمعبر رفح، غير أن تقليص أعداد العابرين وقيوداً مبالغاً فيها على المرور أصاب الكثيرين بالإحباط، خاصة الشباب، وأضاع حلمهم في الخروج من السجن الكبير الذي فرضه الإسرائيليون منذ ما يزيد عن أربعة أعوام.

وأظن أن كثيراً منا تابعوا حكاية العروس الغزية التي ملت من القدوم إلى معبر رفح للحاق بزوجها في إحدى الدول الخليجية، حتى نالها اليأس والكآبة بديلاً عن الفرح والأمل، وغيرها الكثير من الطلبة والمرضى والعاملين بالخارج الذين تعطلت مصالحهم، أو ضاعت فرصهم تحت حصار جائر لم يسقط بسقوط مبارك، وإن خف قليلاً.

في الأخير، إن كان لي أن أعبر عن أسفي واعتذاري لكل فلسطيني عن هذه المعاملة الخشنة المثيرة للغثيان وغير المقبولة بأي حال من الأحوال من الشعب المصري تجاه الفلسطينيين، الذين نعتبرهم بحق أشقاء، ولهم حق علينا، ومصر بلدهم مثلنا تماماً، ونرى أنه من العار أن يتعرض أي عربي على أرضها للإساءة، فإننا في نفس الوقت نطلب من الفلسطينيين التماس العذر، ونتبرأ من سياسة لم نضعها، وممارسات نستهجنها، لأنها تسيء لمصر قبل أن تسيء للآخرين، ونعاهدهم أن نصر على إنجاح ثورتنا، وإحباط محاولات تكفير الداخل والخارج بثورة ملهمة دفعنا ثمنها غالياً، ولا زلنا، لتعود مصر الحرة القوية قلب العروبة وقبلة العرب جميعاً، وقائدة لأمتها العربية بحكم دورها ومسؤولياتها، وليست مصر التابعة المعادية للعرب، والمتورطة في علاقة محرمة مع الكيان الصهيوني.

محمود عبد الرحيم