بدو سيناء للحكومة: نحن مصريون أيضاَ

لن نقبل الذل أبداً

سيناء (مصر)ـ كان موسى الدلح، وهو زعيم قبلي من شبه جزيرة سيناء المصرية، يعلم أن مقاضاته لصاحب عمله على خلفية الادعاءات بالتمييز ضده ستكون خطوة محفوفة بالمخاطر، فمن المحتمل أن ينتهي به المطاف في السجن.

وقال الدلح الذي يبلغ من العمر 35 عاماً "كان علي أن أقول لصاحب العمل إن البدو لن يقبلوا الذل للأبد. فقد اعتاد أن يدفع لعمال المصنع من مناطق مصر الأخرى رواتب أعلى وأن يعاملهم بصورة أفضل".

ويقول البدو المصريون الذين يسكنون مثلث شبه جزيرة سيناء التي تربط إفريقيا بآسيا وتبلغ مساحتها 23.5 ألف ميل مربع إنهم لا يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة ويعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية.

كما يقولون إنه لا يسمح بالالتحاق بالجيش أو الدراسة في الكليات العسكرية أو الشرطة كما لا يسمح لهم بشغل مناصب حكومية مهمة أو تكوين أحزاب سياسية خاصة بهم.

ولكونهم محصورين في هذه المساحة الشاسعة والقاحلة، يدعي البدو أنهم قد تُركوا ليتدبروا أمورهم بأنفسهم.

ويستمر انعدام الثقة بين الحكومة والبدو ـ الذين يُزعم أن البعض منهم تعاون مع الجيش الإسرائيلي عندما احتل سيناء في 1967 ـ في تأجيج الصور النمطية السلبية عن البدو.

وينحو المحلل السياسي المستقل خالد الغيطاني باللائمة في هذا الموقف على الحكومات المصرية السابقة، مضيفاً أن "حكومة حسني مبارك السابقة والبدو كانوا على خلاف مرير لعقود وهو ما أدى إلى فجوة بين الجانبين".

وعلى الرغم من المعونات الحكومية المقدمة لبعض المجتمعات البدوية في محاولة لمساعدتهم على الاستقرار (كإنشاء مجتمعات تعاونية وتقديم دعم حكومي لمزارعي اللوز والزيتون وأشجار التين وتقديم المساعدة لهم في استصلاح الأراضي)، إلا أن الكثير من البدو ظلوا أكثر فقراً بكثير من المصريين العاديين.

وتشمل البرامج الحكومية المشروع الوطني لتنمية سيناء المقرر الانتهاء منه بحلول عام 2017.ولم يتم إكمال الخطة السابقة الخاصة بمشروع قناة السلام التي كانت تهدف إلى توصيل المياه إلى المناطق الجافة.

ويقدر حالياً عدد البدو في سيناء بحوالي 380 ألف نسمة.

مرارة

وقد استمر التمييز ضد البدو لعقود من الزمان ليس فقط داخل سيناء نفسها ولكن في بقية أنحاء مصر كذلك.

وحتى في المشروعات التي أقيمت في سيناء ـ بما في ذلك مصنع الأسمنت الذي اعتاد الدلح العمل فيه ـ فقد ذهبت معظم الوظائف في تلك المشروعات إلى أفراد من مناطق أخرى من مصر في حين تم استبعاد البدو الفقراء والعاطلين عن العمل من تلك الوظائف.

وقد وجد الآلاف من البدو أيضاً أنفسهم رهن الاعتقال كلما وقعت حادثة أمنية.

وقالت منى برهومة، ناشطة حقوق الإنسان المحلية في سيناء إن "ذلك قد حدث بعد الحوادث الإرهابية في المناطق السياحية في سيناء في الفترة ما بين 2004 و2006. وتلك الاعتقالات هي المسؤولة عن شعور البدو بالجفاء والمرارة".

لقد حصلنا على وعود لسنوات ولكني أخشى أن أقول أن أي منها لم يأت بثماره؛ فالحكومة تحتاج إلى أن تدرك أننا مصريون أيضاً.

وبعد توقيع اتفاق السلام التاريخي مع إسرائيل عام 1979، استعادت مصر جميع أراضي سيناء التي ظهرت سريعاً كمركز سياحي جديد في دولة تجني جزءاً كبيراً من دخلها من المواقع الأثرية مثل الأهرامات والأقصر.

وقد أصبح جزء من جنوب سيناء ـ وهي شرم الشيخ ـ مقصداً سياحياً دولياً مهماً، وهو ما يعني أن سيناء تمثل الآن ما يقرب من ثلث عائدات السياحة في البلاد، طبقاً لخبراء السياحة.

لكن البدو لم يستفيدوا فعلاً من ذلك.

فعلي سبيل المثال، حاول الدلح ـ الذي تم سجنه لمدة عام ونصف لتحريض زملائه البدو في العمل ـ العثور على وظيفة في المنتجعات السياحية، لكنه فشل في ذلك على الرغم من أن الآلاف من المصريين الآخرين نجحوا في الحصول على وظائف.

وقال الدلح "لم يكن أحد من مالكي القرى السياحية مستعداً لقبول عامل بدوي. وقد حدث ذلك في كل الأماكن التي حاولت فيها الحصول على وظيفة".

وعود ووعود

ومنذ عودة كامل سيناء إلى مصر في عام 1982، أدى انعزال سيناء الجغرافي والسياسي إلى تحول جزء كبير منها إلى منطقة قبلية راكدة يحدث فيها اقتتال عرقي وبلا سيادة للقانون.

ويعتقد ناشطو حقوق الإنسان أن الصراعات المتأججة في سيناء تنبع من انعدام الفرص الاقتصادية وهو الأمر الذي دفع بعض البدو إلى التحول إلى الأنشطة غير المشروعة مثل تجارة المخدرات والاتجار بالبشر وتهريب البضائع والأسلحة إلى قطاع غزة.

وفي السنوات الأخيرة، أصبح البدو متورطين بصورة متزايدة في تهريب المهاجرين الأفارقة إلى إسرائيل.

وفي الآونة الأخيرة قامت الحكومة المصرية الجديدة بإرسال إشارات إيجابية إلى البدو، فقد التقى ممثلون عن سيناء بوزير الخارجية منصور العيسوي الذي وعد بإعادة النظر في الأحكام الصادرة ضد آلاف البدو المتهمين بالمشاركة في التفجيرات في منطقة منتجع دهب عام 2004.

وقد وعد وزير الزراعة أيمن فريد أبو حديد بتقديم قطع من الأراضي الزراعية إلى بدو سيناء، ولكن لم يحدث شيء ملموس حتى الآن.

وقال الدلح "لقد حصلنا على وعود لسنوات ولكني أخشى أن أقول أن أي منها لم يأت بثماره. فالحكومة تحتاج إلى أن تدرك أننا مصريون أيضاً".(ايرين)