حكومة ميقاتي ذات لون واحد... أسود قاتم

بقلم: حسان القطب

خمسة أشهر والرئيس نجيب ميقاتي يتصل ويتواصل علانيةً مع القيادات السياسية اللبنانية، وبعضها من أركان ممارسات 7 أيار/مايو 2008، وفي الخفاء مع القيادة السورية التي تمارس أبشع ممارسات التعذيب والقهر والقتل بحق الشعب السوري الصامد الصابر، لتشكيل حكومة يقول أربابها والقائمون عليها من قوى الثامن من آذار/مارس، أنها تهدف لإنقاذ لبنان من الجهل والفوضى والسرقات والبناء غير الشرعي والفساد المالي والميليشيوي.

لكن أخر ما تمت ممارسته من أنصار هذا الفريق كان البناء الشرعي على أملاك خاصة وعامة وبرعاية ميليشيوي من هذا الفريق، وإطلاق نار في مناسبات عديدة إضافةً إلى الاشتباكات المتنقلة بين أبناء الفريق الميليشيوي الواحد وكان أخرها بالأمس حين ذكرت "الوكالة الوطنية للإعلام" أن خلافاً حزبياً لأسباب مجهولة تطوّر عند الساعة الثالثة من فجر اليوم الأحد إلى إطلاق نار من أسلحة رشّاشة تبعه انتشار مسلّح على الأرض من قبل طرَفَي الخلاف. وأشارت الوكالة إلى أن القوى الأمنية حضرت بعد انسحاب المسلّحين وانتشرت في المحلة، دون أن تعرف بعد أسباب الإشكال ونتائجه.. أما محطة أم تي في فحددت من جهتها، إن خلافاً وقع في الشياح بين أشخاص من حركة أمل وآخرين من حزب الله أدى إلى تبادل لإطلاق النار، وسجل وجود مسلح للطرفين على الأرض.

فريقان مسلحان يشتبكان بكافة أنواع الأسلحة في شوارع وأزقة الضاحية الجنوبية، وهما من الفريق الأساسي الذي أسقط حكومة الحريري، ويدعم ميقاتي لتشكيل حكومة لإنقاذ الوطن من الزمر الفاسدة والميليشيات. وهذا الخبر برسم كل مواطن لبناني وعربي وبرسم الرئيس ميقاتي نفسه وعلى وجه الخصوص الذي وبعد إعلان الحكومة أطلّ معلنًا "الاحترام والشكر للرئيس نبيه بري الذي لولا وطنيته وتضحياته لما أبصرت هذه الحكومة النور"، ومستبعدًا بالتالي "التحفظ على هذه التشكيلة"، وإذ أوضح أنه "خلال الساعات الأخيرة" أخذ قراره "بالإقدام على تشكيل الحكومة لأن الأمور ساءت إلى درجة بات صعبًا تشكيلها بعد اليوم"، ووعد ميقاتي بأن تكون حكومته "حكومة كل لبنان" وأن لا تسلمّ "بمنطق المنتصر والمهزوم" ولا تنتهج "الكيدية السياسية"، داعيًا إلى عدم الحكم عليها بناءً "على النوايا والأشخاص بل على الأداء والأعمال".

ولكن بعد أقل من ساعة على إعلان حكومته أعلنت محطة.. أل بي سي أن أنصار أرسلان يقطعون طريق الساحل على أوتوستراد خلدة وعن إطلاق نار كثيف في الهواء. كما قال الوزير طلال أرسلان "أعلن استقالتي من الحكومة التي يرأسها المدعو نجيب ميقاتي ولا يشرفني أن أجلس على يمينه في حكومة يرأسها. لدي الاحترام للوزراء، ولكن نجيب ميقاتي تكاذب طيلة فترة خمسة أشهر، وأحرج المقاومة مع كل الحلفاء، وهو كان يقول لكل اللبنانيين شرط أن تأتيني إشارة من المقاومة.. أنا فاقد الأمل واعتبر أنّ ميقاتي غير قادر أن يشكل مشروعًا سياسيًا جديًا في لبنان".

حتى أن الوزير السابق أيلي الفرزلي قال أن "هذه الحكومة تحمل في طياتها بذور تدمير نفسها بنفسها، وبالتالي لن يكتب لها النجاح بأي شكل من الأشكال نتيجة السياسة التي اعتمدها الرئيس نجيب ميقاتي، ومن خلال المعايير التي انتهجت في التكليف".

ويمكن القول أنه بعد الاتصال الذي أجراه بشار الأسد المنشغل بملفه الأمني في الداخل السوري بنبيه بري لتهنئته بتشكيل الحكومة وهذه التهنئة لا شك تتناغم مع تصريح ميقاتي الذي أعلنه من على باب القصر الجمهوري، يصبح من الواضح أن هذه الحكومة قد تم تشكيلها برغبة سورية وبمتابعة وموافقة من فريقها اللبناني أي حزب الله وحركة أمل. ولم تحمل هذه الحكومة من لمسات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء سوى التوقيع. وبالتالي يصبح تساؤل المواطن اللبناني عن بعض النقاط والقضايا وعن دور رئيس الجمهورية وسياسات رئيس الوزراء المقبلة مشروعه:

- تركيبة الوزارة العتيدة وطبيعة الأسماء الواردة لا تبرر التأخير في تشكيلها لمدة تزيد عن خمسة أشهر، مما تسبب في تعطيل شؤون اللبنانيين وإرباك الاقتصاد والوضع الاجتماعي وتقهقر الوضع السياحي وتراجع النمو. فمن يتحمل مسؤولية هذا التأخير والضرر البالغ الذي لحق بمصالح اللبنانيين؟

- طبيعة الوزارة الجديدة والأسماء الواردة فيها لا تبرر على الإطلاق فرض الاستقالة على الحكومة السابقة والإساءة لرئيسها ووزرائها، واستبدالها بحكومة، يتم إهانة رئيسها قبل انطلاقتها. وما ورد على لسان أرسلان والفرزلي مسيء جداً بحق ميقاتي.

- كيف يمكن أن تكون حكومة ميقاتي حكومة كل لبنان كما سبق وأعلن، وهي تلقى الاتهامات من حلفائه وهي تمثل فريق سياسي واحد ومرتبط بنظام سوريا الذي يتلقى الإدانات من العالم أجمع على ممارساته القمعية؟

- أين التمثيل المتوازن والمتكافئ، في حكومة الرئيس الميقاتي والذي سبق وأعلن دولته كما أعلن فخامة الرئيس أنه لن يوقع مرسومها إن لم تكن كذلك وتمثل وتضمن التوازن الطائفي والمذهبي في لبنان؟

- الكيدية السياسية بارزة في معظم الأسماء والوصاف لمعظم وزراء الفريق الآخر من ميشال عون إلى نبيه بري إلى نصرالله، فكيف سيحمي الميقاتي الوطن واللبنانيين من الكيدية السياسية التي نعيش تفاصيلها وعناوينها وإعلامها وتهديداتها كل يوم؟ حتى أن حلفاءه شعروا بالكيدية قبل أن تمارس الحكومة دورها وتعلن عن سياساتها؟

- هل حضرة رئيس الحكومة مقتنع بأداء شربل، نحاس وجبران باسيل، ووزراء خارجية نبيه بري الفاشلين في الحكومة السابقة وكذلك التي سبقت حتى يطلب منا الحكم على حكومته من خلال أدائها وأعمالها؟ وهل تتضمن الوزارة التي تم تشكيلها برغبة سورية أسماء فاقت توقعات اللبنانيين حتى يستبشر المواطن اللبناني خيراً؟

- ألا يدرك ميقاتي أن منطق المنتصر والمهزوم قد وقع فيه حضرته لحظة تشكيل الحكومة العتيدة والكلام القاسي الذي تم توجيهه بحقه، وإطلاق النار سواء كان ابتهاجاً أو رفضاً لحكومته أو كذاك الذي أطلق نتيجة اشتباك وقع بين من حلفائه (أمل وحزب الله) ممن يتحدثون عن الدولة القوية، واحترام هيبة القوى الأمنية؟

- كيف سيعالج الرئيس ميقاتي مشكلة البناء غير الشرعي الذي أشرف عليه ورعاه نبيه بري؟

- كيف سيوفق الرئيس ميقاتي بين ارتباطه بالنهج السوري وتغاضيه عن كلام عون ومواقفه وممارسات حزب الله وحركة أمل الميليشيوية وبين ثوابت دار الفتوى وبيان اللقاء الروحي في بكركي؟

أسئلة كثيرة يطرحها المواطن اللبناني الذي بدا يشعر أن لغة السلاح المنتشر بين أيدي فئة من اللبنانيين، والقوة الفائضة لمجموعة مرتبطة بمشاريع خارجية وخطط إقليمية، ترسم خريطة طريق الحكم والحكومة وتعرض الوطن لمخاطر جمة تهدد السلم الأهلي والعيش المشترك ولا تقيم وزناً للقوانين والمؤسسات، وهي تريد أن تتحكم بمصير البلد ومسار الوطن ومستقبل المؤسسات الدستورية والأمنية في لبنان..وبذا تكون حكومة الرئيس ميقاتي وحليفه بري وحزب الله ذات لونٍ واحد وهو بالتأكيد قاتم السواد وتقودنا نحن اللبنانيين نحن مستقبل مظلم..

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

hasktb@hotmail.com