الثورة واليسار فى مصر

بقلم: عماد السبع

من تناقضات المشهد الثوري المصري أنه بينما ترفع وتردد الجماهير مفردات الأجندة اليسارية الداعية لمجتمع العدالة والتغيير الشامل والتنمية المستقلة والانحياز للكادحيين والفقراء في الميادين العامة وقلب ميدان التحرير، فإن اليسار الثوري يظل غائباً عن هذه الساحات وعن الحضور المؤثر في هذه اللحظة الثورية الفارقة.

الثابت أن اليسار ـ كأفراد وتنظيمات حلقية صغيرة ـ كان قطباً رئيسياً شارك في الحراك السياسي والفكري والجماهيري الاحتجاجي قبل الـ25 من يناير، كما ساهم بأدوار لا يمكن جحدها أو إنكارها في المناخ الداعي للتغيير والثورة ضد مبارك.

ولكن، أين حزب اليسار القوي والمنظم والفاعل على الساحة المصرية؟

تقودنا الإجابة عن التساؤل لتأمل واقع حزب "التجمع الوطني التقدمي الوحدي" الذي أسسته طليعة يسارية مصرية في أبريل 1976 عند تدشين التجربة الحزبية التعددية في عهد السادات وحتي الآن.

فعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود تصدر هذا الحزب الساحة السياسية المصرية باعتباره تنظيماً شريعاً لليسار حيث تبني برنامجاً اشتراكياً تحت مسمى (مجتمع المشاركة الشعبية) يميل لأفكار (يسار الوسط) ويخاطب ظهيراً اجتماعياً عريضاً من العمال والفلاحيين والحرفيين والمنتجين الصغار والرأسمالية الوسطى المنتجة.

ثمة حاجة لتحليل النخبة التي تسلمت قيادة هذا الحزب عقب انتخابات مؤتمره العام السادس بالعام 2008 حتى سقوط مبارك واستظهار مواقعها الطبقية، وهل نشطت لتعبئة الجماهير خلف برنامجها ودفعت نحو تطوير أدائها السياسي والتنظيمي والحزبي من عدمه.

من البين أن نتائج هذا المؤتمر أسفرت عن سيطرة "جماعة تنتمي للشرائح الوسطى والعليا" على المناصب الكبرى بالمستويات القيادية المركزية، وفي الوقت نفسه وبمقادير حاسمة على تنظيم وادارة العمل الحزبي بلجان الحزب القاعدية في محافظات مصر المختلفة.

ويكشف التحديد الإجرائي لهذه النخبة التي تحملت مسؤولية الشأن التنظيمي داخل هذا الحزب عن وجود قسمين أساسيين:

الأول عناصر "بيروقراط واداريين تابيعن لجهاز الدولة وإعلاميين متخصصين واكاديمين" سيطروا على عضوية "اللجنة والأمانة المركزية" الكائنة بالعاصمة.

ويتكون القسم الثاني من جناح للبرجوازية الصغيرة التقليدية يضم أصحاب مشاريع خاصة وحرفيين ومنتجين صغاراً سيطروا على لجان الحزب الفريعة بمحافظات مصر، ونشطوا كروافد داعمة للقسم الاول، مع تبني مواقف أكثر راديكالية ازاء بعض القضايا السياسية.

فضلاً عن صعود جناح للبرجوازية التجارية داخل الحزب حقق اختراقاً ملموساً صوب منصب الأمين العام للحزب (السيد عبد العال) وأمانة العاصمة وبما حقق لهم سيطرة على بعض أهم مفردات الشأن المالي والإداري بالحزب.

تسكين الشرائح الوسطى بالمناصب القيادية المؤثرة في هذا الحزب كان عمدياً وبهدف استمرار السياسات والتوجهات التي كرسها رئيس الحزب (د.رفعت السعيد) واعادة إنتاج سيطرة تياره على عصب الإدارية اليومية والسياسية للحزب.

ومن هنا فإن حراك بعض القيادات العمالية والفلاحية صوب عضوية المكتب السياسي بالتجمع لم يدفع نحو تغيير حقيقي في بنية القيادة حيث ظلت آليات الحصر والتنفيذ الحزبي والتوجيه الإعلامي (أي شؤون الخزينة والمطبعة) بقبضة هذه الشرائح الوسطى.

الانحراف عن التوجهات الإيديولوجية والطبقية لهذا الحزب جاء نتاجاً لسلوك وهيمنة عقلية هذه الفئة على مشهده السياسي والتنظيمي، وما بدا من انحسار لنفوذ و شعبية اليسار يعود للطابع التوفيقي والانتقائي لتلك القيادة التي سعت دوماً لتحرير صفقات وانتهاز فرص مرحلية ضئيلة ووقتية مع نظام الحكم.

فقد جحدت هذه الفئة الرؤية الخاصة بطبقية جهاز الدولة المصرية وحتمية الصراع مع تحالفه السلطوي، وأكدت منهجية العمل داخله ووجوب تحويله على سند من أنها جزء من النظام والشريعة القائمة.

كما لم تسع لجذب القوي الإجتماعية الرئيسية صاحبة المصلحة في تنفيذ برنامج الحزب من العمال والفلاحين، ولم تنشط حتي داخل أقسام من البرجوازية المصرية الصغيرة التي تمتلك وعياً متقدماً بالأزمة والسياسية الإجتمايعة وتأخذ في تحييدها واستقطابها.

ومن هنا ناصب الحزب الحركة المصرية للتغيير (كفاية) الخصومة عبر محطات متعددة، كما أهان (د.رفعت السعيد) في تصريحات صحفية الحركات الشبابية ونشطاء الإنترنت واعتبرهم "مجرد عيال لسعة لا تعرف معطيات الواقع السياسي والإجتماعي المصري"!

في حين حظيت عناصر من بين الفئة الحاكمة (على سبيل المثال د.علي الدين هلال) ومن الاحتكارات الرأسمالية المتحالفة معها (نجيب سويرس) بحظوات متزايدة من جانب تلك القيادة ومثل احتفال الحزب السنوي بذكرى تأسيسه مناسبة موسمية لتأكيد رضا السلطة ورموزها الثقافية والفنية عن مواقف الحزب.

ولذلك هجرت الفعاليات الإشتراكية العمل تحت راية التجمع حيث لم تدفع قيادته لتجذير المنهج اليساري كفكر وممارسة، ولم تدعم الإرتقاء بأساس وحدته السياسية وأطاره المرجعي كصيغة تجمع التيار (الماركسي والقومي العروبي والديني المستنير) ضمن نواة يسارية واحدة تواجه اليمين الحاكم والإسلام السياسي الرجعي.

ومن ناحية الأداء السياسي غاب وعيها عن فهم تضاريس ومتغيرات الخريطة السياسية في عهد مبارك حيث التزمت الحرص على عدم المساس بمؤسسة الرئاسة المصرية وعدم تحميل مبارك أية مسؤولية عن فساد نظامه واعتبار هذا حصاداً لوزاراته المتعاقبة ومسئوليينه التنفيذيين.

هذا الحزب تقاعس عن تسمية مرشح منافس لمبارك في انتخابات الرئاسة المصرية، ثم عاد ودفع بخالد محي الدين في الانتخابات التشريعية للمنافسة على مقعد دائرة "كفر شكر" ليمنى بخسارة مريرة أمام مرشح جماعة الإخوان المسلمين، ثم تلا ذلك العصف بكافة رموز التجمع البرلمانية وفاز بمقعدين يتيمين في مجلس الشعب المصري.

والواضح أن هذه القيادة اليسارية لم تستنسخ الأدوات الخاصة بمواجهة اليمين السياسي والديني على الصعيد السياسي والجماهيري، حيث تجاهلت مخططات الحكم الساعية لحصار وتحجيم النفوذ اليساري، ولم تفهم فحوى الرسالة الواضحة بأن هناك تنسيقاً مستمراً وقاعدة تحالف بين النظام وتيار الإسلام السياسي برافديه الإخواني والسلفي.

وبدلاً من أن يباشر الحزب الدفاع والذود عن المبدأ الإشتراكي أعلن بيان صادر عن مكتبه السياسي في 10 يبنير 2007 موافقته على إلغاء البنود التي تتحدث عن الاشتراكية بالدستور المصري وبرر ذلك بأن يترك للأجيال القادمة حرية تقرير شكل نظامها السياسي والإجتماعي، وأنه ليس من حق أية قوة سياسية فرض مرجعيتها في الدستور!

ومما لا شك فيه أن ارتياحاً ساد سلطة الحكم تجاه تلك السياسات والتوجهات حيث استأنس النظام مخالب الحزب اليسارى الحاضر شرعياً في الساحة، والتزمت قياداته الخطوط الحمراء في نقد مؤسسة الرئاسة، وادخرت صمتاً ازاء مشروع توريث مصر لجمال مبارك.

انحسار وتراجع الثقل اليسار دالة في الممارسات السياسية لهذا الحزب الذي أساء للنضال اليساري التاريخي وعجز عن بناء نفسه كقوة جماهيرية تعبر عن طموح وآمال القاسم الأعظم من سواد الشعب المصري.

ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن الرموز اليسارية الفكرية المصرية تقاعست عن نقد الأطروحات النظرية التي اعتمدها د.رفعت السعيد والتي أوصلت حزب اليسار لهذه الحالة من التدهور والتراجع أيديولوجيا الإحتكام للواقع والأسقف المنخفضة و التداخل المتناقض.

قد يكون خالد محيي الدين أحد ثوار وشرفاء حركة يوليو 1952، وقد يكون رفعت السعيد أكاديمياً ومؤرخاً عتيداً للحركة الشيوعية المصرية، ولكن أيا منهما لم يسهم في تجذير الخط اليساري لحزب التجمع ودعم تمدده وانتشاره شعبياً وجماهيرياً.

ومنذ ثورة 25 يناير تضرب الانشقاقات حزب التجمع حيث انفرط عقد تيار التغيير المضاد لتوجهات د.رفعت السعيد وأسس لنفسه حزباً بديلاً تحت مسمي "التحالف الشعبي الإشتراكي"، بينما انخرط التيار الرفعاتي في صراع داخلى بهدف ضمان السيطرة على زمام القرار والتنظيم الحزبي في مرحلة ما بعد مبارك.

ولكن، وفق الحساب السياسي يظل حزب التجمع بيتاً لليسار وحاضنة رئيسية لفعالياته المنظمة، واذا تمكنت القيادات العمالية والفلاحية وجيل الشباب من استعادة المواقع القيادية مركزياً ولجان المحافظات والسيطرة على القرار السياسي والتنظيمي، فسوف يسترد اليسار جانباً مؤثراً من مصداقيته وحضوره، ويسهم في إنصاف الجماهير وإنجاز مطالبها المشروعة والعادلة، قبل أن تختطف الثورة في هذه اللحظة التاريخية الفارقة من حياة السياسة والمجتمع المصريين.

عماد مسعد محمد السبع: القاهرة