ثورات... ولكن: الثورات العربية بين الواقع والمأمول

بقلم: د. إبراهيم أبراش

ارتبط مصطلح الثورة في الخطاب والعقل السياسي العربي بنوعين من المضامين والإيحاءات:

الأول: سلبي مستمد من التجربة التاريخية ما بعد الاستقلال حيث شهدت الشعوب العربية سلسلة من الانقلابات العسكرية تم توصيفها من العسكر (الثوار) ومواليهم بأنها ثورات شعبية أو ثورة الشعب ضد الاستبداد والدكتاتورية، فيما نتائج الانقلابات (الثورات) أكدت بأنها لم تكن سوى صراع على السلطة لم تغير كثيرا من واقع حال الشعوب ومن النظام السياسي إلا بتغيير شخص الحاكم في نفس بنية النظام والمجتمع أو بتغيير النظام السياسي من ملكي إلى جمهوري وهذا بحد ذاته ليس منجزا حيث أثبتت التجربة التاريخية في العالم وفي الحالة العربية بأن المشكلة لا تكمن في النظام الملكي بحد ذاته بل ببنية النظام وبالنخب الحاكمة وقدرة النظام السياسي على التعامل مع الاستحقاقات الديمقراطية والأخذ بعين الاعتبار مصالح الجمهور، كما أن التجربة التاريخية أكدت أن الأنظمة الملكية أكثر استقرارا من الأنظمة الجمهورية، وكان يمكن للتحول الديمقراطي والحداثي أن يكون أكثر جدوى في ظل الملكيات مما آل إليه الحال في الأنظمة الجمهورية، والمتابع للمشهد العربي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا سيلمس أن الأزمة تكمن في الأنظمة الجمهورية (الثورية) أكثر مما هي في الأنظمة الملكية.

الثاني: إيجابي ولكنه مستمد من ثقافة ماضوية لا تخلو من رومانسية وتطهرية ومن التشوقات والمأمول أكثر مما هو مستمد من رؤية واقعية عقلانية محيطة بالمتغيرات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم.هذه الرؤية تربط بين الثورة والفكر الثوري اليساري أو القومي التقدمي المعادي للاستعمار والإمبريالية وللتبعية، والمُضخِم في المقابل لدور الجماهير في الفعل السياسي وفي الاستقلالية.

لا نشكك بالحق في الثورة ولا ندافع عن أي نظام أو حاكم عربي لأن ما وصل إليه حالنا العربي من تأزم يشمل كل مناحي الحياة يعود لهذه النظم ونخبها السياسية، فكيف لأحد أن يدافع عن شخص مثل القذافي الذي حوَّل ليبيا لحقل تجارب لفكره المريض ونصب نفسه عميدا للحكام العرب، وكأن طول عمر الحاكم في السلطة بات ميزة تستحق الفخر بها! والذي نصب نفسه ملك ملوك إفريقيا حتى أنه كان يخاطب الحكام العرب باستعلاء وبشيء من التأفف لأنه تنازل وقُبِل الجلوس معهم! وعندما دقت ساعة الحقيقة بثورة الشعب عليه لم يجد معه أحد من الحكام العرب الذين نصب نفسه عميدا لهم، ولا من ملوك أفريقيا الذين نصب نفسه ملكا عليهم!.نفس الأمر بالنسبة لبقية الزعماء العرب كمبارك الذي حول مصر الحضارة والتاريخ والإبداع إلى مزرعة لأسرته وللحزب الحاكم، وجعل الشعب المصري الذي كان يفترض أن يكبر مفتخرا بماضيه وحضارته، يصغر نتيجة الواقع الذي صيره إليه نظام مبارك.وليس حال النظام ألبعثي السوري بالأفضل حيث كل مساوئ الأنظمة العربية متواجدة فيه ولكنه طوال أربعة عقود يحاول أن يخفيها تحت شعارات الصمود والثورة والممانعة.

الجمهور العربي وبعد نشوة الفرحة التي أحدثتها مفاجئة الثورة التونسية ثم المصرية بعد رحيل الرئيسين بن علي ومبارك بات اليوم يعيش حالة من الترقب الحذر بل حالة من ألا يقين بالنسبة لسيرورة وصيرورة الأحداث (الثورات) في بقية الدول العربية، ليبيا واليمن وسوريا والبحرين، بل إن إرهاصات الثورة في بلدان عربية أخرى تراجعت بعدما رأت الجماهير ما يحدث في البلدان التي قامت بها الثورة، وأخطر تحول في مسار الحراك الثوري الراهن ما تشهده ليبيا من تدخل عسكري أميركي أطلسي مباشر في مجريات الأحداث.فكيف يمكن التوفيق بين الثورة بمضامينها الثورية التحررية من جانب والوصاية والتوجيه الغربي للثورة من جانب آخر؟وما طبيعة وتوجهات النظام الذي سيؤسس بعد ثورة مدعومة أميركيا وأطلسيا؟

التدخل العسكري الغربي المباشر في مجريات الثورة الليبية وغير المباشر في سوريا واليمن والبحرين من خلال الإعلام والتحريض والعقوبات ومن خلال دول حليفة لواشنطن، يجعل المواطن العربية حائرا أمام تشخيص ما يجري. ففي الوقت الذي تتجه عواطفه مع الثورة والثوار متمنيا نجاح الشعوب في تغيير كل الأنظمة القائمة، فإن عقله يدفعه للتفكير باتجاه آخر، التفكير بما دعت وبشرت به واشنطن منذ وقت قريب بما سميَّ بـ "الفوضى الخلاقة" والتي تعني في الإستراتيجية الأميركية خلخلة الواقع الجغرافي والسياسي والاجتماعي للعالم العربي بخلق حالة من الفوضى تسمح للغرب وخصوصا واشنطن للتدخل لإعادة بناء الخارطة الجغرافية والسياسية والثقافية في المنطقة خدمة لمصالح الغرب وإسرائيل بالتأكيد.

ما يعزز من التخوفات مما يجري، بالإضافة لمحاولات الغرب ركوب موجة الثورة متحالفا مع قوى سياسية محلية، هو عدم اتضاح هوية الثوار وإيديولوجيتهم والرسالة التي يحملونها والنظام الذي يتوقون لتأسيسه على أنقاض النظام القائم.لا يكفي في الثورات أن يخرج الشعب إلى الشارع، فالشعب وقود الثورة وسيتم استنفاذه عندما يعود الناس لبيوتهم بعد يوم أو شهر أو أشهر، الجماهير التي تخرج للشارع أداة ولكن هناك العقل المخَطِط والمدبر والموجه للحراك الشعبي، ولا يكفي فيمن ينطقون باسم الثورة أن يقولوا بأنهم يمثلون الشعب بل عليهم تحديد هويتهم وإيديولوجيتهم وعلاقاتهم وتحالفاتهم الخارجية وشكل النظام السياسي الذي يريدون.وهنا نذكر بأن كل الثورات الكبرى كانت بمضامين طبقية أو أيديولوجية، فالثورة الفرنسية حملت فكر وقيم الطبقة البرجوازية الجديدة والفكر الليبرالي، والثورة الروسية كانت بمضامين طبقية أيديولوجية، والثورة الإيرانية كانت بمضامين أيديولوجية إسلامية، وبالنسبة لثورات أوروبا الشرقية فإن النظام القديم بدأ بالانهيار قبل قيام الثورة.

قد يكون تحديد مضمون وأيديولوجية أمرا صعبا لان العفوية والاندفاع واقتناص ظروف اللحظة التاريخية من ميزة الثورات، ولان زمن الأيديولوجيا تراجع، ولكن لا يجوز أن يستمر الغموض لفترة طويلة، ومع إدراكنا لتغير الظروف والأحوال وحضور المكوِّن الوطني الديمقراطي بشكل غير مسبوق في تاريخ الثورات، إلا أن القول بالديمقراطية وحده لا يكفي، فتحت عباءة شعارات الديمقراطية قد تكمن قوى أكثر استبدادا من الأنظمة الراهنة.

نقول نعم للحراك الشعبي ونعم للثورة، ولكن الأمر يحتاج لثقافة ثورة تنتشر شعبيا للجمهور ولا تبقى نخبوية، فكر وثقافة يؤصلان للثورة ضمن معطيات وثقافة العصر، وإن كان من المهم أن تكون الثورة منفتحة على كل دول العالم وثقافة العالم بما في ذلك الغرب، إلا انه يجب الحذر من ان تقع الثورات تحت وصاية الغرب وواشنطن لان مواقف هؤلاء من قضايانا المصيرية ما زالت غير ودية إن لم تكن معادية. نأمل ألا تصاب شعوبنا بنكسة جديدة بحيث تصبح أمام مفاضلة خطيرة: إما الاستبداد أو الفوضى غير الخلاقة والاستعمار الجديد.

د. إبراهيم أبراش

Ibrahemibrach1@gmail.com

Ibrahem-ibrach@hotmail.com