سالم الالوسي الوثائقي الأول بالعراق

بقلم : د. إبراهيم خليل العلاف
محب للخير لا يغضب بسرعة

من رموز الثقافة العراقية المعاصرة، له نشاطات ومجهودات على أكثر من صعيد فهو المكتبي، والمفهرست، والموثق، والمؤرخ، والإعلامي، والكاتب. وهو قبل هذا وذاك إنسان مثابر أحب وطنه، وعمل من أجله، ولم ينتظر أن يقدم له أحد الشكر، وإنما كان يطلب الأجر، وينشر العلم ليكلله الله بأكاليل الغار. ومع هذا فقد كرم أكثر من مرة منها تكريمه من قبل دار الكتب والوثائق.

من مواليد الكرخ ببغداد سنة 1925، وهو يحمل شهادة ليسانس في الإدارة والاقتصاد منذ سنة 1952، وقد عمل في وظائف كثيرة، لكن أبرزها عمله أمينا عاما للمركز الوطني للوثائق في وزارة الثقافة والإعلام. وقد زرته عند إعدادي لرسالتي للماجستير أوائل السبعينيات من القرن الماضي، وأعجبت بخبرته الوثائقية، وحبه للوثائق وحرصه على مد يد العون للباحثين وطلبة الدراسات العليا ومنذ ذلك الوقت توثقت علاقتي به ونشأت بيننا صداقة قوية لا تزال – والحمد لله - قائمة حتى كتابة هذه السطور.

شغل الالوسي، كذلك منصب الأمين العام للفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للوثائق، وقبل هذا تقلب في مناصب ذات طابع ثقافي منها أنه كان معاونا لمدير الآثار العام، ومعاون مدير عام للإذاعة والتلفزيون، ومدير الإذاعة وكالة، ومدير التأليف والترجمة والنشر بوزارة الثقافة والإعلام، ومدير السياحة العام، وعميد معهد الوثائقيين العرب وكالة.

تحدث للأستاذ علي ناصر الكناني عن بدايات حياته الأولى قائلا: "إنه دخل الكتاب وختم القران الكريم ثم دخل المدرسة الإبتدائية وتأثر بمعلميه ومدرسيه حمدي قدوري الناصري وعزت الخوجة وصالح الكرخي وبعد إكمال الدراسة المتوسطة والإعدادية كان يطمح لأن يصير طبيبا، لكنه قرأ إعلانا في جريدة البلاد عن وجود حاجة لدليل آثار في دائرة الآثار فتقدم وفاز بالوظيفة وأمضى في الآثار أكثر من 20 عاما جايل وعمل فيها مع نخبة من الآثاريين والأدباء الكبار أمثال: ساطع الحصري ود. مصطفى جواد، والأخوين كوركيس عواد وميخائيل عواد، ود. ناجي الأصيل وفؤاد سفر وطه باقر وفرج بصمجي وناصر النقشبندي وصادق كمونة ويعقوب سركيس والشيخ جلال الحنفي وأحمد حامد الصراف وعباس العزاوي، وقد تيسرت له الفرصة السنة 1948-1949 لإكمال دراسته في كلية الإدارة والاقتصاد وتخرج فيها سنة 1952 .

وانتقل بعد تخرجه للعمل في الإذاعة كمشرف عام على البرامج الأدبية والثقافية. وفي سنة 1964 تأسست مديرية الثقافة وكان يديرها خالد الشواف فانتقل للعمل فيها ومن خلال هذه الدائرة أسهم مع عدد من زملائه أمثال خالص عزمي في تنظيم سلسلة من المهرجانات الأدبية ومنها مهرجان المربد الأول. وعندما تأسس المركز الوطني للوثائق وكان تابعا لجامعة بغداد أصبح أمينا عاما له. وتعود فكرة تأسيس هذا المركز الذي يسمى اليوم "دار الكتب والوثائق" إلى الدكتور عبدالعزيز الدوري والدكتور صالح احمد العلي والدكتور ياسين عبد الكريم والدكتور عبدالمنعم رشاد والدكتور عبدالأمير محمد أمين والدكتور إبراهيم شوكت، وكان لهؤلاء دور كبير معه لإصدار قانون جديد يلزم الدوائر بعدم إتلاف الوثائق والسجلات وتسليمها إلى المركز الوطني للوثائق.

وقد احترز هذا المركز على وثائق البلاط الملكي ووزارات الدولة وقد تطور العمل في حقل الوثائق في العراق بجهوده الحثيثة وتأسس فرع في العراق للمجلس الدولي للوثائق وباشر الفرع بإصدار مجلة باسم "الوثائق" وكانت تصدر بأربع لغات ويواصل الالوسي حديثه ليقول بأنه يعتز ويفخر بكونه قد وضع أسس الدراسة الوثائقية العراقية المعاصرة، ويقول: "واكتسبت خبرة كبيرة من خلال إضافة إلى الخبرة الدولية التي اكتسبتها من خلال حضوري ومشاركتي في مؤتمرات لندن وباريس للوثائق سنة 1980 وانتخابي عضوا في لجنة الوثائق غير المنشورة التي تعود إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر ومقرها لندن. وعندما ترك الالوسي عمله في المركز الوطني للوثائق كان عدد فروع المجلس الدولي للوثائق قد وصل إلى 21 فرعا في 21 دولة عربية".

كان له دور كبير في إصدار المجلة التراثية العراقية المعروفة: "المورد" سنة 1972. كما سبق له أن عمل سكرتيرا لتحرير المجلة الاثارية العراقية "سومر" 1958-1963. وكان كذلك سكرتيرا لمجلة "العراق" الفولكلورية العراق 1966-1968.

له مؤلفات عديدة منها: "ناجي الأصيل .. سيرة شخصية 1964، و"ذكرى مصطفى جواد 1970" "الراهب العلامة .. ذكرى الأب انستاس الكرملي" 1970 وموجز دليل آثار الكوفة 1965 ودليل آثار سامراء 1965 و"أنقذوا آثار النوبة" 1966، ومراجعة كتاب "مختصر التاريخ لابن الكازروني" الذي حققه الدكتور مصطفى جواد 1971. كما أن له عشرات الدراسات والبحوث المنشورة في مجلات عراقية وعربية وأجنبية.

انصرف لسنوات طويلة للاهتمام بالوثائق، والتوثيق، ونشر الوعي الوثائقي، وقاد حملة وطنية في هذا الاتجاه وسانده مجموعة من الشباب المحب للوثائق في العراق والذين قدر لبعضهم أن يتبوؤا مراكز مهمة في عالم الوثائق العراقي والعربي.

كما شارك في ندوات ومؤتمرات كثيرة داخل العراق وخارجه من أبرزها مؤتمرات الوزراء العرب المسؤولين عن الثقافة ومؤتمرات الآثار وندوات عن مستقبل الثقافة العربية والحلقات النقاشية حول صيانة الوثائق والمخطوطات.

حاضر في مادتي "الفنون الإسلامية" و"تاريخ الخط العربي"، في معهد الفنون الجميلة 1960-1967. كما كان له دور كبير في إنشاء معهد الوثائقيين العرب في بغداد، وقد ولع بالإذاعة والتلفزيون حتى أنه أسهم في إعداد وتقديم برامج مهمة منها برنامج "الندوة الثقافية" وهو برنامج أسبوعي كان يقدم من تلفزيون العراق للمدة من 1960 و1972 ويستضيف فيه أدباء وشعراء ولغويين وأساتذة جامعيين مهتمين بالشأن الثقافي والتاريخي والوثائقي. هذا فضلا عن أحاديث إذاعية كان يلقيها من إذاعة بغداد وإذاعة صوت الجماهير ببغداد. وقد دارت معظم تلك الأحاديث حول قضايا ثقافية مهمة.

يتمتع سالم الالوسي بصفات عظيمة فهو محب للخير لا يغضب بسرعة، ومجامل، وصبور، ودؤوب.

وكتب عنه صديقه عبدالحميد الرشودي فقال إنه مؤمن بالوطن، والوحدة الوطنية وقد وضع نفسه على مسافة واحدة من كل الأطراف والقوى المختلفة، لذلك لم تطاله ألاعيب السياسة وأعاصيرها. إنه يحترم العلم، ويجل العلماء، ويحرص على مجالستهم ومحاورتهم للوصول إلى الحقيقة. كما أنه محدث جيد يجذب السامعين إليه ويأسر لبابهم بسرعة عجيبة لذلك فإنه يحظى باحترام الجميع وتقديرهم وإعجابهم به وبجهوده.