كيف تمّ إحراج البوليساريو في أروقة الأمم المتحدة في جنيف؟

بقلم: رويدا مروه

لم تكن الدورة الـ17 لمجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة، والمنعقدة بين 30 مايو و17 يونيو 2011، كغيرها من الدورات التي عرفها مقرّ الامم المتحدة في جنيف في ما يخصّ المداخلات الرئيسية أمام ممثلي الحكومات والمنظمات غير الحكومية في المجلس والمؤتمرات الجانبية على هامش المجلس التي تمحورت حول قضية النزاع على الصحراء المغربية. فرغم أن العديد من نشطاء حقوق الانسان من المغرب وجبهة البوليساريو ودول عربية وأجنبية أخرى يثيرون في كل دورة من دورات المجلس في مداخلاتهم عادة العديد من النقاشات "الحارّة" حول أوضاع حقوق الانسان في مخيمات تندوف، جنوب غرب الجزائر، حيث تحتجز قيادة البوليساريو الصحراويين منذ العام 1975، وحول شكل حق تقرير المصير للصحراويين ومقترح الحكم الذاتي كحلّ نهائي للصحراء وغياب إحصاء رسمي لساكنة المخيمات في تندوف وفضائح سرقة المساعدات الانسانية من قبل قيادة البوليساريو داخل المخيمات اضافة الى تجاهل الجبهة والجزائر للقرار 1979 الصادر عن الأمم المتحدة والذي يتضمن دعوة وجهها مجلس الأمن إلى الجزائر من أجل السماح للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بإحصاء سكان مخيمات تندوف، وذلك طبقا للالتزامات الدولية لهذا البلد باعتباره طرفا في اتفاقية 1951 حول اللاجئين، رغم كل هذا الّا أنّ هذه الدورة حملت مفاجآت "غير سارّة" بل "ضربات شبه قاضية" لوفد البوليساريو الى جنيف.

رغم كل هذه المواضيع التي عهدنا سماعها في دورات مجلس حقوق الانسان في جنيف خلال كل دورة من دوارت المجلس، فانّ الدورة الـ 17كانت مختلفة اذ ترافقت مع ثلاثة أحداث هامة حرّكت اهتمام الرأي العام حول مسار القضية في هذه المرحلة تحديدا. أوّلها كان ترافق الايام الأولى من الدورة مع ختام الجولة السابعة، وسط محاولات إفشال من قبل البوليساريو، للمباحثات غير الرسمية حول الصحراء في مانهاست (ضواحي نيويورك). وثانيها كان اعلان رئيس شرطة البوليساريو السابق مصطفى سلمى ولد سيدي مولود استمراره في الاعتصام المفتوح الذي دخله الأسبوع الماضي أمام مقرّ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالعاصمة الموريتانية (نواكشوط) احتجاجا على وضعه المأساوي منذ عدة أشهر. وثالثها، ولعّله الجانب الذي لم يخرج كثيرا الى الاعلام العربي والدولي، وهو الاحراج الذي تسبّب به وجود شهادات حيّة لمنظمات غير حكومية أميركية كانت قد زارت مخيمات تندوف من قبل ورصدت فيها عدّة حالات لانتهاكات حقوق الانسان وأتت الى جنيف، في هذه الدورة، لتفضح هذه الانتهاكات وتواجه ممثلي وفد البوليساريو الى جنيف بها. هذا بالاضافة الى مداخلات "جريئة" قدمها نشطاء مغاربة وقياديون سابقون في البوليساريو. ولعّلني هنا اسمح لنفسي بالتكلم بصفة شخصية كوني شاركت في بعض جلسات العمل التي تمّ تنظيمها في جنيف واعتبرها مسؤولية "انسانية" في أن أنقل حقيقة ما حصل لكل مهتم بالقضية.

ولأنّ الحدث الاول والحدث الثاني تناولتهم الصحف المغربية والعربية والدولية باسهاب فالهمّ هو التركيز على الحدث الثالث لأنّه كان له النصيب الأقل من الاثارة خارج أروقة الأمم المتحدة في جنيف ولأنه يكتسب صفة الاهمية كونه حصل في أعلى هيئة في العالم تناقش قضايا حقوق الانسان. فمنْ أحرج وفد البوليساريو في جنيف في الدورة الـ17، وبأية وسائل؟ وكيف انعكس ذلك على التعريف بقضية النزاع على الصحراء أمام ممثلي الحكومات وهيئات المجتمع المدني خلال فترة انعقاد الدورة؟ وهل لما حصل من دروس يمكن الاخذ بها في الدورات القادمة لما فيه خدمة مسار حلّ النزاع؟

بدأت "الضربات" التكتيكية في كشف أكاذيب البوليساريو ومحاولات تضليل المشاركين في جنيف حول قضية الصحراء يوم 7 يونيو 2011 في جلسة نظمتها منظمة غير حكومية في جنيف حول "حق تقرير المصير للشعوب"، واستضافت خلالها خبراء أجانب وفلسطينيين اضافة الى كلمة لرئيس وفد البوليساريو الذي حاول بدوره حصر مبدأ الحق في تقرير المصير بالاستقلال معتبرا ان للصحراويين في مخيمات تندوف حق تقرير مصيرهم وتأسيس ما يسمى "بالجمهورية الصحراوية الديمقراطية" عبر اجراء استفتاء بين الصحراويين. وقد دعا المنظمون لهذه الندوة ناشطة فلسطينية لترّكز على النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي في محاولة منها لتشبيه ما يحصل في قضية الصحراء بالحصار الاسرائيلي على الفلسطينيين (أمر في غاية التضليل). لكن ادّعاءات المتحدثين أثارت لديّ شكوك (وكنت أجلس اراقب الندوة) حول نوايا هذه الندوة من تحريف مسار القضية بأكمله لما يخدم أهداف "هجينة" عن القضية. ولم يكنّ أمامي سوى طرح السؤال على المتحدثين حول استحالة حصر حق تقرير المصير بالاستقلال فقط! في وقت لم تتفق فيه الابحاث والدراسات والنصوص الاكاديمية على صيغة تعريف نهائية حول اشكال "تقرير المصير" في الوقت الذي أصبح معروفا فيه ان "الحكم الذاتي" بات مقبولا ومعترفا به كشكل "متميّز" من اشكال حق تقرير المصير والذي تجاهله تماما المتحدثون في الندوة. سؤالي هذا تلاه سؤال آخر من اكاديمي آسيوي كان ايضا حاضرا في الندوة استغرب فيه تشبيه قضية النزاع على الصحراء بقضية النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي.

بهذه الأسئلة دخل الوفد والمتحدثون في تلك الندوة في "ورطة أكاديمية" فحاولوا التهرّب من السؤال لكن الحاضرين في الندوة خرجوا منها معتبرين ان تسييس قضية الصحراء لما يخدم أهداف لا تمت لحقيقة مفهوم تقرير المصير طغى على الجلسة.

الضربة الثانية جاءت يوم 8 يونيو 2011 حينّ حمّل ممثلو العديد من المنظمات غير الحكومية في مؤتمر تمّ تنظيمه في قصر الأمم المتحدة على هامش الدورة من قبل الوكالة الدولية للتنمية واتحاد العمل النسائي حول موضوع "حقوق اللاجئين: مسؤوليات دول الاستقبال"، بحضور ناشطين عرب وأجانب وافارقة ومغاربة وقياديين سابقين لدى البوليساريو، فضحوا حرمان السكان في تندوف من حرية الحركة والتنقل داخل وخارج المخيمات وخضوعهم لمراقبة شديدة من قبل البوليساريو وكذا حرمانهم من حق العودة الى بلدهم الأم المغرب. وأكدوا أن هؤلاء السكان يقعون فريسة للأمراض ولمشاكل سوء التغذية لافتين الانتباه إلى تدهور الوضعية الصحية في المخيمات وتفاقمها مع توالي السنين على الرغم من المساعدات الهامة التي تقوم مختلف المنظمات الانسانية بجمعها لفائدة السكان. وشددوا على أنه يتعين على الجزائر بموجب التوصيات الدولية أن تحترم التزاماتها تجاه هؤلاء السكان وفقا لما هو منصوص عليه في اتفاقية 1951 حول اللاجئين والبروتوكول الملحق بها 1967.

وقد كنت أحدى المتحدثات في هذه الندوة، ومجددا تسّببت تلك الندوة باحراج جديد للبوليساريو التي بادر احد اعضاء وفدها الى جنيف، والذي حضر الندوة، الى توجيه سؤاله اليّ مباشرة ردّا على ما كنت قد ذكرته في سياقة الندوة حول تاثير ثورات "الربيع العربي" الحاصلة منذ بداية العام الحالي على وضع ساكنة المخيمات حيث كنت قد ذكرت في مداخلتي في تلك الندوة بان مجموعة كبيرة من الشباب الصحراويين داخل تندوف قد تأثروا بما حصل في الدول العربية المجاورة واعلنوا عن ثورة داخل المخيمات ضد قيادة البوليساريو الحالية احتجاجا على ما آل اليه وضعهم المعيشي بسبب فساد قيادييي الجبهة وسيطرتهم على "انفاس" ساكنة المخيمات. واضفت ان الاعلام العربي والدولي لم يسمع بثورة "شباب تندوف" بسبب منع الجبهة الاعلام ونشطاء حقوق الانسان من الدخول الى المخيمات لتوثيق واقع الحال هناك، فما كان من ذلك الناشط "الانفصالي" سوى ان طالبني بالكشف عن اسماء هؤلاء الشباب. لكن اجابتي كانت حاسمة واقفلت عليه طريق "تضليل الحقيقة" حين واجهته بأنّ اقفال حدود المخيمات وابوابه من قبل "من يدافع عنهم" أي (قيادة البوليساريو) بوجه كل وسيلة اعلامية او ناشط هو ما يجعل اعطاء الاسماء امرا مستحيلا خوفا على حياة هؤلاء أولا، وثانيا لأن اقفال المخيمات اصبح يؤكد وجود أسرار وانتهاكات وأخطاء فاضحة يخشى قياديو البوليساريو من الكشف عنها في حال دخلت أي جهة مستقلة الى المخيمات.

وبعد أقل من 48 ساعة وبتاريخ 10 يونيو 2011، جاءت "الضربة الثالثة" لوفد البوليساريو في جنيف، حين أثرت باسم "الشبكة الدولية لدعم مقترح الحكم الذاتي في الصحراء" وفي مداخلة حيّة أمام الدورة الـ 17 لمجلس حقوق الإنسان حالة مصطفى سلمة ولد سيدي مولود، داعية باسم الشبكة المجلس إلى العمل على تسوية وضعية هذا المناضل الصحراوي الذي أبعدته البوليساريو عن عائلته بسبب تعبيره عن انخراطه في مشروع الحكم الذاتي في الصحراء، مشيرة الى أنّه يعتصم حاليا أمام مكتب الوكالة الأممية بنواكشوط للدفاع عن حقه في العودة إلى المخيمات للالتحاق بأفراد عائلته. وتمت مطالبة مجلس حقوق الانسان باسم أعضاء الشبكة باتخاذ الإجراءات الضرورية لوضع حد للمأزق الذي يوجد فيه السيد ولد سيدي مولود كون حرية التعبير، التي دفع مصطفى سلمى غاليا ثمنها، حق يضمنه الإعلان وبرنامج العمل لفيينا وخاصة الفصل67.

وفي اليوم ذاته، جاءت الضربة الرابعة للوفد حين فضحت منظمة غير حكومية أميركية تدعى "تيتش ذا تشيلدرن انترناشنال" إقدام البوليساريو على التلاعب في المساعدات الإنسانية الموجهة لساكنة مخيمات تندوف حيث قدّمت كل من السيدتين نانسي هوف ودونا إيليزابيت سامز عن هذه المنظمة الأميركية، خلال مؤتمر حول حرية الرأي والتعبير في أماكن النزاعات نظم على هامش جلسات الدورة الـ17، شهادات بليغة على تحويل البوليساريو لهذه المساعدات التي أشرفتا على جمعها وتوجيهها من الولايات المتحدة نحو المخيمات بيد أنها لم تصل أبدا الى وجهتها.

وتوقفت المتدخلتان عند حالة ملموسة لتحويل حمولات العديد من الحاويات التي احتوت على مواد غذائية وأدوية وكراسي متحركة تم إرسالها إلى مخيمات تندوف انطلاقا من الولايات المتحدة، ولم تجدا أي أثر لها بمجرد انتقالهما لعين المكان للتحقق من وصولها. وقالت السيدة دونا سامس "أردنا التقاط صور لهذه المساعدات لتقديمها للمانحين قصد البرهنة على أن مساعداتهم وصلت إلى وجهتها، ولكن ما فاجأنا هو أن الساكنة لم تستفد سوى من جزء ضئيل، وفي بعض الأحيان لم تستفد من شيء على الإطلاق". وأشارتا إلى أن "البوليساريو منعتهما من توزيع هذه المساعدات مباشرة على الساكنة، وهو ما تجلى في عدم تمكنهما من تسليم هدايا للأطفال الصحراويين في المدارس"، مضيفتين أن قادة البوليساريو يخشون "أن تعملا على عدِّ المستفيدين في أفق إحصاء محتمل". إحراج جديد ورّط وفد البوليساريو الى جنيف، فما كان من أحدهم سوى أن حاول التستّر على ما فضحته المنظمة الأميركية وطرح على السيدتين الاميركيتين سؤالا لا علاقة له بالنقاش محاولا "تحريف" الوقائع ومحاولا توجيه الأنظار نحو عدم وجود قرار أممي يجزم "مغربية الصحراء". وبذلك أكدّ "الناشط" أنّه ووفده أصبحا في مأزق كبير ولم يعد هناك من حجج يضللون بها الرأي العام.

انتهت قصة "الإحراج" التي صدمت وفد البوليساريو الى جنيف، وبدأت قصة "ماذا بعد؟". ماذا بعد هذا الإحراج؟ ماذا يمكن فعله كنشطاء حقوقيين مغاربة وعرب وأجانب لنصرة ساكنة المخيمات وإخراجهم من حصار دام 36 سنة حتى الآن؟

الإجابة أبسط من النقاش الذي سبق وهي حتما في استمرار كشف حقيقة انتهاكات حقوق الصحراويين داخل المخيمات. هذه الاستراتيجية اصبحت في زمن الثورات العربية "الورقة" الأكثر ربحا على صعيد "الدبلوماسية الشعبية" للعمل على كشف أكاذيب البوليساريو الى جانب العمل الدبلوماسي الذي يسير نحو الدفع والتعريف بمقترح الحكم الذاتي كحل نهائي لقضية الصحراء.

رويدا مروه

باحثة في العلاقات الدولية - جنيف

info@itcrcenter.org