فرصة تاريخية أمام حماس لتثبت فلسطينيتها

بقلم: محمود عبداللطيف قيسي

يبدوا أنّ حركة حماس بتوقيعها أخيرا ورقة المصالحة الفلسطينية اتجهت لتغليب المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا على مصلحة الحركة ومصلحة جماعة الإخوان ومصلحة العرب القطريين والعجم الإقليميين المؤيدين لها، وهذا إن صدقت النوايا ووضح الموقف والتكتيك يعتبر بحد ذاته تحول مذهل بسياستها التي كانت تشتق من سياسات تلك الأطراف الداعمة لها بشروط وبمقدار استفادتها من الحركة ومن مواقفها ووجودها.

أما ما زال الشعب لفلسطيني بانتظاره من حركة حماس، وهو ما يمثل لها فرصة تاريخية للولوج للداخل الفلسطيني المعانق بدل الخارج المنافق، فهو أن تغير حماس إستراتيجيتها بالكلية الذي يعني الخيار الفلسطيني بالدولة الحرة المستقلة وبالقرار الوطني المستقل، وانتقالها من خانة الحزب الفوضوي الشمولي الذي يرفض الآخر مهما كانت مواصفاته ومواقفه، وهو ما مارسته طوال فترة سيطرتها على غزة بالقوة المسلحة وحتى اليوم، إلى خانة الحركة المؤسساتية التي تعني قبولها بالغير والآخر وإيمانها بالأكفاء من أجل الدولة والمصير، ومن حركة خارقة للحود تتلقى التعليمات من أطراف لا تحمل الود للشعب الفلسطيني وتنفذها، إلى حركة فلسطينية تبدع وتتخذ القرارات والمواقف من أجل فلسطين ولصالح شعب فلسطين.

صحيح أن فلسطين فيها من الرجال الأكفاء والأوفياء الكثيرين، وهم منارات علم وسياسة واقتصاد وفكر إسلامي موجودين داخل فلسطين ومنتشرين خارجها، وحركة حماس نفسها تمتلك الكثير من هذه الكفاءات التي قد تكون أو لم تكن جربت في ميادين العمل والاختبار بعد، وإن كان موقف الحركة وتكتيكها وإستراتيجيتها السلبي السابق حد من إبداعاتهم مثلما قد يكون سببا في انجازاتهم التي ستسجل كلما كانت مواقفها إيجابية منطلقة من مصلحة الشعب والوطن، واختيار السيد سلام فياض لا يعني قطعيا إلغاء هذا الصحيح أو تجاوزه أو تهميشه.

أما وأنّ فلسطين تقع في كوكب الأرض وفي قلب نشاط بركاني سياسي وعسكري رهيب، وفي منطقة كانت وما زالت مطمع الأمم ومكمن النزاعات، والأخطر أنها بخارطتها وإرثها وتاريخها هدف لحثالات بشرية من جنسيات مختلفة تجمعوا تحت مسمى الدين اليهودي والفكر الصهيوني، قرارهم ليس استعمار فلسطين فالاستعمار يكنس وتنتهي آثاره كما حصل مع كل البلاد العربية التي استعمرت من قبل الغرب، بل كان وما زال احتلالها ومن ثم استيطانها تحت حجج زائفة منها الرئيسية التلمودية والبريطانية الداعمة لها التي اعتمدوا عليها بتسويق فجورهم على أنّ فلسطين هي أرضهم الموعودة ووطنهم القومي.

ولمواجهة القوة الإسرائيلية الإرهابية الغاشمة المدعومة بحبل الناس القوي وعلى رأسها القوة الأميركية العاتية، ولاستيعاب المرحلة الكأداء والمتغيرات الدولية التي تمر بها القضية الفلسطينية، حيث الاستقطاب العالمي الذي بدأ يتشكل لصالحها بفضل الله ثم بعزيمة وصبر الشعب الفلسطيني المصر والثابت على حقوقه، وبقدرة وذكاء وتصميم وثبات وحراك رجال الساسة والنضال الفلسطيني بقيادة الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، كان لابد من تعالي الفلسطينيين على جراحهم التي سببها الانشقاق والخلاف الفلسطيني الداخلي، والنزول عن نزواتهم ورغباتهم الشخصية أو الحزبية أمام المصلحة الفلسطينية العليا التي خطها الشعب الفلسطيني، للإفلات من التأثيرات الإقليمية والدولية التي تحاول إلغائها أو توجيهها حيث مصالح المزاودين أو المقامرين أو الأعداء الإرهابيين.

فاختيار الرئيس الفلسطيني لشخص السيد سلام فياض لرئاسة حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية لمواجهة أعباء ومتطلبات وإرهاصات المرحلة الانتقالية القادمة، هو أولا من صميم مهماته الشرعية والدستورية، وهو لا يخالف نص وروح اتفاق المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، وهو مؤشر واضح على قوة وشرعية مؤسسة الرئاسة واستقلال وقوة قراراتها، وعلى تصميمها تغليب مصلحة الشعب ومسار القضية على مصلحة الأحزاب والحركات ومسار ومبتغى الأشخاص، وهنا ما كان لحماس التي أعلن قادتها أكثر من مرة بعد توقيع ورقة المصالحة أنّ "قرار المصالحة لا رجعة عنه"، ما كان لها أن ترفض ترشيح الرئيس لهذه الشخصية الفلسطينية المستقلة التي تؤمن بالعمل وبالدولة المؤسساتية، وبالقانون وبالرقابة والشفافية، وبالقدرة العلمية المشفوعة بالخبرة العملية والميدانية لقيادة المرحلة القادمة التي من أهم عناوينها إعمار غزة، وإكمال بناء مؤسسات ومقومات الدولة الفلسطينية القادمة، وتحقيق استحقاق سبتمبر لإعلانها وإقامتها، ومواجهة المحاولات الإسرائيلية لإفشاله، وتنظيم وإخراج الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية القادمة بمنتهى الحياد والنزاهة والشفافية.

وهنا لا بد من الإشارة أنّ أمام حماس فرصة حقيقية لإثبات مصداقبتها الوطنية بتنفيذ قرارها بتحقيق المصالحة الذي رجعة عنه كما تقول وتؤكد، وفرصة تاريخية للتقدم للأمام مع فلسطين وبفلسطين ويدا بيد مع كل فئات وقطاعات وأبناء الشعب الفلسطيني، الذي بمجموعه لا يجد غبارا على شخص السيد سلام فياض، سواء من ناحية مقدرته القيادية وكفاءاته العملاتية والعلمية أو مواقفه وشخصيته الوطنية، ودائما نقول أنّ في كل حركات النضال الفلسطيني وبمقدمتها حركتي فتح وحماس شخصيات وكوادر وطنية قيادية قد تكون مناسبة للمراحل المستقبلية، التي تلي هذه المرحلة المصيرية الحرجة والمقلقة والمهمة القادمة، والتي تتطلب من كبرى الفصائل الفلسطينية فتح وحماس ومن شقيقاتهما الأخريات الوقوف خلف قرار الرئيس باختياره سلام فياض رئيسا للوزراء، والتي تتطلب أيضا من الجميع الفلسطيني تفهمها، ومن الجميع العربي الدفع بها، ومن الجميع الحر الدولي تأييدها.

محمود عبداللطيف قيسي

Alqaisi_jothor2000@yahoo.com