أسماء الطاهر ترصد ظاهرة مسرحة الروايات في مصر

القاهرة ـ من محمد الحمامصي

استقى المسرح مادته المسرحية عبر التاريخ من مصادر عدة منها الأسطورة والأحداث التاريخية والظروف الاجتماعية المحيطة، ولعل من أبرز المصادر التي استقى منها المسرح مادته، الأشكال السردية المختلفة من ملاحم وسير وقصص شعبية شفوية والأدب الروائي والقصصي.

وذلك الأخير هو موضوع كتاب "مسرحة الرواية..دراسة في المسرح المصري" للباحثة والمسرحية أسماء يحيى الطاهر المدرس المساعد بقسم علوم المسرح بكلية الآداب، والصادر عن المجلس الأعلى للثقافة.

في بداية الستينات نشأت في مصر حاجة إلى مسرحة الروايات؛ فبعد أن كانت هيئة المسرح التابعة لوزارة الثقافة بفرقها الثلاث؛ المسرح القومي، ومسرح العرائس، والمسرح الغنائي هي المسؤولة عن إنتاج المسرحيات، إلى جانب بعض الفرق الخاصة مثل فرقة عادل خيري، وفرقة إسماعيل يس، وفرقة المسرح الحر أنشئ جهاز التليفزيون، و"كان التليفزيون قد ألزم نفسه بالإرسال على ثلاث قنوات في وقت واحد ولساعات طويلة كل يوم، فكان من الطبيعي أن يلجأ القائمون عليه إلى شغل نسبة كبيرة من ساعات الإرسال بمواد جاهزة، كالأفلام السينمائية والمسرحيات المصورة، فلما لم يجدوا أمامهم مسرحيات كافية تلبي حاجتهم المتزايدة، فكروا في إنشاء فرق مسرحية تابعة للتليفزيون، تعرض مسرحياتها على الجمهور أياماً قليلة بهدف تصويرها في جو طبيعي يزيد من متعة المشاهدين بها، فكأنهم انتقلوا عن طريق الشاشة إلى مسرح حقيقي".

وقالت الباحثة إنه "لما كان المؤلفون المسرحيون في هذه الأثناء ربما لا يتعدون العشرة، هم: توفيق الحكيم، ألفريد فرج، ميخائيل رومان، محمود تيمور، يوسف إدريس، نعمان عاشور، علي أحمد باكثير، سعد الدين وهبة، عبد الرحمن الشرقاوي، رشاد رشدي، لم يكن الإنتاج يكفي حاجة السوق المتزايدة، حتى مع ظهور مجموعة أخرى من المؤلفين في منتصف الستينات، أمثال: نجيب سرور، شوقي عبد الحكيم، صلاح عبد الصبور، محمود دياب، على سالم، من هنا كانت الحاجة ملحة إلى ظهور جيل من المؤلفين "أو المعدين" المسرحيين الذين اعتمدوا على الرواية كمصدر لكتابة نصوصهم، وبخاصة أن أغلب المؤلفين المسرحيين الموجودين يبدعون أشكالاً فنية أخرى وليسوا متفرغين تماماً لكتابة المسرح، فكان منهم الشعراء ومؤلفو القصص القصيرة والروايات، وقد انهال المعدون الجدد، على أعمال أشهر الروائيين في ذلك الوقت، نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وعبد الرحمن الشرقاوي، لما لأعمالهم من شهرة تستقطب جمهور التليفزيون ولسهولة وسرعة الحصول على نصوص تفي بحاجة السوق حيث الحبكات والشخصيات والأحداث جاهزة ما عليهم إلا تحويلها إلى حوار مسرحي لتكون جاهزة للتصوير والعرض. وبرزت أسماء هؤلاء المعدين، وكان أشهرهم: أمينة الصاوي وأنور فتح الله وفيصل ندا وفؤاد شريف ونعيمة وصفى وفايز حلاوة ومحمد عناني وسمير سرحان".

وأضافت "كان سبب الظاهرة، إذن، هو كثرة الطلب على النصوص المسرحية بسبب زيادة عدد الفرق من ناحية، ومن ناحية أخرى قلة عدد الكتاب المسرحيين المتخصصين في الكتابة للمسرح، إلى جانب أهمية بعض الروايات في ذلك الوقت".

وتابعت "وكان من الطبيعي أن تنقسم آراء النقاد في هذا الوقت بين مؤيد ومعارض لتجربة فرق التليفزيون المسرحية بأكملها: ففي حين رأى د.علي الراعي في كتابه المسرح في الوطن العربي أنها جعلت الفن المسرحي يخسر كثيراً، وأصبح النشاط المسرحي سوقاً تجارية كبيرة، وأنها السبب في انتشار المسرحيات الهزلية التي أنتجها التلفزيون وهي في معظمها النصوص المعدة عن روايات بشكل محدد في مقدمة كتابه ليالي مسرحية فقال 'ولست أعتقد أن 'النص المُعد' حِرَفياً يوازي فنياً 'النص الأصيل'، ذلك لأن مضمون العمل الفني دائماً، هو الذي يحدد الشكل المكتوب به. وشتان بين 'السرد' في الروايات المقروءة، وبين 'الحوار والحركة' على خشبة المسرح! '، نجد في الوقت ذاته فؤاد دوارة رغم اتفاقه معهما في أنها قد أثرت سلباً وأدت إلى ضعف وتهافت النصوص المسرحية، في كتابه تخريب المسرح المصري، إلا أنه يؤكد على أنه 'لا يمكننا أن نتجرد من الموضوعية ونسلبها إيجابياتها المتمثلة في توسيع رقعة الإنتاج المسرحي، وبالتالي توسيع القاعدة الجماهيرية المستفيدة منها، خاصة وقد أكثرت بعض الفرق من التجوال بين الأقاليم، وتقديم بعض عروضها في دور السينما بالأحياء الشعبية بالقاهرة".

ورأت أسماء يحيي الطاهر أنه سواء كانت الظاهرة مسرحة الرواية في الستينات سلبية أم إيجابية، وسواء كانت النصوص الناتجة ضعيفة أم قوية، فذلك لا ينفى واقع وجودها بقوة تستوجب التوقف لدراستها دراسة نقدية جادة.

وقالت "انحسرت ظاهرة مسرحة الرواية، مع توقف مسرح التليفزيون وانخفاض الإنتاج المسرحي بشكل عام بعد نكسة 1967، ثم ظهر عدد من المؤلفين في فترتي السبعينات والثمانينات، مثل يسرى الجندي، أبو العلا السلامونى، نبيل بدران، سمير سرحان، محمد عناني، عبد العزيز حمودة، فوزي فهمي، لم يكن إنتاجهم غزيراً، لانشغال بعضهم بكتابة دراما تليفزيونية مع توسع الإنتاج التليفزيوني مرة أخرى، أو انشغالهم بمناصبهم الأكاديمية أو الحكومية، ثم تبعهم جيل جديد كبير العدد من المؤلفين الشباب، خاصة مع التوسع في إنشاء المسارح الحكومية والخاصة، وازدهار مسرح الأقاليم التابع لهيئة قصور الثقافة".

وأكدت أن مسرحة الرواية عادت إلى الظهور مرة أخرى بشكل واضح ومتزايد منذ بداية التسعينات وحتى يومنا هذا، وأصبحت تشكل فرعاً مهماً من أفرع الإبداع المسرحي يستوجب التوقف لدراسته ملياً، إن تلك العودة الواضحة تثير التساؤل حول أسبابها: هل يرجع إلى نضوب في الأفكار لدى كتاب المسرح فلجأوا إلى عالم الرواية المليء بالأفكار الجديدة والتي تتصل بمجتمعنا المصري كبديل عن لجوءهم في السابق إلى الأعمال الغربية ومحاولة تطويعها لتلائم مجتمعنا (التمصير)؟ أم هل كان للمسرح التجريبي الذي يقام منذ ثمانية عشر عاماً دور في ظهور الحاجة إلى استخدام تقنيات مسرحية جديدة لم تستوعبها النصوص المسرحية المصرية التي مازالت تدور في فلك التقاليد الكلاسيكية سواء على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون، فلجأ بعض الكتاب إلى مسرحة الرواية متضمنين في كتاباتهم التقنيات المسرحية الجديدة على مستوى الشكل؟ أم وجدوا في هذه الروايات ما يستثيرهم لتحويلها إلى نصوص مسرحية تجعل الرواية تنتشر في محيط أوسع وأكثر تفاعلاً مع الملتقي، أم هي هذه الأسباب مجتمعة؟

وقالت "ذلك من ناحية الأسباب، أما من ناحية الكتابة، فإن مسرحة الرواية تثير التساؤل حول التقنيات المستخدمة فيها 'ما هي، لماذا، كيف؟'، فإن اختيار الكاتب المسرحي لعناصر ما من الرواية وإغفاله لعناصر أخرى له أسباب، وبناءه لتلك العناصر بشكل معين له أسباب أيضاً، إذ أن هناك فارقاً، لا شك، بين الرواية والمسرحية، ففي حين يعرف أرسطو المأساة بأنها محاكاة لفعل تام جاد أي أن المسرح فعل، نجد أن الرواية تقوم على السرد لا الفعل. وفي حين أن الرواية يقوم بكتابتها شخص بمفرده ويقرأها شخص بمفرده، نجد أن النص المسرحي يكتمل وجوده عندما يعرض على خشبة مسرح ويتفاعل بشكل حي ومباشر مع الجمهور، كما أن كل اللحظات في المسرح آنية، تحدث الآن (مهما تمض السنون على فترة الكتابة)، والمسرح كذلك لأنه حي (بالمحاكاة)، وحياته ناتجة عن أن لحظاته، التي تتحقق بواسطة شخصيات تنفعل: وتتكلم، وتتحرك، وتتخذ قرارات خاطئة أو صحيحة في حضورنا، وليس عن طريق الحكى (السرد)، والغائر في الوجدان البشري أن الحكي لا يكون إلا عن شيء حدث وانتهى، ولو من لحظات قليلة".

لماذا رغم وجود هذا الاختلاف التقني يلجأ كتاب المسرح إلى الرواية مع اختلافها عن المسرح؟ وما الذي يحدث عند تحويل الرواية وهي بناء سردي إلى نص مسرحي يقوم على الفعل؟ وكيف تتم عملية التحويل؟ تتناول هذه الدراسة ظاهرة مسرحة الروايات في المسرح المصري في الفترة من 1996 إلى 2005، ولقد تم اختيار هذه الفترة لعدة أسباب: أولها أنها شكلت وعياً مسرحياً ونقدياً، وثانيها أن هذه الفترة الزمنية شهدت كثافة عددية في الروايات التي تمت مسرحتها، وهي نصوص تحتوي على تقنيات متعددة في تحويل الرواية إلى نص مسرحي مما يسمح لي بتناول عدد من النماذج المختارة التي تمثل هذه المرحلة، وآخرها أن لجوء المؤلفين المسرحيين للرواية لم يعد ضرورة حتمية مثلما كانت الحال في فترة الستينات، بل أصبح اختياراً متعمداً لدى الكثير منهم.