للطفيلة لغة، فمن يفهم مفرداتها؟

بقلم: د.عبداللطيف الرعود

تمتاز لغة الطفيلة بفخامة لهجتها ونغمة صوتها المرتفع والقوي، وهذا ما يمتاز به سكان الجبال إذ أن للصوت القوي فيه صدىً تختلف نغماته باختلاف الزمان والمكان فالهجيني والمواويل والحداء للحراثين والرعاة وقاطفي الثمار والمحاصيل تكون طويلة ذات سجع مرهف، أما صرخات النخوة والفزعة فهي قصيرةٌ مدوية تثير الأحاسيس والمشاعر العاطفية للبطولة والإقدام في ساحات الوغى والنزال.

وفي مفردات هذه اللغة ولهجاتها كرامة مستمدة من عمق الولاء لتراب الأردن عبر التاريخ لتضع حجر الأساس التي بنيت عليه أعمدة الإمارة مدونة أول سطر من العقد الاجتماعي مع أول قطرة دم أريقت في معركة الطفيلة الكبرى"حِدٌّ الدقيقِ".

من هنا جاء الإصرار على تسمية الطفيلة "المحافظة الهاشمية" غير أنها في مفردات لغة أصحاب القرار"المحافظة الهامشية" ويفهمونها على أنها من المناطق "الأقل حظا" بينما يفهمها أهلها على أنها "الأقل رعاية والأكثر إهمالاً وتهميشاً" ليتولد معه احتقان وغل متجذران، وينبعث الحراك الشعبي مع الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء معروف البخيت للمحافظة والتي رافقتها احتجاجات كبيرة منع على إثرها الرئيس من الوصول إلى مقر الاحتفال في مبنى المحافظة، واستمر الحراك الشعبي الشبابي إلى أن قام الملك بزيارته للطفيلة فتكون الطفيلة قد "استقبلت الملك ورفضت الرئيس"، وجاء هذا الرفض لفشل السياسة الحكومية والذي هو امتداد لفشل الحكومات السابقة على مدى عقود.

من لا يفهم اللغة يظن أن ما دفع المتظاهرين في الطفيلة هي "البطالة والجوع والعوز" غير أن من يجيد اللغة ويفهم مفرداتها يجدها قد تجسدت في بيان لجنة الحراك الشعبي في الطفيلة "أحرار الطفيلة" واليافطات المرفوعة في المسيرات وتجسد مطالب شباب الأردن كله والتي منع الشباب من إلقائها على مسامع الملك من قبل المحافظ واللجنة الحكومية المنظمة للاحتفال وقد اعتبر المواطنون ذلك استمرارا للعنت والاستفزاز والتهميش التي تقوم به الحكومة ويتبع ذلك الخشونة المفرطة من قبل أفراد الدرك عندها تعانق العصا بالحجر، إنها ليست العصا والحجر في عصر موسى التي وبإرادة الله سبحانه عندما ضرب العصا بالحجر انفجرت منه الماء، وإنما هي العصا والحجر التي تفجر منها العنف والبطش الذي أعطى صورة مشوهة سوداء ومظلمة عن الأردن الذي نحب.

وعليه تكون الحكومة وأجهزتها الأمنية قد حالت بين الملك ومواطنيه وسماع آرائهم في سلطة العنف التي ألغت الرأي والرأي الآخر وهذا حالها على الدوام تسوق للرأي الذي تعتقد أنه إيجابي وتلغي غير ذلك فتكون الصورة مشوهة بالزيف والخداع والتضليل.

لقد تخلى أفراد الدرك والقوى الأمنية عن عبوات العصير وعلب البسكويت التي كانوا يقدمونها للمحتجين والمتظاهرين مع بداية الانتفاضات العربية في عمان وما حولها وتحت أضواء الإعلام وكاميرات التلفاز، ما جرى في الطفيلة يوم 13/6 عودة للقوة والعنف وأسلوب التعامل مع المحتجين في دوار الداخلية مع أن الموقف مختلف فقد حول تطرف رجال الدرك المشهد من احتفالي إلى مشهد عنف فوضوي، فقد استبدلت عبوات العصير والبسكويت بالعصي والهروات قابلها الرد بالحجارة وهذا ما أوقع الإصابات بين أبناء الوطن الواحد ونسأل الله الشفاء العاجل لكل مصاب.

لقد جسدت هذه الحالة بأنه لكل فعل رد فعل والعنف يولد العنف مع غياب تحكيم العقل والاستعمال المفرط للقوة.

وعدم إدراك مدى الاحتقان الذي وصل إليه الناس الذي سببه الظلم والتهميش واستلاب الحقوق وغياب تكافؤ الفرص، ومصادرة ثروات المحافظة الطبيعية التي التهمتها شركات الخصخصة من غير أي مردود على المواطن أضف إلى ذلك التأثير السلبي على البيئة واستملاك أجود الأراضي لهذه الشركات ومناجمها، كذلك حرمان المحافظة من صحرائها وغورها وضمها للمحافظات المجاورة.

وقد هدر الصوت المرتفع القوي خلال المسيرات السلمية بعد كل صلاة جمعة وهتف المتظاهرون بلغة واضحة وصوت قوي "لا لجان ولا حوار الإصلاح بدو قرار".. " واحد اثنين أراضي الدولة وين".."الشعب يريد إسقاط الحكومة ".."طفيلتنا أبية ومسيرتنا سلمية"..كما هتفوا.."واحد اثنين..مصاري الشعب وين؟".. "واحد اثنين.. المساعدات وين؟".... "من الطفيلة لعمان..شعب الأردن ما بينهان".. "من الطفيلة بأعلى الصوت..اللي بيهتف مش حيموت" كما نادوا بالوحدة الوطنية "لا شرقية ولا غربية وحدتنا وحدة وطنية ".. "مسيرتنا مسيرة سلمية".."الموت ولا المذلة".."ارجع ارجع يا شاهين.. وافضح كل الفاسدين".."طاق طاق طاقية.. حكومة بلطجية"..ورفعت يافطات كتبت عليها: "إذا استمر صمت أصحاب القرار.. فان معاهدة وادي عربة خزي وعار".

إن تأخر الحكومة بإلاصلاح هو سبب تأزم الطفيلة وباقي محافظات المملكة واستمرار المظاهرات فيهما.. فهل نحن مقبلون على صيف ساخن أم أن الإصلاح سيلطف الجو الذي يرغبه كل مواطن؟

د.عبد اللطيف الرعود