الفساد قضية بمستوى الإستبداد

بقلم: صباح علي الشاهر

ليس بمقدور أحد إستثناء قطر عربي واحد من ظاهرة شيوع الفساد والإفساد؟ وإن كان ثمة خلاف بين هذا القطر أو ذاك، فإن الخلاف يتمثل في درجة الفساد ليس إلا، هل هو مستشر لدرجة كارثية، أم مستشر لدرجة ميئوس من علاجها بالطرق التقليدية!

لفترة طالت أكثر مما يجب، كان الفساد واحدا من أهم عوامل بقاء السلطات العربية في مواقعها، من دونما تململ، ومن دونما خشية من أحد، خصوصاً بعد أن حازت على رضى وقبول من تهتم برأيهم وموقفهم منها.

كان الفساد في ظل حكومات ما قبل نصف قرن العربية أقل بما لا يقاس من الفساد في ظل حكومات يومنا هذا. نترك المقارنة لمن يريد المقارنة، والأشد غرابة أن الحكومات التي كانت تُوسم بالعميلة، أو التابعة، وهي كذلك من حيث المبدا، كانت أكثر حساسية فيما يتعلق بكرامة الوطن، ومصالحه، من حكومات هذا الزمن الأغبر، وكانت نظيفة اليدين، حريصة على المال العام، حتى أننا لم نعرف أن ثمة رئيس وزراء في العهد الملكي مثلاً "ألّف" أي أصبح صاحب آلاف، والألف يومئذ يعادل المليون في زماننا هذا بحساب الأخضر الفتان، أو الإسترليني الرنان، وعشرات المليارات بحساب العملات الوطنية، التي أصبحت في بعض الأحيان أرخص من الورق الذي طبعت عليه، لا نقول هذا من باب الترحم على الأيام السالفة كعادة البعض هذه الأيام، فلتلك الأيام مآسيها وسواءاتها التي تسببت في إنقراضها غير ماسوف عليها، لكننا في معرض الإشارة إلى مفارقة قد تكون مفيدة في السعي لتلمس جذور المشكلة التي أضحت بمستوى الإستبداد، إن لم تكن أخطر منه.

يردد البعض بعض القناعات المخطوءة، من مثل أن الطغاة والديكتاتوريين يفرضون الأمن والإستقرار، من خلال سلطتهم القاهرة التي تجعل الجميع يخضعون للقانون، وحيث أن الخضوع للقانون إقلال للفساد والمفسدة، فإن هؤلاء الطغاة والمستبدين يكونون عملياً على الضد من الفساد والإفساد.

السؤال الجدير بالإثارة هنا هو:هل المستبدون هؤلاء يفرضون الأمن حقا، وإذا كان الأمر كذلك فأي أمن هذا الذي يفرضونه؟

هل هو أمن المواطن، وبالتالي أمن الوطن؟ أم أمن الحاكم وبالمحصلة أمن نظام الحكم؟

عرضاً، ومن دونما إستفاضة، نشير إلى أن ما يُسمى بالحرس الجمهوري في بلد كالعراق لم يكن في بدايته سوى فوج أسموه بفوج الحرس الجمهوري، كانت مهمة هذا الفوج حماية الرئيس الشخصية، وحماية القصر الجمهوري، وكنا نمر جواره في الصالحية، وندردش مع بعض أفراده، بالقرب من الإذاعة والتلفزيون، ومن ثم إنتقل إلى القصر الجمهوري، الذي كان باص مصلحة نقل الركاب يمر في الشارع الذي يخترق حدائقه، بحيث يتسنى لراكبي الطابق الثاني منه رؤية حدائق القصر، ومداخله، وحتى رؤية حركة العاملين فيه، فيما بعد أصبح الفوج لواء أسموه لواء الحرس الجمهوري، ثم فرقة، ومن ثم فيلق، وبعدئذ فيالق الحرس الجمهوري ونظرائه. تصاغر الجيش الوطني وتعملق الحرس الجموري، بالإضافة إلى الأمن الخاص، والعديد من التشكيلات العسكرية التي كانت مرتبطة مباشرة بالرئيس، وكلما زادت هذه التشكيلات الخاصة عددا وعتاداً، كلما اصبحنا اضعف أمام العدوان الخارجي، وصولاً إلى إجتياح بلادنا.

لم يكتف المسؤول بوجود كل هذه التشكيلات التي كُلفت بحمايته، وحماية النظام، وإنما تحولت كل القوات المسلحة، من جيش وشرطة وأمن، ومخابرات وإستخبارات، وتنظيمات لا تحصى ولا تعد لتكون مهمتها الأساسية رصد الألسن الناقدة أو المتذمرة، أو تلك التي يُشم منها عدم الولاء، ولو ظناً، وما أكثر الذين نُحروا على الظن ليس إلا.

المفارقة أن كل هذا التحشيد لم يستطع حماية أقرب الناس إلى المسؤول الأول، في حالة العراق، ولم يستطع حماية حياة المسؤول الأول في حالة مصر، وغيرها

ولإعطاء هؤلاء أهمية كان لابد من تمييزهم عن سواهم، لا من المواطنين، وإنما حتى من القوات العسكرية، ليس فقط بالمنافع، وإنما بالهيبة والنفوذ، لذا كان المواطن المغلوب على أمره يلجأ إلى هؤلاء لتمشية معاملة واقفه، أو للحصول على حق من حقوقه، ولم يتم هذا دائماً من دونما مقابل، وقد إنسحبت هذه الظاهرة على كل مناحي الحياة، وشملت المتنفذين، والحزبيين، ورجال الأمن، وحتى الوكلاء والمخبرين، بحيث بات الكل يحلب ويبتز الكل، وفي نهاية المطاف أصبح كل فرد عملياً راش ومرتش، ووصلت هذه الظاهره لمديات كارثية في ظل الحصار، حيث أبيحت الرشوة عملياً وقانوناً، حيث أطلق عليها تعبير الإكرامية.

إذ لا نقول أن الأنظمة الإستبداية شجعت عناصرها على الفساد والإرتشاء، فإننا نقول أنها تغاضت عن هذا، إلا إذا أرادت تأديب أو معاقبة عنصر من إزلامها فإنها سوف تظهر صحيفة أعماله.

وجدت السلطات الإستبداية، وهي تعيش أزمتها المتفاقمة أنها بهذا تستطيع إلهاء الجماهير بهمومها اليومية ومشاكلها الحياتية، وإبعادها عن السياسة ومشاكلها، وكذلك مسك كل الأفراد المرتبطين بها من الرقبة.

وليس عن عبث أنه في هذه الفترة عقدت الأمور الإدارية بشكل لا مثيل له، بحيث أن أبسط معاملة روتينة تحتاج إلى المرور على العديد من الدوائر، مثلما تحتاج إلى العديد من الإثباتات التي يكون تمشية بعضها متعذراً من دونما الإلتجاء إلى الرشوة.

لقد حسبوها بالخطأ كعادة الطغاة في التأريخ كله، فالمرتشي الذي يمرر معاملة أصولية بأخذ الإكرامية، سيمرر معاملة غير أصولية أيضاً، ومن يمرر معاملة غير أصولية بملغ مليون دينار مثلاً، فإنه سيبيع سراً من اسرار الدولة بمليون دولار، ويكون معولاً لتهديم الوطن بمبالغ أخرى، حيث سيصبح وطنه ليس البلد الذي يعيش فيه، وإنما ذاك الذي يودع أمواله فيه.

في ظل الرشوة لا تمتهن كرامة المواطن بإمتهان حقوقه فقط، بل يمتهن الوطن الذي سيخان بذات الطريقة، والمسؤول الذي يحسب أنه بمأمن من سلطة المرتشي سوف لن يكون بمأمن من سلطة الخائن، إذ كل المرتشين هم مشاريع جاهزة للخيانة الوطنية.

الفساد ليس سلاحاً ذو حدين، وإنما هو سلاح ذو حد واحد، يبدأ بالدفاع عن كراسي أولياء النعمة، وينتهي بالتسبب في قلب العروش الفاسدة على رؤوس اصحابها.

صباح علي الشاهر