ازمة محروقات في الاردن : إخفاق حكومي أم نمط استهلاكي خاطئ؟

بقلم: نائل العدوان
مليار وربع المليار دولار سنويا فاتورة النفط في الأردن

تمر الحكومة الاردنية هذه الايام بازمة متفاقمة نتيجة لارتفاع الفاتورة الشهرية للنفط الخام العالمي بعد ان انتهجت منذ بداية هذا العام سياسة تثبيت الاسعار المؤقتة للمشتقات النفطية للمستهلك الاردني وتحمل فرق التكاليف عن السعر العالمي والبالغ 35 مليون دينار (49 مليون دولار) شهريا وارتفاع هذه التكلفة الى 75 مليون دينار نتيجة انقطاع الغاز المصري أو عدم استقراره ووصول كمياته بشكل كاف.

وهذه الازمة لا تقل خطورة واحراجا للحكومة عن ازمات راهنة اقتصادية اخرى مثل ارتفاع المديونية لمعدلات عالية من نسبة الناتج المحلي الاجمالي وعجز الموازنة و ارتفاع مستوى الفقر والبطالة والتضخم.

ويبلغ استهلاك الفرد الواحد من النفط في الاردن حوالي 1296 كيلوغراما سنويا وهو يعتبر معدلا منخفضا نسبيا مقارنة بباقي الدول العربية والأجنبية، اذ يصل هذا المعدل في دولة مثل قطر الى 20 الف كيلوغرام سنويا بما يعادل خمسة أضعاف معدل الاستهلاك العالمي للفرد وهو 1787 كيلوغراماً، وبالمقابل فان استهلاك النفط في الاردن سجل ارتفاعات نسبية خلال الاعوام الماضية وبعكس التوقع والذي يقضي بترشيد الاستهلاك نتيجة ارتفاع السعر والبحث عن مصادر بديلة اقل تكلفة.

وبشكل رئيسي ولاعتماد الاقتصاد الاردني بنمطه الاستهلاكي المتزايد على المشتقات النفطية فان مرونة الطلب في الاردن على النفط منخفضة، مما يعني ان اي ارتفاع بالاسعار عالميا سيقابله استهلاك ثابت لهذا المنتج ان لم يزدد هذا الاستهلاك نتيجة لزيادة النشاطات التجارية والخدمية والصناعية ولزيادة عدد السكان، ويعتمد مدى تأثير تغير أسعار النفط على مقدار ونسبة التغير في السعر عالميا والفترة التي تستغرقها الأسعار حتى تعود إلى وضعها الطبيعي والسياسة المالية والنقدية التي تتبعها الحكومة للحد من الآثار السلبية للصدمة.

في اكثر من دراسة اقتصادية كلية حول العلاقة طويلة الاجل لارتفاع اسعار النفط على اقتصاد الاردن وعلى الاستهلاك تحديدا خلال السنوات الثلاثين الماضية وخلافا للنظرية الاقتصادية السائدة بان العلاقة ستكون سلبية- اي انه بزيادة الاسعار العالمية فان ذلك سيخفض من النمو الاقتصادي وسيخفض الاستهلاك- وجدت هذه الدراسات بان العلاقة موجبة في الاسعار العالمية للنفط تصاحبها زيادة في نمو الناتج المحلي الاجمالي (ماتنتجه الدولة من سلع وخدمات ) من جهة وزيادة الاستهلاك من جهة اخرى، فزيادة أسعار النفط بنسبة 1% تؤدي إلى زيادة الاستهلاك بنسبة 5%. ومع وجود عدة عوامل أخرى مؤثرة في هذه العلاقة إلا أننا لا نستطيع إنكار تأثير أسعار النفط على مكونات الناتج القومي الإجمالي في الأردن (الاستهلاك، الاستثمار وصافي الصادرات).

ربما يمكن تفسير هذه النتيجة من خلال الحديث عن ثلاثة اسباب رئيسية ادت الى ذلك. السبب الاول مرتبط بطبيعة الاقتصاد الأردني المتمثلة بقربه وارتباطه بدول الخليج العربي، فزيادة موارد دول الخليج المصدرة للنفط اثر ارتفاع عائدات النفط تنعكس بشكل إيجابي على مستوى الاقتصاد الأردني من خلال زيادة تحويلات العاملين الأردنيين في الخليج والذي يقدر عددهم باكثر من 600 الف فرد ويحولون للاردن ما يزيد عن 2.6 مليار دولار سنويا اي مانسبته 13.4% من الناتج المحلي الاجمالي في الاردن.

السبب الثاني يكمن في هيكليه الناتج المحلي الإجمالي في الأردن، حيث يتبين بأن قطاع الخدمات يحتل المرتبة الأولى منه وبنسبة تزيد عن 70%، ومن ثم يليه قطاع الصناعة الذي يشكل ما نسبته 30% من الناتج المحلي الإجمالي والمتضمن اعتمادية هذين القطاعين على النفط بشكل كبير.

اما السبب الاخير فهو جانب الاستهلاك في الاردن والذي يتبع منحى طرديا مع ارتفاع اسعار النفط للحفاظ على نفس مستوى الرفاه الإجتماعي. كما يمكن القول بأن طبيعة العلاقة الإيجابية بين أسعار النفط والناتج المحلي الإجمالي جاءت بسبب المعاملة التفضيلية لأسعار النفط التي كانت تقدم للأردن من العراق بين عامي 1983-2002.

وبغض النظر عن طبيعة العلاقة الكلية السابقة بين اسعار النفط والاستهلاك فان الحكومة قد عالجت الازمة من خلال سياسة التحرير للمشتقات النفطية والتي انتهجتها اثر انهاء الامتياز لمصفاه البترول بعد عام 2008 وتحميل الفاتورة الشهرية بالكامل على جيب المواطن الاردني، الا ان هذه السياسة قوبلت برفض من الشارع الاردني لغموض معادلة احتساب التسعيرة والتي تم تطبيقها بطريقة مسرحية بعيدا عن الشفافية وهذا ما افقد الحكومة مصداقيتها ودعاها تحت ضغوط الشارع الى تثبيت الاسعار منذ بداية هذا العام.

اما الاخفاق الثاني للحكومة فمتعلق بعدم الجدية في التعامل مع استخراج النفط في الاردن خاصة بعد ان أكد متخصصون في مجال الطاقة والنفط وجود شواهد على توفر النفط في الأردن وبكميات من الممكن ان تسد حاجته واستيراده من هذا المورد الهام.

نائل العدوان

باحث اقتصادي- عمان