الاستعمار في ظل النظام العالمي الجديد: الطابور الخامس بديل الحروب المباشرة والمكلفة

بقلم: عمر نجيب

خلال الثلث الأخير من يونيو/حزيران 2011 طالب حشد من كبار قيادات أحزاب وقوى المعارضة المصرية الإدارة الأميركية بالكشف عن أسماء الشخصيات والجهات التي تلقت منحا مالية من واشنطن في فترة الأحداث التي أسفرت عن تولي المجلس الاعلى للقوات المسلحة زمام الامور في البلاد في 11 فبراير/شباط 2011.

جاء هذا التحرك بعد أن أحدثت تصريحات أميركية رسمية بشأن منح 40 مليون دولار "للمعارضين" المصريين منذ 25 يناير، رجة كبيرة في مصر خاصة بعد الكشف عن تمويلات وتدريبات أميركية لقيادات في حركة 9 أبريل.

وموازاة مع هذه "الاحتجاجات" تم توجيه خطاب إلى السفيرة الأميركية بالقاهرة مارغريت سكوبي طالب منها فيه بإصدار بيان عاجل بشأن التصريحات المنسوبة لآن باترسون السفيرة المرشحة لتولي المنصب خلال جلسة اعتمادها أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي مؤخرا، والتي أكدت فيها أن الولايات المتحدة أنفقت منذ أحداث 25 يناير 40 مليون دولار لدعم "الديمقراطية" في مصر وأن 600 منظمة مصرية تقدمت للحصول على منح مالية أميركية لدعم المجتمع المدني.

حجم الرجة التي أحدثتها التصريحات الأميركية تضخم بعد اعتقال ضابط موساد إسرائيلي يدعى"إيلان تشايم جرابيل" يوم 12 يونيو 2011، وإتهامه بتجنيد عناصر مصرية لإثارة الفتنة الطائفية وإحداث فوضى عارمة في البلاد وتنظيم سلسلة من حركات الاحتجاج، وإرسال تقارير إلى المخابرات الإسرائيلية التي تقوم بنقلها إلى المخابرات الأميركية.

الفتنة الطائفية

يوم الأحد 26 يونيو/حزيران 2011 اتهم نائب رئيس الوزراء المصري يحيى الجمل الولايات المتحدة واسرائيل بالوقوف خلف التوترات الطائفية التي شهدتها مصر مؤخراً، مؤكداً ان غايتهما من ذلك هي "كسر" مصر.

وقال الجمل في مقابلة مع التلفزيون الرسمي نشرت مقتطفات منها وكالة انباء الشرق الاوسط المصرية ان "اميركا واسرائيل يقفان وراء احداث الفتنة الطائفية في مصر لادراكهما بأنه لن يكسر مصر الا الفتنة الطائفية"، مشدداً على ان "مصلحة اسرائيل الاولى هي كسر مصر".

واضاف ان "اسرائيل تعلم تماماً ان القوة الكبيرة والوحيدة في المنطقة والتي تعمل لها الف حساب سواء اليوم أو غداً او بعد مئة عام هي مصر، ولذلك تعمل على محاولة كسرها التي لن تحدث بإذن الله".

إذا كانت أقطار المنطقة العربية الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي تخوض حروباً مفتوحة من أجل التحرر من الاحتلال والاستيطان والهيمنة الاستعمارية، حروب بأسلحة نارية على شاكلة نظامية أو الموصوفة بحرب العصابات، كما هي الحال الآن في العراق وفلسطين والسودان والصومال، فإن صراعات أخرى على درجة عالية من الأهمية والخطورة تدور رحالها في هذا الوطن مع الأطراف الطامعة فيه، أما بشكل سري كما هي الحال بالنسبة للتجسس والتخريب المالي والاقتصادي أو تحت غطاء ستائر وأغلفة اقتصادية وسياسية واجتماعية، إلى غير ذلك.

طفرة تضخمية

في الفترة التي تبعت حرب 1991 ضد العراق بمشاركة 33 دولة تحت قيادة أميركية ثم انهيار الاتحاد السوفيتي، شهدت الكثير من دول العالم وخاصة الأقطار العربية طفرة تضخمية غير مسبوقة في أعداد المنظمات المدنية المصنفة رسمياً بـ"غير الحكومية".

مؤسسات "المجتمع المدني" هي الكيانات العاملة في المجتمع والتي تعمل بدون تدخل الدولة وهيمنتها وفق المبادئ والأهداف المعلنة ضمن برامج معدة من قبلها يحكمها النظام الداخلي والهيكل التنظيمي الذي تنتمي له، وهي تعمل لتحقيق أهداف اتفقت عليها شرائح معينة في المجتمع، وتشمل الكيانات السياسية والنقابات والاتحادات المهنية والجمعيات الخيرية والإنسانية والأهلية.

ويعرف البنك الدولي منظمات المجتمع المدني بأنها تلك المنظومة واسعة النطاق من اتحادات العمل والمنظمات غير حكومية والمجموعات القائمة على الأديان والمنظمات القائمة على المجتمعات في المجتمع المدني.

وكثيراً ما تستخدم عبارة المنظمات "غير الحكومية" للإشارة إلى جميع منظمات المجتمع المدني وهذه تسمية ليست في محلها وفيها نوع من التعميم، ففي حين أن المنظمات غير الحكومية تشكل بحد ذاتها فرعا من فروع منظمات المجتمع المدني لذا فأن التمييز بين الفروع المختلفة من تلك المنظمات تعتبر من الأمور المهمة.وعند النظر إلى تشكيلات منظمات المجتمع المدني نلاحظ أن بعضها يعبر عن مصالح طبقة أو شريحة معينة من المجتمع ممن تم تعيينهم في دوائر ومؤسسات الدولة وتربطهم علاقة المهنة أو الحرفة وهذه الأنواع من المنظمات تهمها مصلحة الشريحة التي تمثلها أكثر من المجتمع والأهداف الاجتماعية وهناك نوع آخر من المجالس الصغيرة في منطقة معينة والتي يتم تأسيسها بصورة غير رسمية ولا يمكن تسميتها بالمنظمة، وفى المقابل هناك منظمات أخرى يتم تأسيسها وفق القانون لتقديم الخدمات إلى المجتمع ولإحداث تغييرات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية فيها ولا تعبر عن مصالح شريحة معينة ولا تمثل توجهاً سياسياً معيناً وتطلق عليها تسمية المنظمات غير الحكومية.

نوعان من المنظمات

لعبت العديد من المنظمات غير الحكومية في الوطن العربي لسنوات طويلة دوراً ايجابياً في بناء أوطانها ومعالجة مختلف مشاكله، غير أنه ومع اقتراب نهاية القرن العشرين أخذ الإخطبوط الاستعماري في صورته الجديدة يصنع عشرات المنظمات الجديدة أو يتسرب إلى القائم منها ليستخدمها في تنفيذ مخططاته التوسعية والتخريبية، وهو ما أدى إلى تشويش الصورة وأحاط بالشكوك أهداف هذه التنظيمات.

مخططو "النظام العالمي الجديد" والعولمة والرأسمالية المتوحشة، في عهده الإمبراطوري الأميركي استطاعوا بأموالهم تحت غطاء التمويل والمساعدة غير المشروطة، وبأدوات من السياسيين والكتاب والصحافيين الذين قبلوا بيع ضمائرهم، أن يصنعوا طابوراً خامساً أمضى من سيف الاحتلال والغزو العسكري المباشر وأقل تكلفة، وذلك من أجل فرض شروطهم السياسية واملاءاتهم ونشر مشاريع التفتيت على الدول التي تتخذ نهجا سياسيا مغايرا لما تريده واشنطن.

جاء في "تقرير واشنطن" أن أولى المنظمات الدولية غير الحكومية قامت أساسا من أجل مهام الكنيسة، حيث تخصصت في "تمدين" تنصير شعوب الدول غير الأوروبية. وكانت الجهات الممولة لهذه المنظمات وكيفية تأثير هذا التمويل على عملها في غاية الوضوح حينذاك.

أما الآن ورغم زيادة عدد تلك المنظمات ومعاهد البحث الدولية، واتساع مجالاتها وتعدد مشروعاتها، إضافة إلى نمو مواردها المالية، وزيادة تأثيرها أيضاً، فإن مصادر التمويل أصبحت أقل وضوحاً وأكثر أهمية من قبل وتحصل هذه المنظمات على التمويل اللازم من عدد كبير من المصادر، لكن في معظم الأحيان يوجه إليها النقد لإمكانية السماح لمصادر التمويل بالتأثير على عملها وتوجيهها لخدمة أغراض واهداف لمصلحة المانحين والممولين.

وحول الدور الغامض الذي تقوم به هذه المنظمات وعلى الرغم من الدور الكبير الذي تقوم به مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية كوسيط بين الدولة والمجتمع إلا أنها لا زالت موضع اتهام وشك العديد من الهيئات الوطنية على اختلافها والسبب يعود إلى علاقاتها الغامضة والمشبوهة مع مؤسسات التمويل الأجنبي.

هذه الاتهامات ليست جديدة وإنما قديمة لكنها في الآونة الأخيرة بدأت تأخذ منحاً خطيراً عندما باتت تعمل على ترجمة الأجندات الخارجية وتقوم بمهمة العميل السري الذي يزود دوائره الخاصة بالمعلومات ذات الصبغة الأمنية، والتي تشكل اختراقاً أو محاولة لتغيير البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية والعقدية بطرق ظاهرها إنساني.

المشكل أن هذه المنظمات لا زالت أيضاً تتلقى الدعم من مؤسسات دولية خاصة معروف عنها علاقتها بالدوائر الاستخباراتية.

ولعل واقع العراق اليوم نموذجاً لهذا الاختراق الكبير حيث تقوم مؤسسات المجتمع المدني، بأدوار ليست من صلب أعمالها.

تمويل أجهزة المخابرات

في نهاية القرن الماضي نشرت عدة صحف غربية أجزاء من وثيقة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية "سى آي أيه" تحمل تصنيف "سري جداً" حول خطة عمل محددة لتمويل هيئات المجتمع المدني في يوغوسلافيا السابقة وذلك قبل تفكيكها للتعجيل بإسقاط نظامها ونشر القيم الأميركية تحت عنوان: "دولة صربية ديمقراطية"، وكانت الوثيقة التي تحمل ختم "مؤسسة البلقان" المخابرات المركزية الأميركية قد صدرت أولاً بتاريخ 16 ديسمبر 1998.

وتقدم تلك الوثيقة نموذجاً كلاسيكياً لاستخدام التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني في عملية التفكيك والاختراق في كل مكان على مستوى لا يدركه من يتناول مسألة التمويل الأجنبي من منظور وجود أو عدم وجود شروط للتمويل في هذه الحالة الجزئية أو تلك الحالة المنفردة.

فالقضية ليست ما إذا كانت هناك شروط محددة من المانحين لتمويل هذه الحضانة للأطفال مثلاً، أو ذلك البرنامج لزيارة الصحفيين لأميركا أو تلك المنظمة غير الحكومية المعنية بالبيئة أو المرأة أو الحريات، بل غالباً ما لا تكون هناك شروط محددة تمكن الإشارة إليها بالسبابة، وإذا كان الشيطان يكمن عادة في التفاصيل، كما يقال، فإن شيطان التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية يكمن في الصورة الكبيرة، وفى النتائج بعيدة المدى على المستوى الاجتماعي السياسي لقطر أو إقليم بأكمله، فمن يقترب كثيراً لا يراها.

ومن ذلك مثلاً نموذج رئيس "مركز ابن خلدون" في مصر، الذي جسد نموذج ما صارت عليه مراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية العاملة في خدمة المخططات الصهيونية والاستعمارية: تمويل أجنبي سخي، علاقات قوية مع السفارة الأميركية والصهيونية في القاهرة وتدخل أجنبي مباشر للدفاع عنه، وعمل دؤوب لبلورة نزعات التفتيت الطائفية بذريعة الدفاع عن حقوق الأقليات.

قنوات "بريئة"

بموازاة تضخم عدد المنظمات غير الحكومية في الوطن العربي، تكرر نفس السيناريو في العديد من الدول الغربية لصنع قنوات بريئة المظهر لتمرير الأموال، وعلى سبيل المثال تم في سنة 1998 أنشاء "اللجنة الأميركية للحريات الدينية في العالم" بموافقة الكونغرس الأميركي، وأعلن أنها لجنة مستقلة تراقب وضع حرية الأديان في العالم وتقوم دوريا بنشر تقاريرها الخاصة والتي ترسل إلى الجهات المعنية حول تقييم اللجنة لواقع الحريات الدينية في العالم والتي تعتبرها اللجنة من القضايا المهمة ضمن ملف حقوق الإنسان.

هذه اللجنة أصدرت العديد من التقارير التي سجل أنها تناولت بالنقد بشكل خاص دولا تعرف خلافات مع الولايات المتحدة وتحدثت عن حالات أقليات صغيرة، في حين تغاضت عن اضطهاد مئات الآلاف من العراقيين في ظل الاحتلال لاختلاف معتقداتهم الدينية، وعن أربعة ملايين الفلسطينيين في غزة والضفة يقمعهم الصهاينة.

سنة 1996 كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تمول منظمة "المؤتمر العالمي للحرية والثقافة" التي كانت بدورها تمول مجلة "حوار" الصادرة في لبنان وعددا آخر من النشرات والصحف، "الواشنطن بوست" كشفت في السنة التالية للغزو الأميركي لأفغانستان أن عشرات الصحافيين الأميركيين يوجدون على قوائم دفع الأجور والتعويضات التي تقدمها المخابرات المركزية.

بعد ذلك تبين وعن طريق وسائل الإعلام الغربية أن منظمة "المحاربون من أجل الحرية" كانت تتلقى دعمها الرئيسي من لجنة "أفغانستان الحرة" التابعة للمخابرات الأميركية، نفس اللجنة كانت قد وزعت قبل ذلك بسنوات عديدة وخلال الحرب ضد السوفييت قمصاناً مرسوماً عليها صورة أسامة بن لادن مع عبارة "ادعموا المقاتل الأفغاني من أجل الحرية"، وذلك حينما كان حليفا رسميا لواشنطن.

نفس المؤسسة استطاعت النفاذ إلى العديد من الكتاب والصحافيين سواء في الأقطار العربية أو في دول أخرى من "العالم الثالث" عبر تنظيم دورات تدريبية أو التكلف ماديا وتأطيريا بإرسالهم في مهمات صحافية إلى مناطق مختلفة من العالم.

وهناك من يؤكد أنه بعد انكشاف تورط هذه المؤسسة في فضيحة "إيران-غيت" تم نقل نشاطها إلى "المؤسسة الوطنية من أجل الديمقراطية" التي أكدت صحف لاتينية أنها مولت الانقلاب على الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز عام 2002 بضخ ملايين الدولارات إلى جيوب المعارضة.

وفي دول "الشرق الأوسط" وآسيا الوسطى هناك فروع للمؤسسات الأميركية مثل: "بيت الحرية، صندوق المنحة القومية للديمقراطية، والمعهد الأميركي للديمقراطية"، فضلا عن العديد من الجامعات الأميركية و"راديو الحرية" وغيرها التي تحصل على تمويل من هيئات أميركية مختلفة لدعم مشروع الإمبراطورية، وقد تولى جيمس ولسي المدير السابق للمخابرات المركزية الأميركية رئاسة مؤسسة "بيت الحرية" التي تمول حركات المعارضة في آسيا الوسطى وشرق أوروبا.

نموذج مشابه عاشته أيضاً دول أميركا اللاتينية منذ أكثر من ربع قرن، حينما اجتاحتها انقلابات مدعومة أميركيا عبر المخابرات وحروبها وصراعاتها، والآن مع بداية العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين تحاول واشنطن تكرار نفس التدخلات بأسلوب مختلف جزئياً بعد أن تحولت العديد من دول القارة ديمقراطياً إلى نهج سياسي واقتصادي لا ينفع المصالح الأميركية ولا يلبي طموحات شركاتها الضخمة.

مرجعيات أجنبية

المنظمات غير الحكومية في الوطن العربي والمعتمدة على التمويل والسند الخارجي تحتكم في عملها على مرجعيات قانونية خارجية وتسعى إلى تكريسها، زيادة على أن القضايا التي تعمل من أجلها تربطها بوعي إنساني ما فوق قومي، إنساني الظاهر، ولكنه يؤدى من خلال التركيز على حقوق الأقليات إلى تفكيك الدول، ومن خلال التركيز على حقوق الأفراد إلى تمزيق المجتمعات وتهميش القضايا الكبرى، ومن خلال تعميم الوعي المتغرب والمعولم إلى تهديم الثقافة العربية الإسلامية، ومن خلال التركيز على القضايا التفصيلية إلى تفكيك الحركة الوطنية نفسها.

أن من يتابع نشاطات التمويل الأجنبي للأبحاث والمنظمات غير الحكومية المحلية، ويربط الأجزاء المختلفة لهذه النشاطات في هيكل بنيوي واحد سيكتشف أن القضايا التي تطرحها هذه المنظمات تتسم بأنها تمثل في الكثير من الأحيان قضايا محقة في جزئياتها مثل الطفل والبيئة والمرأة وما إلى ذلك، غير أنها تفصل هذه القضايا عن النضال العام الوطني والقومي لتحقيق التغيير السياسي الجذري في المجتمع.

وكما يقول الأستاذ ناجي علوش، فبدلاً "من طرح القضايا الجزئية ضمن سياق مشروع وطني، كما تفعل حركات التغيير الكبرى في المجتمعات، تعمل منظمات التمويل الأجنبي في الواقع على تفكيك الحركة الوطنية في البرنامج والممارسة، وتستوعب المناضلين السابقين في مكاتب وموازنات وبرامج خارج العمل الوطني".

كما أن هذه المنظمات تطرح قضايا وإن كانت مهمة، لكنها ليست القضايا الأهم في مجتمع يعانى الاحتلال والتجزئة أولاً، ومن ذلك مثلاً طرح قضية جزئية مثل جرائم الشرف في الضفة وغزة.

ويسجل أن الأبحاث والمنظمات التي تتبنى هذه القضايا تهيئ في علاقاتها المالية والتنظيمية لتجاوز واختراق سيادة الدولة الوطنية على أراضيها، الأمر الذي يتماشى في المحصلة مع برنامج الشركات متعددة الجنسية، وبرنامج "البنك الدولي وصندوق النقد الدولي"، في تهديم سيادة الدولة الوطنية، أي أن منظمات التمويل الأجنبي تصبح هنا متمماً موضوعياً لمشروع العولمة، وتوجهها لتفكيك الدولة وتحويل مهماتها الاجتماعية إلى جهات أخرى.

"المؤسسة العربية للديمقراطية"

في 26 يناير 2008 كتب الكاتب والصحفي علي الصراف في "العرب الأسبوعي" مقالا فضح فيه هذا التآمر حيث قال: تهانينا، فقد أعلن الأربعاء الماضي عن بدء نشاط ما يسمى بـ"المؤسسة العربية للديمقراطية"..ولا يحتاج المرء إلى عبقرية ليعرف أن هذه المؤسسة لن تكون سوى ذراع لإخطبوط معروف، وإن مهماتها لن تتجاوز حدود النفاق المألوف، والقميء، الذي تمارسه الولايات المتحدة في ما يسمى بـ"الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان"، ولا يجب أن يكون مفاجئاً لأحد أن شخصية مثيرة للجدل من قبيل سعد الدين إبراهيم هو واحد من أبرز أعضاء مجلس أمناء هذه المؤسسة، فهذا هو مكانه الطبيعي، ودعم الديمقراطية كنشاط مريب هو وظيفته البديهية".

وقال: "أحد أوجه الزيف في تشكيل هذه المؤسسة يبدأ من اسمها، فهي ليست عربية لا في هويتها ولا في أجندتها ولا في المصالح القذرة التي ستدافع عنها، ولو تمت تسميتها المؤسسة الأميركية للدفاع عن الصهيونية لكان الوضع أقرب إلى الحقيقة".

وقال علي المري أمين عام المؤسسة في مؤتمر صحافي عقده في وقت سابق لدى تدشين موقع المؤسسة على شبكة الانترنت إنه "ستكون هناك رقابة على العمل الديمقراطي العربي من خلال المؤسسة"، معلنا "إنشاء مرصد تعتزم المؤسسة إطلاقه لرصد الأداء العربي في المجال الديمقراطي"، وسيقوم المرصد "بإصدار تقرير سنوي عن حالة الديمقراطية في المنطقة العربية".

وقال الصراف: "لا أحد يعرف ماذا ستضيف هذه المؤسسة إلى تقرير النفاق السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية الأميركية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، ولكن بما أن هذه الوزارة لا تستطيع شراء المأجورين مباشرة، لمراقبة "أداء الديمقراطية"، فأن هذه المؤسسة، التي تم الإعلان عنها في يوليو 2007، ستقوم حسب وثائقها "بإنشاء صناديق مالية "!" لإعداد البحوث "!" الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتعلقة بأهدافها، وتأليف الكتب وإصدارها وعقد الندوات والمحاضرات وتبادل المعلومات والخبرات مع المؤسسات العربية والإقليمية والدولية المماثلة، إضافة إلى تقديم المنح والمساعدات المالية لمساعدة ودعم برامج المؤسسات العربية "الأهلية" العاملة في مجال الديمقراطية".

ورأى أن "الهدف الحقيقي من تلك الصناديق هو شراء الضمائر، وتحويل نخبة من الكتاب والمثقفين إلى عملاء مأجورين يخدمون مصالح الإمبريالية والصهيونية ويسوقون مشاريعها للاستغلال والاحتلال والهيمنة، ولكن لكي يبرروا أيضاً انتهاكاتها وجرائمها وكل أعمالها الوحشية ضد أبسط قيم الديمقراطية وأقدس حقوق الإنسان".

الاختراق الأمني

بموازاة مع "حرب الخليج العربي الثانية" وانهيار الاتحاد السوفيتي أدركت العديد من الدول والأجهزة الأمنية بالولايات المتحدة وحليفاتها بجدوى إستراتيجية الاختراق الاقتصادي والاجتماعي والإعلامي من الداخل التي مارستها بالفعل لأكثر من ثلاثين عاماً في دول المنظومة الاشتراكية ودول منظمة عدم الانحياز، ونجحت في نهاية المطاف لأسباب عديدة.

ففي السنوات العشر الأخيرة من حياة الاتحاد السوفيتي تمكنت المخابرات المركزية الأميركية من اختراق عدد كبير من الأجهزة الأمنية والإعلامية بدول المنظومة الاشتراكية عبر تمويل مجلات وصحف ومنظمات تبدو ثورية اشتراكية أو شيوعية، وتدافع عن قضايا السلم والاشتراكية والبيئة والشباب والديمقراطية في العديد من دول العالم، وذلك بهدف تخريب "المناضلين الشيوعيين" وتعويدهم على التربح من خلال مراكز وهمية بمنظمات السلام تلك وعضوية مجلس تحرير تلك الصحف والمجلات في براغ وبودابست وبيروت وبرلين، بمرتبات ومزايا مغرية جداً.

وقد اعترف الرئيس السابق للمخابرات الألمانية الشرقية ماركوس وولف في كتاب له بعنوان "رجل بلا وجه" بعمالته للمخابرات الأميركية و"الموساد" في نفس الوقت بسبب ديانته، بل والتنويه إلى أن التحولات في الاتحاد السوفياتي كانت بتخطيط كامل مع غورباتشوف منذ بداية الثمانينات، وأن المخابرات الأميركية هي التي أخذت بيد غورباتشوف وأوصلته إلى رئاسة اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي، وحددت له طريقه الذي عرف بعد ذلك بـ"البريسترويكا" و"الغلاسنوست".

لعبة العولمة

بعد فرض الحصار على العراق سنة 1991 ودخول روسيا في مرحلة تحلل خلال سنوات حكم يلتسين، وانتشار حالة نفسية انهزامية في الوطن العربي جددت الأجهزة الأمنية في الغرب استراتيجيتها للإبقاء على قدر من التأثير في أغلب بلدان العالم وخاصة بلدان "العالم الثالث" التي تنعكس أية تغييرات سياسية غير محسوبة فيها على استراتيجيات الأمن القومي لأوروبا والولايات المتحدة، ومن ضمن تلك البلدان في منطقتنا العربية.

فما كان من تلك الأجهزة إلا تنشيط الحركة في مجال العمل الاجتماعي وهو مجال واسع تمتلك فيه الأجهزة الأمنية خبرات هائلة سواء من خلال جمعيات "اللوتاري" و"الليونز" أو من خلال أنشطة مكاتب مؤسسات الخدمات الاجتماعية والثقافية والأثرية والسياسية الأميركية والأوروبية في المنطقة، فكان أن بدأت أجهزة الإعلام والصحف في تلك الدول حملاتها المخطط لها بدقة للمطالبة بحرية العمل الاجتماعي وحرية تأسيس الجمعيات والاتحادات النشطة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة والطفل والبيئة وخلافه في تلك البلدان، باعتبار ذلك أحد معايير الديمقراطية.

وجاء الاعتماد على تلك الجمعيات لاعتبارات عديدة، من أهمها أنها الأقدر على رصد التغيرات داخل مجتمعاتها بطرق شرعية وعلنية، ما يمكن وهو ما سيسمح للأجهزة الاستخباراتية من الحصول على المعلومات الضرورية عن تلك البلدان بقليل من الجهد والمال عبر تمويل مشاريع بعينها في تلك البلدان، وهى معلومات ضرورية ليست فقط للاستعداد لأية تغيرات سياسية قد تحدث بتلك البلدان، بل أيضاً إمكانية إجهاض أو توجيه تلك التغيرات بما يخدم مصالح البلدان المعنية.

لقد اتضح الدور الذي لعبته وتلعبه واشنطن في الأوضاع السياسية للدول المتفككة عن الاتحاد السوفياتي السابق، حيث قامت المخابرات المركزية الأميركية بتمويل المنظمات غير الحكومية، بل قدمت تمويلاً مالياً مباشراً لقوى المعارضة في عدة دول أطاحت بأنظمة غير موالية لها وهذا كله بالأساس، عمل مخابراتي استخباري واضح وناجح، لم تطلق فيه رصاصة أميركية واحدة ولم تخسر فيه واشنطن جندياً واحداً بعكس ما يحصل في العراق وأفغانستان، وحققت الهدف الأميركي عبر قوى أخرى.

ومن إبداعات البيت الأبيض للنفاذ إلى الأقطار العربية ما سمي "مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط" التي أطلقتها الخارجية الأميركية في ديسمبر 2002 والمعروفة اختصاراً بـ"ميبي" والتي يتضمن برنامجها مساعدة المنظمات الأهلية في المنطقة، وقد أعلن مكتبها ومقره في تونس في شهر فبراير 2008، عن فتح باب الترشيحات للحصول على مساعدات موجهة للمنظمات المهنية والجامعات والهيئات غير الحكومية وجماعات النساء.

ووصلت المبالغ المخصصة لعام 2008 إلى 3 ملايين دولار، أما حجم التمويل الممنوح للمشاريع الفردية فيراوح بين 15 ألفاً و25 ألف دولار للمشروع الواحد، وأفاد المكتب بأن "المبادرة" التي أطلقتها الإدارة الأميركية في ديسمبر 2002 منحت مساعدات زادت قيمتها عن 430 مليون دولار لتمويل 350 مشروعا في 17 بلداَ من "منطقة الشرق الأوسط" وشمال أفريقيا.

وفتحت "ميبي"، ثلاثة مكاتب إقليمية الأول ويشمل لبنان وشمال أفريقيا والثاني في أبو ظبي وهو موجه لبلدان الخليج العربي والثالث في القاهرة مخصص لمصر.

شركات خاصة للتجسس

لم يكتف "المحافظون الجدد" بتكثيفهم غير المسبوق للتدخل في شؤون الدول الأخرى على المنظمات غير الحكومية وأجهزتهم الأخرى بل اتجهوا إلى خوصصة التجسس كما فعلوا مع خصخصة جزء من حروبهم عبر شركات الأمن الخاصة أو بالأحرى شركات المرتزقة التي جندت في العراق أكثر من 120 ألف مسلح.

فقد أكد تقرير أميركي صدر في بداية سنة 2008 نشرته وكالة "رويترز" زيادة عقود "البنتاغون" مع شركات أميركية لاستئجار أميركيين وأجانب للتجسس في العراق ودول عربية أخرى، وقال التقرير الذي أصدرته شركة "اثينا" الأميركية، وهى واحدة من شركات حصلت على هذه العقود، أنها حصلت على عقدين مع وكالة الاستخبارات الميدانية المضادة "سي آي أف أي" التابعة "للبنتاغون"، هذا بالإضافة إلى أكثر من عقد بين قيادة القوات الأميركية الوسطى، المسؤولة عن "الشرق الأوسط"، وشركة "لوكهيد مارتن" التي أعلنت أنها تبحث عن موظفين يعملون "في مجالات استخباراتية لجمع معلومات عن جماعات وشبكات إرهابية في العراق ودول شرق أوسطية أخرى".

وأوضح "البنتاغون" أنه كلف وكالة الاستخبارات الميدانية المضادة بجمع معلومات "لحماية موظفيه، ومصادره، ومعلوماته، وأبحاثه، وتكنولوجيته، وأمنه الاقتصادي وبقية المصالح الأميركية"، وأن الوكالة، التي لا تعلن ميزانيتها، تنسق بين أجهزة عسكرية ومدنية لجمع معلومات عن حرب الإرهاب في الداخل والخارج، ولحماية الأمن الأميركي.

وكانت اللجنة القانونية في مجلس الشيوخ قد عقدت سنة 2008، جلسة استماع حول الموضوع، حذر فيها "جون غانون"، نائب مدير سابق في وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي أي"، من زيادة عقود التجسس التي وقعها "البنتاغون" مع شركات أميركية، وقال "أن هذه العقود تخلط بين أجهزة مدنية وعسكرية، وبين أميركيين وأجانب".

وأشار "غانون" إلى أن مركز مقاومة الإرهاب الوطني "أن سي تي سيط"، الذي يمد البيت الأبيض بمعلومات استخباراتية عن الإرهابيين، يعتمد، أيضا، على عقود مع شركات تجسس، وأكد مسؤولون في المركز أن 70 في المائة من موظفيه متعاقدون مع شركات تجسس أميركية، وعقدت، قبل ذلك، لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب جلسة استماع حول الموضوع، وأعلنت قلقها بسبب معلومات بأن وكالة الاستخبارات الميدانية المضادة تجمع معلومات عن مواطنين أميركيين، وأعلنت اللجنة أن الوكالة "فشلت في إتباع سياسات تنظم جمع معلومات من مواطنين أميركيين".

وأشارت اللجنة إلى أن الوكالة جمعت معلومات عن 13 ألف تحقيق في حالات تهديد لقواعد ومنشآت عسكرية أميركية، منها معلومات عن مواطنين أميركيين، مما يعتبر خرقاً لحقوقهم الدستورية.

حرب أرخص

ذكر تقرير "تكاليف الحروب" الذي أعده معهد واطسون للدراسات الدولية التابع لجامعة براون إن إجمالي تكاليف التدخل في العراق وأفغانستان حتى نهاية سنة 2011 سيكون 3700 مليار دولار على الأقل وقد يصل حتى إلى 4400 مليار دولار.

يوم 6 يوليو 2011 دافع الرئيس الاميركي باراك اوباما عن الابقاء على المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الى الخارج، معتبراً ان "مبلغاً زهيداً يؤدي الى نتائج كبيرة" وذلك في وقت يحاول البيت الابيض التفاوض مع الكونغرس على اتفاق لتقليص العجز.

وأكد ان الاميركيين غالبا ما يضخمون المساعدة المرسلة الى الخارج.

وذكر بانها لا تمثل في اقصى حد سوى 2 في المائة من الميزانية الفدرالية السنوية.

واضاف "من الذكاء قيام الولايات المتحدة بعمل متواضع في المساعدة إلى الخارج، اذا أرادت أن تكون زعيمة العالم وتتمتع بنفوذ".

الطابور الخامس يعمل في الخفاء منسقاً مع جيوش الغزاة والمرتزقة من أجل تحقيق ما عجزت عنه كل آلة الحرب الأميركية وحلفائها في بلاد الرافدين وأفغانستان وآلة الحرب الصهيونية في فلسطين وغيرها.

عمر نجيب