خيط رفيع بين الهجرة والسفر

كتب ـ أحمد فضل شبلول
قطعة من العذاب

"السفر قطعة من العذاب" هذه المقولة الشهيرة تنطبق أشد الانطباق على حال شخصيات قصة "الهجرة" للكاتب القصصي أحمد حمدان، ويزيد هذا العذاب عندما نعلم أن هذا السفر كان في أول أيام شهر رمضان حيث يسعى الجميع للإفطار مع أهلهم وذويهم.

ومع أن المسافة بين القاهرة وبلدة السارد ليست بعيدة مقارنة ببقية محطات قطار الصعيد، وصولا إلى أسوان، فإنه استطاع أن يرصد ويصور ويكشف لنا عن جوانب عنصرية كثيرة ما بين ركاب عربات الدرجة الأولى وركاب عربات الدرجتين الثانية والثالثة.

إنه مجتمع بشري يغص بنماذج كثيرة ومتعددة وبعقليات متفاوتة وسحن مصرية متباينة، وشرائح متناقضة، زاد من جمال التعبير عنها لغة واصفة راقية استطاعت الأبيات الشعرية التي يتمثلها السارد ويستحضرها في أكثر من موقف أن تعلو بها، مثل قوله:

اشتدي أزمتي تنفرجي ** قد آذن ليلك بالبلجِ

وظلام الليل له سُرُجٌ ** حتى يغشاه أبو السرجِ

فضلا عن الاستعانة بمفردات قرآنية وحديثية تتناسب مع جلال الشهر الكريم ومع موقف السفر "توكلنا على الله الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد".

وأرى أن عنوان "السفر" أكثر ملاءمة لهذه القصة من "الهجرة" ذلك العنوان الذي أطلقه الكاتب على مجموعته القصصية، وإن كان في الوقت نفسه يتساءل على الغلاف الخلفي للمجموعة: "الهجرة من أين؟ وإلى أين؟ طريق طويلة نستشرف بها آفاقا جديدة لتفتح لنا بابا من أبواب التخيل الحاضر في ذهن الوقع، والمدى المنتظر أول طرقة على بابه الموصد".

وعموما ترصد لنا القصة الأولى من المجموعة عالما بشريا متباينا أشبه بعالم الأوبريت الشهير "الليلة الكبيرة" لصلاح جاهين، ثم يفترق العالمان بعد أن نعرف من السارد أن القطار قد تعطل نتيجة انقلاب قطار سابق له على الخط الحديدي نفسه، مما قد يؤدي على تأخر الجميع على الإفطار مع ذويهم وأهلهم في أول أيام الشهر الكريم، ويبدأ الكثير من الركاب في التفكير في تغيير وسيلة المواصلات علهم يلحقون الإفطار الرمضاني في منازلهم، وتحدث بعض المفارقات التي تزيد القصة متعة وتشويقا.

هكذا يغوص أحمد حمدان من خلال قصص المجموعة الست في قاع المجتمع المصري ما بين صعيديته وريفيته في لغة عذبة وسلسة وكاشفة، وتتنوع شرائح هذا المجتمع في قصص "الوقف" و"الضبع العجوز" و"شاطر ومشطور" و"السيل" و"القصب الأخضر" لتؤكد على حضور كاتب قصصي جديد يدخل حلبة القصة المصرية القصيرة متسلحا بكامل أدواته التعبيرية والوصفية والسردية، إلى جانب فهم حقيقي لدور القصة القصيرة في الكشف والإضاءة على مناطق مجتمعية قد لا ينتبه إليها الكثير من الكتاب.