ذنون طه يرتاد الدراسات المغربية والأندلسية في العراق

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
يمتلك الأرضية التاريخية الواسعة

تعرفت عليه لأول مرة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، حينما كنا في بغداد ندرس في جامعتها، ونعمل للحصول على الماجستير. وقد تخرج وذهب إلى جامعة اكستر ببريطانيا للحصول على الدكتوراه وعاد إلى الوطن، وضمتنا عند عودته كلية التربية بجامعة الموصل، وكنت رئيسا لقسم التاريخ في مطلع الثمانينيات وبقيت حتى 1995.

وهو عضو هيئة التدريس في القسم الذي ترأسته، وكانت العلاقة بيني وبينه تتجاوز حدود الزمالة، فقد كنا أصدقاء ونتزاور عائليا، وعملنا معا في مشاريع وزارة الثقافة، وفي جمعية المؤرخين العراقيين، وفي هيئة كتابة التاريخ العسكري، وفي جمعية المؤرخين العراقيين فرع نينوى، واتحاد المؤرخين العرب، وفي موسوعة الموصل الحضارية.

وهو عند كتابة هذه السطور يشغل منذ 18 ديسمبر/كانون الثاني سنة 2005، منصب عميد كلية التربية بجامعة الموصل ويتمتع بسمعة علمية جيدة كونه واحدا من أبرز الذين أرسوا الأسس الأولى في العراق للاهتمام بالتاريخ المغربي والأندلسي، فله تلاميذه، ومنهجه. وكتبه تعد مصادر مهمة يرجع إليها الباحثون وطلبة الدراسات العليا.

الدكتور عبد الواحد ذنون طه عبد الله الطه من مواليد مدينة الموصل سنة 1943، وقد أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها ثم سافر إلى بغداد، ودخل كلية التربية بجامعتها وحصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ بدرجة جيد جدا سنة 1965.

وكان أول تعيين له مدرساً في ثانوية تلكيف في ناحية تلكيف بمحافظة نينوى في السنة ذاتها. وكان يطمح لإكمال دراسته العليا، فتمكن سنة 1973 من الحصول على شهادة الماجستير في التاريخ الإسلامي في كلية الآداب بجامعة بغداد وكان عنوان رسالته "العراق في عهد الحجاج بين يوسف الثقفي"، وعمل للفترة (1973-1975) مدرساً في معهد إعداد المعلمين بالموصل. والتحق ببعثة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سنة 1975، ونال شهادة الدكتوراه في تاريخ المغرب والأندلس من جامعة إكستر في بريطانيا سنة 1978، فنقلت خدماته في مطلع سنة 1979إلى كلية التربية - جامعة الموصل، وحصل على لقب أستاذ مساعد في سنة 1983، ثم على لقب الأستاذية سنة 1988.

ترأس عدة هيئات ولجان علمية داخل جامعة الموصل وفي الجامعات العراقية الأخرى. وعمل أستاذاً زائراً في عدد من الجامعات العراقية والعربية.

من مؤلفاته: "الفتح والاستقرار العربي الإسلامي في شمال أفريقيا والأندلس" (بغداد، 1982). (وهو بالأصل أطروحته للدكتوراه، وقد نشر أيضاً باللغة الانكليزية في بريطانيا).

ومن كتبه كذلك: "العراق في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي" (وهو بالأصل رسالته للماجستير)، و"دراسات أندلسية"، و"حركة المقاومة العربية الإسلامية في الأندلس بعد سقوط غرناطة"، و"نشأة تدوين التاريخ العربي في الأندلس"، و"موسى بن نصير"، و"أصول البحث التاريخ"، و"تاريخ الدولة العربية الإسلامية في العصر الأموي" (بالاشتراك)، و"دراسات في تاريخ وحضارة المشرق"، و"ابن عذاري المراكشي"، و"الرحلات المتبادلة بين الغرب الإسلامي والمشرق"، و"الإسلام في المغرب والأندلس"، و"تراجم وشخصيات من الأندلس"، و"تراجم مشرقية ومغربية"، و"مصادر في تاريخ المغرب والأندلس"، و"مواقف ودراسات في التاريخ والتراث"، و"الأصالة والتأثير: أبحاث في الفكر والتراث".

وللدكتور عبدالواحد ذنون طه، ما يزيد على المائة بحث منشور في مجلات عراقية وعربية وأجنبية وتدور بحوثه حول موضوعات مهمة في مجال تخصصه. وكرم خلال مسيرته العلمية مرات عديدة، ومن جهات مختلفة.

ويعتمد منهجه في الكتابة التاريخية على ضرورة أن يكون المؤرخ جادا، ومثابرا في البحث والعمل، وحب التاريخ. وفي ذلك يقول إن ندرة المصادر وقلتها أو كثرتها أو غموض الوقائع والحقائق التاريخية واختلاطها واضطرابها ينبغي أن لا يقف عائقاً أمام رغبته الجامحة في البحث عن الحقيقة. ويؤمن بأن على الباحث أن لا يستسلم لرواية محددة أو أحاديه التفسير بل عليه الشك ونقد النص ليصل إلى جل الحقيقة كما وقعت.

ويرى أن على الباحث أن لا يتبع هواه وينحاز لهذا أو ذاك الطرف المشارك بالحدث التاريخي وبذلك يفقد مهمته الأساسية. ويؤكد على أهمية أن يشعر المؤرخ بالمسؤولية ويتصف بالتواضع إزاء ما يقوم به من أعمال، وأن يبتعد عن حب الشهرة والظهور، وإلا يكتب من أجل التكسب بالمال والحصول على الألقاب والمناصب وأن يكون ذا عقل واع ومترتب ومنتظم، وأن يتصف بالتروي وعدم مهاجمة الآخرين وتصيد أخطائهم وأن يكون أسلوب الرد مبينا لهم بالحقائق المنهجية والعلمية.

ويرى ذنون طه أن الدولة العربية الإسلامية منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، اهتمت باختيار القادة الذين يناط بهم مسؤولية إدارة العمليات العسكرية، سواء لحماية أمن وحدود الدولة وتوسيع رقعتها الخارجية عن طريق نشر مبادئ الإسلام، أم القضاء على الفتن والأخطار الداخلية التي كانت تقوم في بعض الأحيان وتهدد وحدة وسلامة الأمة.

كما توقف د. عبد الواحد ذنون طه عند أبرز ظاهرة خلال فترة الحكم العباسي والمتمثلة بظهور الحركة الشعوبية، ومحاولة الشعوبية لتشويه الثقافة العربية الإسلامية فيقول: "حاول كتّاب الشعوبية ومؤيدوها من الأدباء وغيرهم مستندين إلى عصبية عنصرية جامحة للتقليل من شأن الثقافة العربية الإسلامية والاستهانة بها، واتخذوا لتحقيق هذه الغاية سبلاً مختلفة منها، إكثارهم من الترجمة عن الفارسية في موضوعات تتصل بصميم الذات الفارسية كالأدب والتاريخ والتقاليد والمثل، كما وضعوا الكثير من التصانيف ونسبوها إلى الفرس القدماء ليضفوا عليهم من الأمجاد ما يساعد على إحياء الوعي الفارسي والتقليل من شأن الحضارة العربية الإسلامية. وقد حاولوا أيضاً أن يعيدوا إحياء المراسم الفارسية والتقاليد الإدارية ووجدوا استعداداً وتشجيعاً من لدن الوزراء الفرس في العصر العباسي".

ومما اهتم به الدكتور عبدالواحد ذنون أن اتجاهات الجهد العسكري العربي الإسلامي في جهة المغرب العربي تختلف عما هي عليه في المشرق إبان الفتوحات الإسلامية، فقد استغرق العرب وقتاً طويلاً يزيد على سبعين سنة في إتمام تحرير شمال أفريقيا من السيطرة البيزنطية، وإذا ما تذكرنا أن تحرير العراق وبلاد الشام ومصر قد أنجز في سنوات قليلة جداً، تبين لنا مدى الفرق الشاسع في هذا المضار. ثم يجيب عن تساؤل هل كان ذل

ك التوجه إلى تحرير شمال أفريقيا والمغرب ما يستحق ذلك العناء من قبل المسلمين؟ ويجيب: "والحق لا يمكن تصور خط فاصل بين أسباب توجه العرب نحو تحرير مناطق المشرق وبين تحريرهم لمناطق المغرب، فرسالة العرب واحدة تكمن في نشر مبادئ الإسلام بين الشعوب المجاورة وتحريرها من السلطة الأجنبية. وهي رسالة سماوية مقدسة، ولكن تبقى للمغرب خصوصية معينة حفزت العرب على مد نشاطهم العسكري إليه".

وعن أبرز العوامل التي أدت إلى انتشار الإسلام في المغرب العربي يقول: "من خلال هذه المدة الطويلة تضافرت عوامل أخرى ساعدت على انتشار الإسلام وتبنيه في المغرب العربي، مثل إقامة المدن العربية ولا سيما القيروان التي شكلت القاعدة الأساسية والأولى لتثبيت الإسلام والعمل على انتشاره في بقية أجزاء المغرب، كذلك كان للدعاة من الصحابة والتابعين دور مهم جداً في نشر الإسلام وتعميم تعاليمه بين السكان المحليين".

ويؤكد على أهمية الإنجازات العلمية التي تحققت في المغرب حتى بعد سقوط الدولة العباسية سنة 656هـ/1258، فيقول: "على الرغم من الانتكاسات السياسية التي حلت بالعالم الإسلامي في المشرق والمغرب، مثل سقوط الخلافة العباسية في بغداد سنة 656هـ/1258، والتجزئة السياسية التي ضربت المغرب والأندلس، بعد سقوط دولة الموحدين، والتي تمثلت بظهور عدة دويلات تتزعمها أسر مختلفة، مثل بني مرين في المغرب، نقول على الرغم من كل هذا، فإن ذلك العصر يمثل انعكاساً إيجابياً بالنسبة إلى انتعاش الحركة العلمية والثقافية، ولا سيما في المغرب العربي".

ويرى ذنون طه أن الفتح الإسلامي لإسبانيا لم يأت دون مقدمات: "بل كان وليد الأحداث التي مرت بالدولة العربية في المشرق والمغرب، وهو نتيجة طبيعية لحركة الفتوح التي ابتدأت منذ عهد الراشدين بتحرير العراق وبلاد الشام ومصر وهو ثمرة السياسة الحكيمة التي اتبعها العرب في بادئ الأمر مع سكان شمال أفريقيا الأصليين، وذلك بالتقرب إليهم ونشر الإسلام بينهم وإشاعة المساواة معهم".

ويقول كذلك: "إن ثمة عوامل أساسية قادت إلى إنتشار الإسلام في الأندلس منها اعتماد مبادئ الحكمة والموعظة الحسنة. وكان لسياسة التسامح الديني واحترام ديانة وحقوق السكان المحليين التي سار عليها المسلمون في الأندلس دور كبير في انتشار الإسلام وتثبيته".

ومما يؤكده أن العرب والمسلمين قد لعبوا دوراً ايجابياً وناقلاً للحضارة العربية إلى الأندلس وثمة عدد من العوامل المساعدة للتلاحم الحضاري الذي حصل في تلك الأصقاع يبرزها الدكتور عبد الواحد ذنون بقوله: "من العوامل التي ساعدت على الامتزاج الثقافي والحضاري في الأندلس، الزواج المختلط الذي كان شائعاً بين المسلمين وغيرهم ، كما لعب التجار دوراً ملحوظاً في النقل الحضاري بين الجانبين الأمر الذي ساعد على انتقال المؤثرات الحضارية بينهما" ولا ننسى دور المستعربين وهم في طليعة العناصر التي اسهمت في عملية النقل الحضاري إلى الأندلس وهم نصارى الأندلس الذين عاشوا مع المسلمين وكانوا يسمّون (بعجم الذمة)، وقد تعلموا العربية وكثيراً من التقاليد الإسلامية.

كما يشير الدكتور عبد الواحد ذنون إلى أن هؤلاء احتفظوا بديانتهم لهذا سموا بالمستعربين، وفي مرحلة تالية قام عامل آخر بدفع حركة الامتزاج بين الحضارة الإسلامية واسبانيا النصرانية، ذلك هو وجود عدد كبير من المسلمين الذين بقوا تحت ظل الحكم الإسباني بعد انتهاء السيطرة السياسية للمسلمين في الأندلس.

ويضيف عاملا آخر لامتزاج الحضارة العربية في الأندلس وذلك عن طريق الرحلات العلمية وكثرة اتصال الأندلسيين بالمشرق والتي عادت عليهم بفوائد كثيرة إذ يقول: "بأنها بلورت الحركة العلمية في الأندلس وأدت الى ازدهارها وتقوية العلاقات بين رجال العلم بين العلماء في المشرق العربي والمغرب والاندلس وقد تمثلت العلاقات في كثير من الامور أهمها الرحلات المتبادلة".

ويرى الدكتور طه أن نتيجة التوسع الكبير للدولة العربية الإسلامية واحتوائها على ولايات وأقاليم متباعدة "فقد ظهرت الحاجة في تلك الأماكن الجديدة، إلى كتابة تاريخ خاص بها، ولكن الحركة التاريخية فيها تميزت بمميزاتها الخاصة المتأثرة بالبيئة الجديدة، والأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي سادت فيها، والتي لم تخرج في أول أمرها عن الخط العام لسير الحركة التاريخية التي ابتدأت في صدر الإسلام وانطلقت من المدارس الكبرى كالمدينة المنورة والعراق وغيرها" .

كما يتحدث عن الأوضاع القاسية التي مر بها المسلمون في الأندلس عقب سقوط غرناطة سنة 897 هـ - 1492. إذ تشبثوا بالعقيدة الإسلامية والثقافة العربية. والى شيء من هذا القبيل يشير الدكتور عبدالواحد ذنون إلى أنه: "على الرغم من كل محاولات القهر والاستبداد التي مورست إزاء العرب في اسبانيا، فإنهم ظلوا قوة أدبية واجتماعية يخشى بأسها، ولم يتركوا تراثهم الروحي القديم بل حافظوا عليه ".

يقينا أن الدكتور عبد الواحد ذنون طه، يعد في طليعة الأساتذة المتخصصين بتاريخ المغرب والأندلس خلال العصور الإسلامية، وله إسهامات رائدة في هذا المجال. وهو يعتمد المنهج العلمي الأكاديمي في الرؤية والاستنتاج والتحليل. وهو متأن في آرائه ولا يترك الحدث يمر دون التوقف عنده قليلاً، كما لايدع نفسه تنساق وراء الروايات في مصادرها الأولية، بل يحلل ويقارن وليستنبط من أجل تقويم الحدث التاريخي ووضعه في إطاره الزماني والمكاني، وفق أسلوب سلس خالٍ من التعقيدات، فعباراته منسابة واضحة مقرونة بالتسلسل والتحقيب الزمني التاريخي، واللافت أنه يمتلك تلك الأرضية التاريخية الواسعة لمجمل الأحداث التاريخية في المشرق والمغرب، مما سهل عليه - كمؤرخ - ربط الأحداث بعضها مع البعض الآخر.