النجيفي ودعوته الصادقة

بقلم: علاء الخطيب

نظر العراقيون الى الخطوات الأولى التي قام بها السيد أسامة النجيفي عند تسلمه رئاسة مجلس النواب بالتقدير والاكبار، حينما زار النجف والبصرة وبعض المحافظات الأخرى واستبشر البعض بولادة برلمان عراقي قوي في عهدته وبرئاسته، إلا أني كنت أردد البيت المشهور للإمام الشافعي "ستبدي لك الايام ما كان خافياً.. وتأتيك بالاخبار ما لم تزود" لأنني كنت ابني مواقفي على تاريخ الرجل وعقله الباطن من خلال تصريحاته النارية التي كان يطلقها، ولعل عدم استقبال السيد السيستاني له حينما زار النجف كان أحد المؤشرات ولعل فراسة المؤمن هي من دلت السيد السيستاني على ذلك.

وطبقاً لقاعدة "لا يجوز القصاص قبل الجناية" فقد أحجمت عن الحديث والكتابة عنه، واستسلمت لنصيحة صديقي وحاولت أن أحسن الظن بالرجل. وكما يقال ان سعادة القلب في حسن الظن.

ولكن العرق دساس فقد ظهر الرجل على حقيقته الطائفية وكشف عن وجهه الحقيقي، وتخلى عن كونه رئيس لمجلس النواب واصبح رئيسا لمجلس السُنة وتحدث بأسمهم. وهنا لابد لي من أن أعذر الرجل فقد قال هذا الكلام بحضرة جو بايدن الذي أعتبره النجيفي وجماعته في العراقية بأنه عراب التقسيم.

ولكن دوام الحال من المحال، ولكون النجيفي خائف على مصيره وهل يعلم ما لحق بالاكثرية واعني الشيعة والاكراد من حيف وظلم وتهميش منه ومن ابناء القرى النائية التي حكمت العراق. فلمدة 80 عاماً كانت الاكثرية مهمشة ومقصية ويعتبرها النظام السابق مواطنين من الدرجة العاشرة وليست الثانية، فلم نسمع أحد تكلم عنهم. بل الادهى من ذلك حينما يطالبون بحقوقهم يتهمون بأنهم خونة وليس لهم ولاء للعراق.

إنها لقسمة ضيزى أيها النجيفي، فكيف يكون السنة مهمشين في العراق الجديد وهم يحتلون مناصب رفيعة المستوى وسيادية كرئيس مجلس النواب الذي يحتله النجيفي ونائب رئيس الجمهورية و10 وزراء منها وزارتين سياديتين وبحدود 100 نائب في البرلمان، وكل هذا وهم مهمشون. ولعل السيد النجيفي يقصد أنهم لا يستطيعون ان يخرجوا الارهابيين والقتلة من السجون لكي ينفذوا جرائمهم بحق الاكثرية. لهذا فهم مهمشون، نعم انني اتفق مع النجيفي في هذا، أو لربما أحس النجيفي بعد الفضائح الكبيرة التي لحقت بقائمته وجماعته جراء التحقيقات التي كشفت تورطهم بجريمة عرس التاجي، وفضائح أخيه في الموصل الذي أزكمت أنوف المصلاويين قبل غيرهم. وأراد هذه المرة أن يعزف على الوتر الطائفي وهو العلماني الذي لا دخل له بالسُنة والشيعة.

لقد برر البعض دعوة النجيفي بالانفصال وأعتبرها بمثابة دق ناقوس الخطر وأنها تعبير عن مظلومية مكون أساس وهي دعوة لا تخلو من فجاجة وتناقض، فكيف يرجع النجيفي القهقري بمثل هذا الكلام وهو رئيس مجلس النواب العراقي الذي أوجع رؤوسنا بشعاراته الوطنية وذم الداعين الى إقامة الأقاليم. اليس النجيفي وجماعته هم من أتهموا السيد عبدالعزيز الحكيم بأنه يريد تقسيم العراق حينما دعى الى الفيدرالية وليس الى الإنفصال وشتان بين الاثنين.

ولا أدري حينما يتحدث النجفيفي باسم السنة. فهل يمثل الشارع السُني بكامله أم يتحدث عن مجموعته الخاصة؟ فانا على يقين ان النجيفي لا يمثل أهل السُنة الذين ينظرون الى العراق كوحدة واحدة، فالتهميش لم يطل أهل السنة فحسب بل شمل كل العراقيين. فهل مدينة الصدر تسكنها اغلبية سُنية حتى يشاهد الداخل اليها هذا التهميش والاهمال وهل المناطق العراقية الاخرى أحسن حال من المناطق السُنية أم أنها كأسنان المشط، فالنجيفي يعلم أن المحاصصة في العراق لم تبق ولم تذر حتى يمكن أن يقال أن هناك مناطق مهمشة وأخرى غير مهمشة.

ولكن دعوة السيد النجيفي من واشنطن لها دلالات غير التهميش والاقصاء، فالنجيفي يعلم قبل غيره أن موعد إنسحاب القوات الأميركية من العراق بدأ بالاقتراب وان الانسحاب يعني أنه سيفقد هو ورفاقه الكثير من الميزات التي إكتسبها بفضل وجود الأميركان، وهو يعلم قبل غيره أيضاً أن الاميركان قد فرضوا رفاقه المجتثين على العملية السياسية لذا أراد أن يرد الفضل والمعروف للأميركان فقد جاء تصريحه برفقة بايدن، ومن الولايات المتحدة، وهي بمثابة كرت بلانش للاميركان للبقاء، وهو يعلم أن الفصائل الشيعية ليست مع بقاء القوات وفي الوقت ذاته تعتبر تصريحاته كورقة ضغط على الحكومة العراقية لوضعها بالزاوية التي ستجعلها تقوم بدور الرافض لوجود القوات الاميركية مما سيسبب حرجا كبيرا للشيعة، لربما يعيد دور الاقلية في الحكم على حساب الاكثرية.

ولعل هناك سببا آخرا وهو أحكام الاعدام التي طالت المجرمين والارهابين ممن يحسبون على المكون الذي ينتمي اليه النجيفي فأراد ان يلعب دور الضحية ويظهر خصومة بدور الجلادين لذا صرح بشكل طائفي متناغماً مع الشارع السُني المتطرف، ولربما كانت تصريحات رفيقه العاني يوم أمس من على شاشة قناة الحرة تعبر عن هذه التوجه حينما قال أنني أتسائل لماذا كل الذين يخرجون على شاشات التلفزيون ويعترفون بجرائم إرهابية هم من المكون السني، وأضاف أن هذا العمل هو عمل منظم وتهميش للمكون بطريقة مدروسة، وتناسى النجيفي ورفيقه أن الضحايا هم من الطرف الآخر وان القوات الأمنية ليست كلها شيعة ولو كان الارهابيون من الشيعة لظهرت حقائقهم. تناسى أيضاً ان الجرائم تقع في مناطقهم دائماً وهم من جعلوها حاضنة للقاعدة، وتناسى أن ما يسمى بدولة العراق الإسلامية تنتمي الى مكونه، وان الإعترافات جاءت بناءً على تحقيقات قام بها ذوي إختصاص من كل المكونات العراقية وليس الشيعة فحسب. ومهما تكن الدواعي والاسباب التي عرضناها تبقى دعوة السيد النجيفي مستهجنة وفجة ولا يمكن قبولها من رجل يمثل العراق كل العراق ويدعى الحرص على سلامته ووحدة ترابه فقد ينطبق عليه قول الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

علاء الخطيب

لندن