كيف يرى الغرب الشرق من منظور جنسي؟

القاهرة ـ من محمد الحمامصي

قديماً وحديثاً شكل الجنس محوراً رئيسياً في العلاقات بين الشرق والغرب، قديما اتخذ الغرب الجنس مدخلاً لكيل الاتهامات وللهجوم على الإسلام والشرق، وقد حفلت كتابات القرن السادس عشر رسخت فيما تلاها صورة مسيئة، لتبقى فكرة المخيلة الشعبية الغربية إلى وقت قريب ترى الشرق مكانا غرائبيا يطفح بالمغامرات الجنسية، وحديثا اتخذه ـ أقصد الجنس ـ الشرق مدخلاً للتأكيد على انحلال وإباحية وفساد الغرب، وأيضاً مغامرة جنسية في المخيلة الشرقية، والأدبيات على الجانبين تحفل بالحكايات والقصص والرؤى التي تدعم توجهها.

ليس من رحالة أو مستشرق أو زائر أو أديب غربي قدم للشرق وكتب انطباعاته أو رؤاه إلا وتعرض للمرأة، الجانب الحسي منها خاصة، وكذا فعل الشرقي حين عرف الطريق إلى الغرب، وفي الوقت الذي كانت تشهد فيه نظرة الرجل الغربي للمرأة الشرقية تراجعاً كبيراً، لتتغير من مجرد جسد شهواني إلى كائن إنساني يسعى لتحقيق حريته والانفلات من قبضة القيود والأعراف الاجتماعية، جري الرجل الشرقي وراء المرأة الغربية بوصفها مغامرة وصيداً شهوانياً وحفلت الأدبيات بصور كثيرة توضح هذه النظرة.

الجنس لعب دوراً سياسياً بارزاً في تلك العلاقة بين الشرق والغرب، حيث قدمت التنميطات المتخيلة والأساطير عن شبقية الشرق في تاريخ وأدبيات الغرب دعما ومساندة كبيرة للحكام المسيحيين الذين تم إقصاؤهم هنا وهناك على امتداد الفتوحات العربية الإسلامية، ليقوموا بحربهم ضد الشرق بداية من الحملات الصليبية وانتهاء بالاحتلالات الحديثة والاستيلاء على ثرواته، بل انتهاء بالاحتلال الأميركي للعراق وما حدث في سجن أبو غريب.

قد يبدو الأمر معقداً بعض الشيء، لكن هذا الكتاب "التصورات الجنسية عن الشرق الأوسط..البريطانيون والفرنسيون والعرب"، الذي يعترف فيه كاتبه المؤرخ البريطاني المعروف ديريك هوبود أنه يجازف باقتحام هذا الموضوع خاصة حين ينصرف إلى معالجة وحيدة الجانب في تعامله مع مشهد واحد من المواجهة العربية الأوروبية، يعالجه بوع ومنهجية، منطلقاً من التفاعل المسيحي المبكر مع الإسلام والدور التشويهي للإسلام والمسلمين الذي لعبه مؤرخي تلك الفترة، انتهاء برؤية شيخ الإخوان المسلمين حسن البنا الذي اتهم الغرب بإفساد المجتمع المسلم "إنهم يرسلون نساءهم أنصاف عرايا" وسيد قطب الذي انتقد الكنيسة الأميركية التي أخلت السبيل للانحلال الأخلاقي.

رصد المؤلف للسياقين الشرقي والغربي عبر كتابات الأدباء والشعراء والمؤرخين وشهادات الرحالة والشخصيات السياسية التي عاشت الشرق واعترفت بإقامة علاقات جنسية، ومحللاً لكثير من الشخصيات الملتبسة والمعقدة في بنيتها.

يحاول المؤرخ البريطاني في كتابه الصادر عن مشروع "كلمة" ـ أحد مشروعات أبوظبي للثقافة والتراث ـ إبراز الكيفية التي أثرت بها المواقف الجنسية بصورة عميقة في العلاقة الأوروبية العربية، دون مبالغة أو إدعاء، مقرراً أن الميول والمواقف الجنسية أثرت على حد سواء في الطريقة التي يتفاعل فيها الناس مع بعضهم البعض "كما أثرت في مجرى التاريخ".

لقد استعرض ديريك كتابات وأشعار الأوروبيين والإنكليز والفرنسيين الذين سلكوا أفكاراً بعينها حول السلوك الجنسي في الشرق الأوسط مثل غوته ومور وبايرون وفلوبير ونرفال وفيكتور هوغو ولامارتين وإدوارد لين، الذين شغلتهم المرأة الشرقية والأوصاف الحسية والمغامرات الجنسية، والكيفية التي استثمروا بها هذه الأفكار وزجوا بها داخل الوعي الغربي "تلك الأفكار التي أضحت جزءاً من النظرة الأوروبية الشاملة حول آسيا وأفريقيا، والتي لعب الجنس دوراً فاعلاً فيها، وقد مارست المواقف الجنسية تأثيرها على توجهات الإمبراطورية ـ البريطانية ـ وتلبست بعنصرية متجذرة انغرست بصفة خاصة في النهج متجذرة الفيكتوري تجاه العالم".

الأعمال الأدبية العربية الروائية خاصة تحضر أيضاً كثيراً أثناء تحليلات واستشهادات المؤلف، لأسماء مثل آسيا جبار ونجيب محفوظ وكاتب ياسين وغيرهم.

هكذا شكل جزءاً حيوياً من عمل المؤلف التوقف عند الأعمال الأدبية ومذكرات وكتابات الرحالة، وهو لم يكتف بموضعتها داخل سياق منهجه في كشف التصورات الجنسية عن الشرق الأوسط، فكثيراً ما يتوقف عند حياة هذا الرحالة أو ذاك الأديب ليكشف أبعاد حياته التي غالبا ما تكون معقدة وملتبسة فيما يخص الجانب الجنسي، ومن ثم يوضح لنا لماذا هو في عمله هذا أو ذاك توقف عن الجنس في رؤيته للشرق، مثلاً مع أندريه جيد وعمليه "اللا أخلاقي"، و"القوت الأرضي"، حيث وصف جيد في الأول "السمات الرئيسة التي ميزت اكتشافه لشذوذه الجنسي خلال تطوافه في شمال أفريقيا، والرواية تعج بالوصوفات الحسية للون والضوء والحرارة التي تفبض بها الحدائق والصحراء"، وفي الثاني يبرز السرد السمات الجنسية التحررية لدى جيد "متمثلة في بيئة شمال أفريقيا ودفئها".

لم يخلج ديريك من فضح الممارسات الجنسية البريطانية سواء على مستوى الساسة أو الجنود العاديين في مصر، مثل ما قام به المستشار المالي إيدلون كورست ـ خليفة كرومر بعد ذلك ـ من مغامرات جنسية ويذكر على لسانه قوله "الأول هي علاقتي مع الجنس اللطيف، وتمثلت الثانية في علاقاتي المثلية"، ويأتي ديريك بإحصاءات عن أعداد الإصابات بالأمراض التناسلية للجنود البريطانيين.

ويكاد يكون ما ارتكبه الفرنسيون في الجزائر لا يمكن وصفه أو الإشارة إليه إلا بالوحشية والهمجية والفصل الذي يقدمه ديريك حول الاستعمار الفرنسي للجزائر برأيي غاية في الأهمية ليس لكونه مديناً وفاضحاً مخزياً لهذا الاستعمار، ولكن كونه يكشف فشل الفرنسيين فيما حاكوه ودسوه من مؤامرات لاختراق وتحليل المجتمع الجزائري، وأسر المرأة الجزائرية وإنتاج عرق جزائري جديد، حيث كان "الجنرالا بوغييه يتحدث عن مزيج سلمي يتشكل من كلا الجنسين ـ الفرنسي والجزائري ـ".

لقد دهشت من موقف موباسان هذا القاص الذي نحتفي به نحن العرب أيما احتفاء ونضعه قامة كبرى في القصة القصيرة، حيث حلل المؤلف رؤيته للاستعمار الفرنسي ومشاهده للمجتمع الجزائري، فعلي ارغم من معيشته في استضافة جزائريين، خرج ليقول أن العرب "لصوص وأناس غرباء طفوليون فضلا عن كونهم بدائيين"، كان موباسان متعاطفا مع الجزائريين لكن كتابته خالطتها رؤية المستعمر.

إن الكتاب حافل ومدهش وموسوعي في موضوعه إلى حد كبير، يتميز بجرأته وثراء تفاصيله التي ربما يشار إليها وتنشر مترجمة للمرة الأولى، كما يتميز بتجرد وموضوعية مؤلف قلما نقع عليها في هذا النمط من الكتابات.

ومما يؤسف له أن الكتاب الذي يمكن تصنيفه تحت مباحث كالنفسية التاريخية، والثقافية الاجتماعية، والأدبية التاريخية، صدرت طبعته الأولى 2009، ترجمه المترجم الأردني ناصر مصطفى أبو الهيجاء وراجعه د.أحمد خريس، ولم يتعرض له الإعلام حيث أجريت بحثاً حوله فلم أجد مادة صحفية منشورة عنه، الأمر الذي ترك لدي شكاً أن يكون هناك تخوف من عرضه لما ورد فيه، حيث يتمثل العرب الذين يندرجون فيه بأولئك الأفراد الذين "عاشوا وما زالوا يعيشون في كل من الجزائر وتونس ومصر والصحارى العربية وأمكنة أخرى نساء ورجالاً مواجهين بأولئك الأفراد القادمين من كل أنحاء بريطانيا وفرنسا وربما أمكنة أخرى".