سوريا.. حتى لا يتحوَّل 'الربيع' إلى 'خريف'!

بقلم: جواد البشيتي

"الربيع العربي" في سوريا، أو "حراكها الشعبي"، يختلف في بعضٍ من أوجهه وملامحه ومعالمه؛ فشباب الثورة السورية لم يتمكَّنوا، حتى الآن، من الاحتشاد والتجمهر والاعتصام في ميدان (أو ساحة) كميدان التحرير في العاصمة المصرية، ليُصْبِحوا، في نموِّ حراكهم، ككرة ثلج متدحرجة، وَليَغْدو تفريقهم وتشتيتهم بالقوَّة، بأوجهها المختلفة، ومع ما يملكه الثوَّار من وسائل وقوى إعلامية جديدة، من الصعوبة بمكان.

لقد حال نظام الحكم (حتى الآن) بينهم وبين التسلُّح بهذا "الاحتشاد الشعبي" الذي ثَبُتت وتأكَّدت أهميته الثورية، فاضطُّروا إلى لَعِب لعبة الحشود الصغيرة، الكثيرة، المتنقِّلة من مكان إلى مكان، والتي لا تَدُوم ولا تستمر إلاَّ ساعات عدة، فيَصْعُب، من ثمَّ، على القوى الأمنية والعسكرية ضربها والتعرُّض لها؛ وإلى هذه الحشود اليومية (تقريباً) يُضاف، بعد صلاة الجمعة، حشود تَخْرُج من بعض المساجد.

نظام الحكم شرع يَلْعَب لعبة مضادة؛ فلقد زجَّ بالطائرات المروحية (هليوكبتر) في المعركة.

الصراع شرع، في بعض الأماكن، يُنْتِج قوى تُصارِع بالسلاح القوى الأمنية والعسكرية لنظام الحكم، فإنَّ بعضاً من المنتسبين إلى الجيش والأجهزة الأمنية ينشق، وينضم إلى الشعب؛ وهذا حَمَلَ نظام الحكم على إرسال قوى عسكرية وأمنية إلى بعض المدن، أو الأماكن المأهولة، لاقتحامها، بعد محاصرتها، وقَرْع طبول الحرب، أي بعد أنْ يتمكَّن من إخلائها من قسم كبير من سكَّانها من طريق حَمْلِهم على النزوح إلى أماكن أخرى، بعضها في بلاد مجاورة كتركيا. وفي هذه الطريقة، تندلع حروب صغيرة في داخل المدن للقضاء على "المنشقِّين" الذين يُصوِّر نظام الحكم القتلى منهم (أي الذين قَتَلَهم) على أنَّهم ضحايا "الطرف الثالث" الذي يُقتِّل الطرفين (الدولة والشعب) معاً!

ومع استمرار واحتدام الصراع بين الشعب ونظام الحكم قد يتعرَّض الجيش السوري إلى انشقاق مختلف؛ فقرار الحكومة التركية السماح بنزوح (وباستمرار نزوح) مدنيين سوريين إلى جنوب تركيا قد يُشجِّع (مستقبلاً) جنوداً سوريين (مع أسلحتهم أو من دونها) وعائلاتهم على الفرار والنزوح إلى الأراضي التركية، فلا يبقى من القوى العسكرية والأمنية إلاَّ ما يشبه "الكتائب الأمنية" الليبية لجهة ولائها وإخلاصها لنظام الحكم السوري الذي يتلوَّن أكثر فأكثر، عندئذٍ، بلونٍ فئوي.

وتركيا القلقة من عواقب "فراغ أمني" في المناطق الكردية من سوريا قد تضطَّر إلى تشديد قبضتها الأمنية والعسكرية على حدودها مع تلك المناطق (وقد يقترن هذا بلعبها لعبة مشابهة للعبتها الأمنية والعسكرية في شمال العراق الكردي).

وأحسب أنَّ الوجود العسكري السوري في الجولان لن يظلَّ زمناً طويلاً بمنأى عما يتعرَّض له الأمن القومي لسوريا في الداخل، وفي الشمال؛ ومع تحوُّل هذا الأمن القومي إلى "أمن فئوي" لا يبقى من أهمية تُذْكَر للوجود العسكري السوري في مواجهة العدو الإسرائيلي.

وإذا أصبحت تركيا مضطَّرة إلى أنْ تبتني لنفسها جداراً أمنياً منيعاً في مواجهة الخطر الكردي في مصادره الثلاثة (العراقي والسوري والتركي) فإنَّ الحاجة ستشتد، عندئذٍ، أو في الوقت نفسه، إلى أنْ يأتي التغيير الجيو ـ إستراتيجي بما يقي "حزب الله (الشيعي اللبناني)" شرَّ حصاره بإغلاق "معبر رفح" السوري؛ فالجغرافيا إنْ تغيَّرت فيجب أنْ تتغيَّر بما يسمح ببقاء "اتِّصال جغرافي" بين هذا "الحزب" و"الدولة" في سوريا والتي تحوَّلت من سورية إلى فئوية؛ وهذا الاتِّصال يجب أنْ يمتدَّ إلى إيران عبر العراق، أو عبر مناطق عراقية.

إنَّ قَوْساً جيو ـ إستراتيجياً جديداً قد يتمخَّض عنه هذا الصراع المستمر والمحتدم في سوريا بين الشعب ونظام الحكم؛ وهذا القوس يشمل إيران، والعراق الذي اتِّسع فيه وتعزَّز النفوذ الإيراني، و"الدولة الفئوية" في سوريا، و"حزب الله" في لبنان.

وهذا القَوْس سيجعل تركيا، التي تُعِدُّ نفسها لمواجهة التحدِّي الإستراتيجي الكردي، في مواجهة تحدٍّ إستراتيجي آخر.

إنَّ ثورة الشعب السوري مدعوَّة إلى أنْ تصارع من أجل الحرِّية والديمقراطية؛ لكن بوسائل وشعارات ومطالب وبرامج تَحْفَظ وحدة الشعب السوري، توصُّلاً إلى الحفاظ على وحدة سوريا الحرَّة؛ فما أصاب العراق (ولبنان من قبله) يجب ألاَّ يصيب سوريا التي ليس لدى نظام الحكم فيها من رادع يردعه عن التضحية بوحدة البلاد، شعباً وأرضاً، في سبيل البقاء.

جواد البشيتي