اليمن.. مكونات الثورة الثانية وتصور المخارج

بقلم: د. زيد بن علي الفضيل

مع اندلاع شرارة الحرب بين القوات الحكومية الموالية للرئيس علي عبدالله صالح وعديد من العناصر القبلية الموالية لأبناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر في العاصمة صنعاء، وتأجج لهيبها مع استهداف الرئيس وكبار المسؤولين حال أدائهم لصلاة الجمعة بمسجد قصر الرئاسة الخاص، وتوسع مداراتها في مختلف المناطق اليمنية، يدخل اليمن مرحلة قاتمة تنذر بانهيار كامل للوضع الأمني وبالتالي الوضع السياسي، بحيث يصعب في المستقبل المنظور إخماد نارها الملتهبة، ويصعب معه العودة إلى مشروعية النظام السياسي القائم حاليا، مما يفتح المجال لنشوء كيانات سياسية مختلفة ومتنوعة من حيث منطلقاتها وتكويناتها الأيدلوجية، وهو ما يستدعي من كل المعنيين التدخل بجد لإنهاء الأزمة اليمنية وفق أطر ومخارج سياسية لا حزبية، تتلامس مع جوهر المشكلة دون أن تستهدف تغليب فريق على آخر، وتنتصر لمكون منها بشكل خاص.

مكونات الأزمة الحالية في اليمن

المكون الثوري

وواقع الحال فإنه وبالنظر إلى طبيعة الوضع المعاش حاليا وتطور سيره السياسي والعسكري، يمكن للمراقب تحليل كينونته من خلال النظر في هوية وواقع ومدى قوة المكونات الرئيسية لمفاصل الوضع السياسي القائم، التي يأتي المكون الثوري على رأسها أهمية وتأثيرا، ذلك الذي بسببه أخذت الأوضاع تتصاعد بشكل دراماتيكي جراء اعتصام الآلاف المؤلفة من شابات وشباب اليمن المطالبين بالإصلاح، والمنادين بتنحي الرئيس علي صالح عن سدة الحكم وتغيير النظام السياسي الفاسد من وجهة نظرهم، منطلقين من نجاح الثورة الشبابية في مصر وتونس، ومستفيدين من تنامي اهتمام الإعلام العربي والإعلام الدولي لحركة الشارع ومطالبه المشروعة، علاوة على حَرَج المؤسسات السياسية الغربية من مناصرة أي نظام عربي فقد مشروعيته الشعبية، وقال الناس كلمتهم فيه بشكل علني.

وكان لهم ما أرادوا، حيث كان واضحا منذ اللحظة الأولى استشعار الرئيس صالح لطبيعة التغيير وحجمه القادم، فكان إعلانه الشهير بألا تمديد ولا توريث ولا تصفير للعداد بحسب قوله، غير أن كل ذلك لم يمنع المتظاهرين من بدء مسيرتهم النضالية ضده، ولم يمنعهم أيضا من مطالبته بالرحيل في ساعته ولحظته، تأثرا بنتائج الثورة في مصر وتونس، وبسبب فقدانهم الثقة الكاملة في مختلف أقواله ووعوده التي ألف الرئيس على ترداد ألفاظها طوال ثلاثة عقود زمنية ودون أن ينفذ شيء منها.

وفي تصوري فقد كان بإمكان الثورة الشبابية أن تصل إلى غايتها أسوة بسابقتها لو سلمت التدخل الحزبي المتمثل في تطلعات أحزاب اللقاء المشترك، الذين رأوا في نشاط وحركية الثورة فرصة لتحقيق انتصارهم السياسي المأمول على الرئيس وأركان دولته، فكانت مشاركتهم الواسعة والصريحة في فعاليات الثورة، وكان واضحا حجم دعمهم اللوجستي لأنشطة الثوار، الأمر الذي أفقد الثورة عذريتها السياسية إذا جاز التعبير، وفرض عليها الدخول في لعبة الموازنات السياسية التي لا تخلوا من المراوغة والمناورة ووزن الأشياء بحسب المنفعة والخسارة، وهو ما أفقد حركية الثورة بريقها، وفرض على المراقب الإقليمي والدولي إعادة حساباته بشكل دقيق، لاسيما وأن الصوت الغالب إعلاميا وحركيا كان لكوادر حزب التجمع اليمني للإصلاح الديني، الذي يُعد أكبر أحزاب المعارضة وأقواها من حيث الحركة والتأثير.

المكون السياسي

على أن المشهد في الساحة لم يكن ليعكس حال اندلاع الثورة الشبابية توجه أي كيان شبابي سياسي مستقل، يملك أجندته وبرنامجه الخاص، كما هو الحال في مكونات الثورة الشبابية في مصر مثلا، مما أفسح المجال لكوادر أحزاب اللقاء المشترك وبخاصة الإصلاح والاشتراكي للعمل بصورة منظمة وواعية، لكن ومع مرور الوقت وجلاء الموقف الحزبي في كثير من القرارات المُعلنة باسم الثورة الشبابية، التي لا تُعَبر بالضرورة عن موافقة جميع أطياف الساحة، بدأ عدد من المستقلين في تكوين تنظيماتهم الحركية، وتشكيل عدد من الائتلافات السياسية فيما بينهم، بهدف إيصال رؤية شباب وشابات الثورة، بعيدا عن رغبات اللقاء المشترك. وهو ما تنبه له حزب الإصلاح وأدرك مدى خطورة تناميه في الساحة، وحجم تأثيره السلبي على مسيرة معركته القائمة مع الرئيس صالح وكوادر حزبه، ولهذا فقد حرص على أن يتشكل ضمن أجنحة متنوعة وهي:

- الجناح الشبابي الثوري الذي قادة مسيرته باقتدار الناشطة توكل كرمان، وقد أخذ هذا الجناح على عاتقه تبني خطابات الثورة وشعاراتها الرافضة لأي تفاوض مع السلطة، والمنادية بحتمية تنحي الرئيس فورا دون الالتزام بأي ضمانات أو شروط، بل وإعلان ضرورة محاكمة الرئيس وأركان حزبه على مختلف الجرائم الحاصلة وقضايا الفساد السياسي والاقتصادي خلال مدة حكمه بأكملها. وبالرغم من حدة نبرة صوت هذا الجناح، وبيان سخطه الإعلامي على مختلف المعالجات السياسية التي يقوم بها قادة أحزاب المشترك، إلا أن حركته ظلت منضبطة بشكل دقيق بمساره الحزبي المحدد له، مما فرَّغ محتواه من أي إرادة مستقلة، وجعل منه أداة ضغط قوية على السلطة، وأعطى الحزب القدرة على الإمساك بزمام الشارع الثوري حتى لا يفلت الزمام منهم، وتَخرُج السيطرة على مكونه الرئيسي من أيديهم.

- فيما تبنى الجناح الآخر بقيادة السياسي المحنك الأستاذ عبد الوهاب الآنسي مسار المفاوضات السياسية ضمن إطار أحزاب اللقاء المشترك، وشارك في جولات المفاوضات التي دعا إليها قادة دول مجلس التعاون الخليجي للوصول إلى مخرج سياسي مقبول للأزمة، وهو ما تمثل في فحوى بنود المبادرة الخليجية، التي تم تعليقها مؤخرا جراء رفض الرئيس التوقيع عليها، بعد أن وقع عليها أركان حزبه وقيادات المعارضة، بحجة ضرورة أن يوقع عليها الفرقاء في مشهد بروتوكولي في القصر الجمهوري.

- على أن الجناح الثالث قد أخذ المسار العسكري ليكون بمثابة الجناح المُسَلَّح للحزب، بقيادة واضحة من قبل عدد من الوجاهات القبلية في حزب الإصلاح، وبعض المشايخ المرتبطين بحركة السلفية الجهادية، التي كان لها دورا في حشد المجاهدين الأفغان للحرب ضد الحزب الاشتراكي صيف 1994م، مما دعا الولايات المتحدة الأميركية إلى المطالبة بتسليمهم للتحقيق معهم خلال الفترات الماضية؛ وبالتالي فقد ضم هذا الجناح خليطا من مكونين رئيسيين، وهما المكون العقائدي برئاسة أولئك المشايخ واقتصر أفراده على أنصار السلفية الجهادية بوجه خاص، والمكون القبلي بزعامة عدد من المشايخ القبليين، الذي لم يقتصر أفراده على المنتمين إلى الحركة السلفية الإخوانية من أفراد قبيلة حاشد، بل ضم تشكيلة متنوعة من مختلف القبائل اليمنية، وهي التي وضح دورها خلال الأزمة الحالية.

وفيما يتعلق بالقوة الحزبية الثانية في اللقاء المشترك وهو الحزب الاشتراكي، فلم يعد خافيا على المراقبين مدى تضعضع قوته التنظيمية وضعف حركته السياسية وبخاصة من بعد حرب صيف 1994م وهزيمة قياداته الأولى في تلك الحرب، ناهيك عن تراجع دوره في المحافظات الجنوبية، جراء رفض أبنائه لممارساته السياسية خلال مدة حكمه لجمهورية اليمن الديمقراطية، كما أن شعبيته في المحافظات الشمالية قد تلاشت بسبب ركونه إلى إعلان الانفصال عن الوحدة اليمنية خلال حرب صيف 1994م.

في هذه الظروف السيئة التي فقد معها الحزب كثيرا من مفاصل قوته على الساحة اليمنية، بدأ قادته الجدد في مراجعاتهم الفكرية وحواراتهم مع مختلف الأطياف السياسية في اليمن، وفُتح المجال لقبول كوادر سياسية جديدة، فكان أن انضم إليه العديد من الفعاليات الفكرية والسياسية المُتسرِّبة من أحزاب أخرى وبخاصة حزب الحق، ثم ونتيجة لتنامي قوة حزب المؤتمر الشعبي العام وفك ارتباطه الاستراتيجي مع حليفه حزب الإصلاح، شعر الأخير بحاجته الماسة إلى إعادة حساباته وترتيب أوراقه ضمن إطار المكونات السياسية في اليمن، وكان من جراء ذلك أن انبثقت فكرة إنشاء تحالف أحزاب اللقاء المشترك، بين حزب الإصلاح والحزب الاشتراكي، وانضم إليهما عدد من الأحزاب الهامشية حاليا في إطار فعاليات وتأثير المشهد السياسي في اليمن وهي: التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري وحزب البعث العربي الاشتراكي القومي والتجمع السبتمبري واتحاد القوى الشعبية اليمنية وأخيرا حزب الحق، الذي تم حله من قبل لجنة شؤون الأحزاب جراء تلاشي جمعيته العمومية ووفاة رئيسه واستقالة أمينه العام السيد أحمد الشامي. وقد هدف اللقاء المشترك إلى التنسيق في ما بين مكوناته في الانتخابات البرلمانية، والعمل لضمان وصول جميع الأحزاب الموقعة على الاتفاق للمشاركة في المجالس النيابية المقبلة.

تجدر الإشارة إلى أنه وبالرغم من تفاوت أهداف وغايات كل حزب، واختلاف رؤية ومنطلقات كل فريق منهم على المستوى السياسي والإطار العقائدي، إلا أنهم قد تمكنوا من تجسير الهوة فيما بينهم بصورة أو بأخرى، وعمل الحزبين الرئيسيين وهما الإصلاح والاشتراكي بخاصة على بناء منصات عمل مشتركة، بفضل الجهود المبذولة من قبل الشيخ حميد الأحمر، يدفعهم في ذلك عداءهم الشديد لسلطة الرئيس صالح على وجه الخصوص، ورغبتهم في إزاحته عن سدة السلطة بأي صورة كان.

وكان أن تبلورت قمة مشاريعهم السياسية في انتخابات 2006م، التي تنافس فيها فريقي الصراع وهما حزب المؤتمر واللقاء المشترك على استرضاء الجنوب ودغدغة عواطفه السياسية، وتمكن الرئيس صالح من تحقيق فوزا كاسحا أمام ممثل المشترك الجنوبي فيصل بن شبلان، ثم توالت الصراعات السياسية بين الفريقين لتأخذ أشكالا عدة وصورا متنوعة، حتى بلغت جذوتها في فعاليات ساحة التغيير بصنعاء وساحة الحرية بتعز، التي ساهمت أحزاب اللقاء المشترك وبخاصة الإصلاح منها بكوادرهم الشبابية في تنظيمها وتأجيج فتيلها إعلاميا وسياسيا وحتى عسكريا، حين تم الترحيب بانضمام اللواء علي محسن قائد الفرقة أولى مدرع وعناصر قيادته إلى ساحة التغيير، والترحيب بجموع متعددة من مشايخ القبائل المواليين للثورة الشبابية، الذين أعلنوا جميعا حمايتهم لشباب وشابات ساحة التغيير من أي هجوم قد يتعرضوا له من قبل القوات الموالية للرئيس علي صالح.

المكون القبلي

بهذا الدور العشائري تم ممارسة الإجهاض الثاني لمسيرة الثورة الشبابية، وكرَّس من حالة الافتئات السياسي على مسيرة النضال الشبابية الهادفة إلى تصحيح المسار وتغيير النظام بشخوصه ومكوناته، الذي ساهم في تعزيز قوة مشروع القبيلة في مقابل مشروع الدولة، وبخاصة على عهد الرئيس صالح، حيث تنامت قوة المشايخ القبليين سنة بعد سنة خلال مدة حكمه، وتوثقت علاقته بالشيخ عبدالله الأحمر على وجه الخصوص، وساهم في تعزيز أشكال سلطته ضمن إطار الدولة، وشكل معه حلفا استراتيجيا متينا ظل متماسكا أمام العديد من الهزات العنيفة حتى كانت وفاته، على الرغم من ازدياد وتيرة الخلاف بين ابنه الشيخ حميد والرئيس بوجه خاص.

وفي الإطار ذاته فلم يغفل الرئيس عن تقوية أواصر علاقاته بمختلف المشايخ الآخرين من قبيلة بكيل ومذحج وحمير، حيث اهتم بمتابعة قضاياهم عبر ديوان شؤون القبائل في مكتب رئاسة الجمهورية، وعمل على صرف الكثير من المبالغ الشهرية لكثير من قياداتهم على مختلف درجاتهم، وقام بتقريب العديد منهم إليه وتعيينهم في العديد من مفاصل الدولة وأجهزتها الرسمية، وتمكن بذكائه وحنكته من استقطاب الكثير من الأجيال الجديدة من أبنائهم، لاسيما وأنه قد حرص لفترة طويلة من حكمه على عدم ظهور أنجاله ضمن إطار المشهد السياسي والاجتماعي في اليمن وكذلك الإعلامي، على الرغم من تسنمهم لعدد من المناصب العسكرية الكبرى، كما وفي الوقت ذاته فقد حرص على الاستفادة من أخطاء أبناء الشيخ عبدالله الأحمر وتنامي خلافاتهم القبلية من جهة، وتعاظم مشروعاتهم الاقتصادية التي لم تنعكس بشكل تنموي على المواطن اليمني.

وكان كل ذلك سببا في تقوية موقفه السياسي والاجتماعي داخليا، لكن ومع ارتكابه في السنوات الأخيرة لخطأه القاتل بالتكريس واقعيا وإعلاميا ولوجستيا لمفهوم إمكانية التوريث لنجله قائد الحرس الجمهوري العميد الركن أحمد، أخذ موقفه على الصعيد المحلي في التراجع، كما ونتيجة لإقحامه الجيش اليمني في ستة حروب عصيبة منذ سنة 2004م ضد ما عرف بحركة الشباب المؤمن بمحافظة صعدة والقبائل الموالية لها، أخذت شعبيته القبلية في إطار جزء من بكيل بالتناقص، ثم ومع بلوغه في لحظة سياسية خاطفة حالة مزرية من الغرور الكلي، انطلاقا من إيمانه بضعف المشروع القبلي وتفتته، بدأ مشروع قبلي مضاد من مختلف القبائل اليمنية برئاسة الشيخ حسين الأحمر يأخذ طريقه في التبلور، وكان من نتائجه أن تشكل مجلس التضامن القبلي، الذي عمل الرئيس صالح على التقليل من أهميته وتشجيع قيام مجالس مناهضة له، على أن كل ذلك لم يسحب البساط من تحت قدميه، وظل محتفظا بولاء عدد من الشخصيات الوجاهية القبلية، التي ما تمكنت من هضم سيطرة أبناء الشيخ عبد الله على المشهد العشائري في اليمن، وهو ما صب في خدمة الرئيس صالح في الوقت الراهن.

ذلك أنه وبالرغم من وصول عديد من مشايخ القبائل إلى ساحة التغيير للتعبير عن مناصرتهم بشكل خاص للشيخ حميد الأحمر وإخوته، أكثر من إيمانهم بمنطلقات الثورة وأهدافها، إلا أن الرئيس ظل محتفظا بمُكوِّن آخر من مختلف المشايخ القبليين الذين أعلنوا مناصرته، ليس إيمانا به أيضا، بقدر ما هو رفضا لسيطرة أبناء الشيخ عبد الله الأحمر.

وعليه فيمكن القول أن المُكوِّن القبلي قد انقسم خلال هذه الأزمة إلى فسطاطين تختلط فيها كل الأوراق، بما يمنع من تطبيق مختلف الأعراف والتقاليد القبلية حال نشوب الصراع المسلح على أقل تقدير، حيث يتكون الفسطاط الأول المناصر لشباب الثورة وأبناء الشيخ عبد الله الأحمر من مجاميع متنوعة من مشايخ القبائل اليمنية من قبيلة حاشد وبكيل ومذحج وغيرها، كما يتكون الفسطاط الثاني المناصر للرئيس والدولة من مجاميع متنوعة أيضا من قبيلة حاشد وبكيل ومذحج وغيرها.

وهو ما يُدخل اليمن في حالة فريدة من نوعها على المستوى العشائري، حيث لم يسبق أن اختلطت الأوراق بهذا الشكل، إذ وخلال الصراع العسكري خلال عقد الستينات بين الجبهة الملكية والجمهورية، كانت القبائل بأكملها توالي أحد الطرفين، فإما أن تكون ملكية أو جمهورية، أو تقف بأكملها على الحياد، وبالتالي فقد كانت ساحاتها وميادينها محكومة بما يتعارف عليه اليمنيون من أعراف وقوانين قبلية راسخة. أما اليوم فإن الساحات القبلية بالمفهوم العشائري، التي لها أعرافها وأحكامها الخاصة، قد انقسمت على نفسها بانقسام أبنائها في الفسطاطين، وأصبحت خارجة عن طبيعة فهم الأشياء وإطار أحكامها، لكونها تضم جموعا قبلية مسلحة من مختلف القبل، وهو ما يمنع القول بفرضية حرب القبائل للدولة في الوقت الراهن، ويترك الأمر مفتوحا على مصراعيه، الأمر الذي ستكون له نتائجه الوخيمة مستقبلا في حال انفلات الأمن وتزايد وتيرة الحرب بين الطرفين.

المكون العسكري

والحال ينطبق أيضا على طبيعة الوضع العسكري، حيث أدى انشقاق اللواء علي محسن صالح ـ وهو من أبناء عمومة الرئيس اليمني ـ بقيادته العسكرية وانضمامه لفعاليات الثورة، إلى حدوث حالة من الإرباك والتشويش، ليس على صعيد الدولة وحسب، وإنما على صعيد شباب وشابات الثورة أنفسهم، إذ يُعتبر اللواء علي محسن من أقطاب النظام الرئيسيين الذي تم الخروج عليه، وأريد إنهاءه وإزالته من ذاكرة اليمنيين بشكل كلي، فكيف يصبح وهو الذي كان قد أطلق عليه قبل ذلك لقب "علي الكيماوي"، من قادة التغيير والإصلاح المناهضين للنظام، الذي كان أحد أقطابه إلى بدايات الثورة؟!

على أنه وبالرغم من تأجج نفوس كثير من قيادات وفعاليات الشباب المستقل في ساحة التغيير إزاء اللواء علي محسن، إلا أنهم قد عملوا على تصفية نفوسهم من جهته، باعتبار أن الثورة تجب ما قبلها، وبأمل أن يُساهم انضمامه في تسهيل استجابة الرئيس لمطالبهم، غير أن ذلك قد عاد عليهم سلبا، حيث تم الافتئات مرة أخرى على مشروعية الثورة السياسية السلمية، وأعطى انطباعا بإمكانية عسكرة الثورة مستقبلا.

وهو ما وضح جليا مع إصدار اللواء علي محسن للبيان رقم واحد مع اندلاع الاشتباكات المسلحة بين الرئيس وأبناء الشيخ الأحمر في منطقة الحصبة بالعاصمة صنعاء، وكأن الفرقة بذلك البيان قد وقعت في فخ ما ترمي إليه السلطة من إثبات حالة الانقلاب على الشرعية الدستورية، وبأن مساندة قائدها لم يكن لإيمانه بمنطلقات الثورة الشبابية بقدر ما كان راجع إلى طبيعة ولائه العقائدي لفكر حزب الإصلاح، وانتمائه التنظيمي له، وهو ما يدخله في الفسطاط الموالي لآل الأحمر باعتبار زعامتهم لحزب الإصلاح، على الرغم من قرابته للرئيس صالح وانتمائه لقبيلة سنحان الحاشدية بالإخاء وليس بالنسب.

إشكال المبادرة الخليجية

وهكذا وبعد استعراض سريع لمختلف مكونات الوضع السياسي الحالي في اليمن يتضح مدى حالة التشابك والتعقيد بينها، ويظهر بجلاء للمراقب لُبّ الإشكال الذي وقعت فيه المبادرة الخليجية، حيث استهدفت إقصاء الرئيس صالح عن الحكم تلبية لمطالب الشباب المعتصم في ساحات اليمن المتعددة، وتسليم السلطة لخصومه السياسيين، وهو ما استعصى قبوله على الرئيس من جهة وعلى أركان حزبه وقياداته العسكرية من جهة أخرى، على أنه وبالرغم من ذلك، إلا أنه قد أبدى موافقته العلنية للتوقيع على المبادرة، إيمانا منه بصعوبة تحقيق تفاصيلها بشكل كلي، وتصورا بإمكانية تراخي الموقف الدولي من مطالبته بالتغيير مستقبلا. وكان أن ساهمت المبادرة بتوتير الوضع داخليا، وتأجيج حدة الغضب الشعبي في اليمن على بعض دول مجلس التعاون الخليجي، التي تستهدف بحسب رأيهم مساندة الرئيس بهذه المبادرة، علما بأن المبادرة قد ألزمت الرئيس بالتنحي، وفرضت تشكيل حكومة برئاسة المعارضة أي أحزاب اللقاء المشترك.

على أن كل ذلك قد ذهبت أماله مع اندلاع شرارة الحرب بين الرئيس وخصومه أبناء الشيخ عبدالله الأحمر، وبلوغ حدتها بالقصف المتبادل على منزل الطرفين، وبالتالي انسداد الأفق كليا للوصول إلى حل توافقي يسمح بتنازل فريق للآخر، وعليه وأمام هذا المشهد القاتم، وحفاظا على مشروعية الدولة من التشتت والانهيار، يصبح الاتفاق على تشكيل مجلس رئاسي أعلى، مُحدَّد الصلاحيات، وإقامة حكومة انتقالية مستقلة من التكنوقراط، من أولى أولويات فرقاء الصراع في اليمن، على أن تأخذ الحكومة المستقلة في حال تكوينها على عاتقها مهمة إعادة الأمن والاستتباب إلى اليمن، وتسيير دفة الأعمال والاقتصاد بدعم مباشر من دول الجوار، وعمل التعديلات اللازمة للدستور، والتجهيز لانتخابات رئاسية وبرلمانية في مدة أقصاها ستة شهور من تكوينها، بإشراف ورعاية دولية مباشرة، وفي حينه يمكن لفرقاء الصراع من أحزاب اللقاء المشترك وحزب المؤتمر الشعبي العام وغيرها من المشاركة فيها، مع استثناء الرئيس علي صالح من الترشح مرة أخرى لمنصب الرئاسة.

د. زيد بن علي الفضيل