أقيموا ميدان التحرير في قلوبكم

بقلم: محمد العجيمي

لحظة توقف لها التاريخ، أراد أن يعيد تشكيل ذاته من جديد، التاريخ توقف ليرقب حالة الانبهار التي يعيشها العالم لحظة التهام النار جسد البوعزيزي لتحيل الذل الذي عاشه إلى هشيم، نار التهمت محيط العرب لتوقظ جذوة التغيير، توقف التاريخ هنا ليعيد صياغة المستقبل، توقف لبرهة لكنه خط من جديد واقعا عربيا مختلفا، حتى التاريخ نفسه عاد شبابا، فنار البوعزيزي أعادت كل الأرواح التواقة شبابا بعد شيب.

حيت العظام الرميم التونسية لتقف في ميدانها مدونة تاريخا جديدا، حيت تونس لتصرخ في المحيط (بن علي هرب، بن علي هرب) هنا حيث يتغير التاريخ، كل الأرواح العربية توقفت لحظتها وصعدت للسماء لتلتقي بكل الموات الذين هرموا من أجل التغيير وماتوا دونه، لتعلن لهم بأن التغيير العربي قادم لا محالة، في اللحظة التي صعدت بها طائرة ابن علي للسماء صعدت كل الأرواح العربية متحدية كل مستحيل، لم يعد للمستحيل وجود عربي.

انتفضت بعدها مصر العروبة، اختلفت مصر فخلقت ميدان التحرير، أسطورة تم تسطيرها هنالك حتى انتهت بتنحي حسني مبارك ليرقد في منفاه ليذوق وبال أمره ويذوق حرارة العدل ومرارة المساواة، استيقظت من بعدها أصل العروبة اليمن وتلتها ليبيا المختار ثم سوريا الشهامة ولا زلنا في خضمها ولا زالت معها سيناريو الثورات قائمة بنهاية معروفة مسبقاً وهي نهاية الأنظمة وسقوطها، دون شك ستتلوها الدول تلو الدول حتى يسود العدل في المحيط.

رياح التغيير أصبحت تتجول في البلدان العربية باطمئنان، تتجول بعد أن كانت تعتقل بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، رياح التغيير أصبح يستنشقها كل عربي لتحييه من جديد، رياح التغيير لن يستنشقها مزكوم غفلة، رياح التغيير لا تمر ولا تحيط بأي نفس وافقت طغياناً يوماً ما.

الحديث يا سادتي عن الثورات والتغيير العربي له حلاوة لا يعلوها شيء، لكني أريد الحديث كثيرا عن ميدان التحرير لأنه يعني لنا الكثير.

ميدان التحرير يعني الحياة، علمتنا الثورة المصرية معنى الحياة من خلال ذاك الميدان، وأقول ذاك لبعده عنا، ليس بعد المسافة إنما بعد التطبيق، وجدت في ميدان التحرير المراد الذي تصبوا له كل الأنفس الحالمة، إن معنى الحلم لا يكتمل دون وجود دعائمه، نحن في مجتمعاتنا لم نعد نتقن دور الميدان، أو قل لم نجربه مسبقاً، ميدان التحرير اصطفت فيه المرأة والرجل والصغير والكبير اصطفت والتحمت فيه المذاهب والأديان، اتحدت فيه الأرواح دون أن يربطها دم، ميدان التحرير أراد أن يعلم العالم كله كيف تكون اللحمة وكيف تكون وحدة الرأي والمشورة ، ميدان التحرير تمثلت فيه كل معاني الديموقراطية والحرية، ميدان التحرير أراد أن يعيد كل المذاهب والنظريات، ميدان التحرير أسس من جديد لنظرية الدائرة المشتركة.

الحياة في ميدان التحرير ملهمة، هناك حيث التجلي، تتجلى الأنفس سامقة بمعاني الوحدة، هناك حيث الأرواح سمت على ذواتها، هناك حيث التضحيات، هناك حيث بذلت أنفس أرواحها فداء لمشترك يجمعها مع من اختلفت معه، هناك حيث الأمنيات، هناك حيث الطموح، هناك حيث كل ما يحلو لغيرك يحلو لك، هناك حيث الوجود، الوجود بكل مكوناته.

ميدان التحرير مدرسة حية اكتمل بناءها حين ابتسمت الأرواح فور إعلان تنحي المخلوع حسني مبارك، تلك البسمة تمثل لنا معنى الدائرة المشتركة، الكل كان يسمو نحو هدف واحد اشترك فيه كل فرد في الميدان، سقط مبارك وأسقط معه كل معاني الذل العربي، أوغل سقوطه في الأنفس معنى عدمية المستحيل، ذاك هو الميدان الذي لم نتعلم منه الدرس جيدا.

دعونا فقط نلقي على استحياء نظرة للواقع المحلي، هل تشعرون مثلي بالخجل ؟ نعم أنا أشعر ، فقط بنظرة منك لواقع مطالبنا تشعر بحجم المعركة المفتعلة وتدرك ما هو معنى التخوين والتفسيق والتبديع، تدرك بأن واقعنا مخجل لم يتجاوز ذاته المدعية، تدرك بأن واقعنا لا يتجاوز حقوقه الشخصية التي يراها حقاً لا حيدة عنه، تدرك بأننا التفتنا إلى المطالب الأدنى دون الأعلى، تدرك بأننا دون خجل نتعارك في المعارك الصغرى، تدرك بأننا لم نتجاوز بعد ميدان الصراع، تدرك معنى الصراع المفتعل، تدرك معنى المعارك الخاسرة، تدرك بأن مجتمعاتنا لديها تصفيات عتيقة، تدرك بأننا نتشنج دون إدارك لما هية الحقوق، تدرك معنى الوعي المفقود، تدرك وتدرك وتدرك.

فإلى العرب قاطبة نقول : أقيموا ميادين التحرير في قلوبكم تقم لكم دولة الحياة .

محمد العجيمي: كاتب سعودي