منال علي بن عمرو.. روح ترى وتعمل بكامل حواسها

كتب ـ محمد الحمامصي
تجمع بين كتابة النثر والإخراج السينمائي والتصوير الفوتوغرافي

تؤكد تجربة الكاتبة والمصورة والمخرجة الإماراتية منال علي بن عمرو على أننا أمام روح ترى وتعمل بكامل حواسها، روح معجونة بالإبداع، روح من نسيج خاص قادرة على التقاط مفردات الصراع الداخلي والخارجي للعالم / الإنسان، وتشكيلها جماليا وفنيا سواء عبر الكتابة أو التصوير الفوتوغرافي والسينمائي والمسرحي.

تلتحم منال بواقعها الاجتماعي والثقافي والفكري وتتغلغل في تفاصيله لتقرأ ما يحمله ماضيه وحاضره ومستقبله، وتقدم أعمالا ترمي إلى إضاءة وترقية وتفتح الحواس الإنسانية، مواجهة ما يقيد ويعوق تقدم المجتمع وتطور آفاقه.

حصدت الكثير من الجوائز منها جائزة المركز الأول (الميدالية الذهبية) في فئة البورتريه من مسابقة المعرض الأوربي الثالث للمصورين العرب – ألمانيا عام 2006، وجائزة مهرجان دبي السينمائي الدولي لأفضل موهبة سينمائية محلية عن فيلم "وجه عالق" عام 2007، وجائزة أفضل مخرجة إماراتية واعدة من مهرجان دبي السينمائي الدولي عام 2009، وجائزة أفضل إخراج مسرحي من مهرجان الشباب للمسرح عام 2007 عن مسرحية "بورتيا".

وفي هذا الحوار معها نتعرف على أبعاد تجربتها وآرائها وما تحمله للمستقبل.

** تجمعين بين كتابة النثر والإخراج السينمائي والتصوير الفوتوغرافي، وتميزت فيما قدمته من أعمال في هذه الفنون، هل لنا أن نتعرف على المحيط الذي نشأت وتربيت فيها وكان له تأثيره على اتجاهك لهذه الفنون؟

* نشأت في كنف جدتي لأمي حيث كانت تصب جل اهتمامها في الحرص على تحصيلي الدراسي والتنشئة الدينية من خلال معاهد ومراكز تعليم القرآن والحديث الشريف التي كانت منتشرة آنذاك بشكل كبير، بالإضافة لكوني نشأت وحيدة كنت ألجأ للقراءة والمطالعة أغلب وقتي، فنوعا ما طفولتي لم تكن متأثرة جدا بالتكنولوجيا الحديثة، حيث أني ولحسن الحظ نشأت قارئة وبدأت محاولات التعبير الأدبي معي منذ الصغر من خلال مشاركاتي المدرسية، وفي النشاطات العامة من خلال المطبوعات المحلية والعربية.

بالإضافة إلى أن شخصيتها الصارمة واهتمامها بتفاصيل الأمور أثرت بي وبأسلوب تنفيذي للكثير من المشاريع خلال مراحل حياتي المختلفة، حيث أنني دقيقه جدا في اتخاذ الخطوات وتنفيذها وقلقه حول أي مشروع حتى أنجزه، وعموما أغلب النساء في عائلتي يحملن هذه الصفات بشكل أو بآخر.

كما أن في أسرتي العديد ممن هم مهتمون بالفنون التشكيلية، ولهم ذائقة فنية، لكن في نطاق محدود أعتقد أنني أول فرد في العائلة خرج للملأ بأعماله، غير أنه كان خروجا تدريجيا منطقيا تطور مع الوقت ومع مراحلي العمرية الدراسية والعملية لم يكن مفاجئا بل متوقعا.

نشأتي مع جدتي الراحلة، وفي فترة الثمانينيات وهي فترة مميزة من تاريخ المجتمع الإماراتي، كان له دور كبير فيما أقدم الآن سواء على الصعيد الأدبي أو الصورة الفوتوغرافية أو إخراج الأفلام.

** أي هذه الفنون التي بدأتها ولد أولا وأيها أقرب إليك ولماذا؟

* الكتابة، هي الأقرب لأنها الأولى والأساس، ولا أعتقد أنها تفارقني يوما رغم أنني مقلة في النشر والتواجد والتركيز، إلا أن الكتابة جزء لا يتجزأ من شخصيتي رغم كسلي الواضح جدا من قبل من هم حولي ومن هم يعلمون بقدراتي الكتابية التي لم أحرص حقيقة على تنميتها أو إبرازها.

** تقولين إن الكتابة ولدت أولا لكنك لم تصدري كتابا حتى اليوم في حين قدمت أكثر من معرض تصوير وأكثر من فيلم تسجيلي وأكثر من عمل مسرحي؟

* نعم لكني استمر في كتابة النصوص الدرامية والمسرحية والسيناريوهات، وكذلك النثر من خلال النشر المطبوع والإلكتروني، ولا أرى أن إصدار كتاب يحدد أن تكون كاتبا من عدمه، رغم أنه ضرورة ومرحلة لا بد أن يمر بها الكاتب، لكنها ليست حتمية، كتاباتي الأسبوعية في مجلة "المرأة اليوم" الإماراتية تشبع لدي شعور الطبع أو إصدار كتاب، رغم أني منذ سنوات حاولت نشر كتاب خاص بي إلا أن محاولتي أحبطت من قبل وزارة الثقافة لرفضهم عنوان كتابي الذي اخترته "بعيدا عن أيادي المومسات"، فلم تعد لدي الرغبة للنشر الذي كان ليحدث لو أنني تملقت ورضخت لطلباتهم في تغيير العنوان، لا أدري لما يعتقد من هم يسيطرون على الثقافة ومنافذ الإبداع أن لهم الحق في خنق حرية التعبير أو الإبداع وتفصيله على أهوائهم، وهذه المرحلة كانت من المراحل التي حقيقة سببت إحباطا كبيرا لي أثر على نتاجي، وقتل بداخلي الحافز للاستمرار فيّ، هكذا بيروقراطية، إلا أنني الآن أرى القادم أجمل وأن التخلف سينقشع يوما، والعالم سيصبح أجمل مما هو عليه حقيقة، ولا ضير من الوصول المتأخر لأن تفاصيله أعظم.

** تكتبين نثرا أقرب لروح الشعر فهل لك أن تضعينا في الصورة التي تأملين تقديمها لنفسك من خلال كتابك الذي تنوين إصداره قريبا؟

* كتابي سيحمل أهم نصوصي "بالنسبة لي طبعا" التي كتبتها خلال الفترة الماضية منذ عام ٢٠٠٦ وحتى الآن وأنا في طور الإعداد له، حقيقة لا أميل لوصفها بالشعر لأنها ليست كذلك، هي نثر يلامس الروح وقد يشبهني أو يشبهه غيري، يكفي أن يتأثر به القارئ ويشعر به.

** في أعمالك يلقي كل هذه الفنون بظلاله على الآخر حيث ينعكس التصوير الفوتوغرافي على الرؤية الإخراجية وكذلك الأخيرة على تصويرك، هل يريحك هذا التمازج والتداخل بين الفنون؟

* بالتأكيد لأنه في نهاية الأمر يعكس أفكاري ويعبر عما هو بداخلي من تساؤلات وعلامات تعجب، وكل الفنون التي أمارسها جزءا لا يتجزأ مني ومن التصريح بقدرتي على التعبير بشكل ما عما هو بداخلي أو ما أود أن أقوله بشكل مباشر وأحيانا رمزي، وفي النهاية الصورة بشكل عام عناصر ودلالات لا بد لها أن تقدم بشكل فني يجذب بصريا ليتخلل روح الآخر ويؤثر به.

** لماذا حرصت في جميع ما قدمت من أعمال خاصة في الكتابة والتصوير والإخراج أن يكون الهم الأساسي يضيء الأوضاع الاجتماعية للحياة الإماراتية بما تحمله من موروثات مادية ومعنوية؟

* لأنني جزء من هذا المجتمع، ولأن الحياة برتمها السريع المتهالك، والذي بدأت تأكل من أرواحنا أفقدت الكثير منا الوقفات التي يجب أن تكون لننتبه للكلمة وللنظرة وللمشاعر والعلاقات الإنسانية للهم الداخلي وللامنطق والتناقض الذي يحيط بنا بشكل يومي، وهذا أمر يحدث في كل المجتمعات ومع كل البشر. أنا أرى أن بالفن والأدب نتخلل الأرواح الميتة أو المنساقة مع تفاصيل اليوم بشكل آلي، والتي فقدت إنسانيتها ونستطيع التأثير بها وتنبيهها بأنها تستحق التوقف للحياة وللتمتع بالتفاصيل الحقيقية التي من شأنها أن تشهرنا بطعم السعادة وقيمة الآخر.

** الصورة الفوتوغرافية لا تقل في متطلباتها الجمالية والفنية إبداعا عن اللوحة التشكيلية والنثر وغيرهما من الفنون، فهل لنا أن نتعرف على رؤيتك ومفهومك للصورة والروح التي تلتقطينها بها؟

* أعشق التصوير الفوتوغرافي لكن ليس من الناحية التقنية، فحقيقة لا أكترث كثيرا لتقنيات التصوير بقدر ما اهتم بموضوع وعناصر الصورة والفكرة التي أود طرحها وتفاصيل العمل الذي قد يكون كاملا في مخيلتي، وأسعى جاهدة لعكسه في الواقع. وفعلا يجب أن تكون الصورة معدة بعناية وبهدف الدهشة والتمتع بالفكرة، وأن تطرح أسئلة منطقية ولا منطقية وأن تسبب إزعاج أو راحة، المهم أن تكون مؤثرة تدب بالتساؤلات في المشاهد، عندها أشعر أنني ملأت جيوبي بحلوى العيد.

أهتم بتصوير البورتريه ووجود الآخر في ملامح الأعمال الفوتوغرافية، لأنني أقدم ما أرغب أنا في أن أراه دائما في الأعمال الأخرى: الإنسان! أنا وأنت هو وهي، دائما أود في رؤية الآخر لأنه يخبرني من أكون، لذا أحرص على وجود عناصر تشبهنا في لحظات ما في أعمالي.

** عرضت صورك في مشاركات محلية وخارجية كيف كانت ردة الفعل وماذا استفدت من اختلاف الجمهور؟

* الجمهور بشكل عام مختلف التساؤلات والاستنتاجات بخصوص الأعمال وأنا شخصيا أتقبل كل ما يأتي منهم وأحيانا تجدني أهز رأسي بالإيجاب لتفسير أي أحد لعمل يخصني، وخصوصا الأعمال الفوتوغرافية ولا أناقش كثيرا في تحليلها وتفسيرها لأن لكل منهم رأيه ووجهة نظره الخاصة والتي تأتي من جاء خلفيته الثقافية والفكرية ونتاج لتراكماته وتجاربه الحياتية ونشأته، لذا أحرص على توضيح ما قد يسبب لبسا فادحا فقط إن وجد، غير ذلك فإنني أتركهم لخيالهم يأخذهم مع أعمالي حيث شاءوا، حقيقة هذا هو الهدف من تقديم أعمال مثل التي أقوم بها.

** حدثينا عن تجربتك مع ما أخرجته من أفلام، وما الفلسفة أو الهم أو التوجه أو الرؤية التي انطلقت منها لإنجاز هذه الأعمال التي أظنها أنها ٨ أفلام قصيرة؟

* الأفلام القصيرة بدأت معي منذ عام ٢٠٠٦ حيث كانت تجربة أولى خلال فترة عملي بالمجمع الثقافي بأبوظبي، أتيحت لي فرصة تنفيذ عمل والمشاركة فيه بدورة أفلام من الإمارات، مع الشكر لأستاذي مسعود أمر الله آل علي، حيث أنه وفر لي هذه الفرصة التي حقيقة كانت منفذا نحو تعمقي أكثر، ويوما بعد يوم في مجال الأفلام الذي صرت أحرص على تنمية قدراتي فيه، وتقديم الأفضل قدر الإمكان وحصيلة أفلامي القصيرة حتى الآن ٨ أفلام شاركت معظمها في مهرجانات محلية وعربية وعالمية، هي: "الحذاء" 2006 تأليف وإخراج، "وجه عالق" 2007 تأليف وإخراج، "من أجندة الخيانة" 2008 إخراج تأليف مشترك، "جنة مريم" 2008 تأليف، "المستعار" 2009 إخراج، "وداد" 2009 إخراج، "تفاحة نورة" 2010 إخراج، "أشياء" 2011 فكرة إخراج وتصوير.

وقد حاز "وجه عالق" على جائزة مهرجان دبي السينمائي الدولي لأفضل موهبة سينمائية محلية، كما حصلت في العام 2009 على جائزة أفضل مخرجة إماراتية واعدة من مهرجان دبي السينمائي الدولي.

** هل تأملين الانتقال للفيلم الروائي الطويل؟ هل لديك مشروع في هذا الإطار؟

* هذا حلم، لكني حقيقة لا أستعجل، إلا أنه سيكون يوما وبإذنه تعالى، وفي فرصة مناسبة ومرحلة أقوى. الأفكار والمشاريع موجودة ومطروحة من فتره إلى أخرى، إلا أن مسألة التنفيذ والمباشرة تحتاج لجهد ووقت يبذل ويخطط لها بشكل سليم ومناسب، إن شاء الله يوما ما.

** ربما يكون الإخراج المسرحي مختلفا عن الإخراج السينمائي والتصوير وغيره، فهنا توجد مواجهة مع الجمهور لا تقتصر على الممثل بل تمتد إلى الديكور والإضاءة وعناصر أخرى، كيف كانت تجربتك مع المسرح حين قدمت "بورتيا"، و"من أين إلى أين"، و"سيدة اللوحات"؟

* المسرح كان تجربة علمتني معنى بذل الجهد الحقيقي والتخطيط لجميع عناصر العمل المسرحي من نص وإضاءة وممثل وديكور و.. الخ، من تفاصيل ومن خلال مهرجان الشباب لا أنكر أنها كانت تجربه ممتعه تعلم النظام والالتزام والعمل بروح الفريق، لكن نظرة المسرح للمرأة قاصرة جدا وتدخل ضمن حسابات أخرى، لا أود أن أتحدث عنها إلا أنها اتضحت لي من تجاربي خلال مهرجان الشباب، المسرح يحتاج لفكر وثقافة ووعي، وفوق كل هذا يحتاج لجمهور مثقف يرغب بالتمتع بأعمال تسمو بنفسه وتؤثر بذائقته وحقيقة نحن نفتقد هذا جدا، والأسباب كثيرة. عموما لا أرى أن هذه التجربة المسرحية كانت بهذا القدر من التخصص حيث أنها لم تنضج أو ربما لم تبدأ فعليا بالنسبة لي.

# نماذج من نصوص الكاتبة

شارع القلوب المتوفاة،

والعيون التائهه..

كل يوم أكره أن أسير فيه،

أو أن أشم رائحة التعب،

لكنني أفعل!

أنا وعباءتي،

وما تبقى من رسائل،

نأخذ ذات الدرب..

حتى أننا نلهو كما أعتدنا حول عواميد الإنارة،

ند بائعة التفاح...

على مرئي الحياة.

***

رجلٌ يحمل ساعة لا تعمل،

رغم نبضها الشديد،

ورونقها الواضح،

لكنها توقفت..

عند بابي،

مع الحظ،

وعلامات الفقد.

أحبكِ،

أحبكِ،

أحبكِ.

ترى كم يحتاج المرء من الوقت

ليسمع كلمة تزرع الروح؟

لا يسعني سوى حمل قلبك على جبيني،

قرب همسي؛

كي تسترق السمع لروحي،

وتشهد انبهار اللحظة،

وحجم الأمل.

أحبكَ كما تحبني.

***

الحب...

من العين السحرية،

يتوسد الرضى،

يملئ التفاصيل الصغيرة بي وبك.

***

الغرفة خالية من كل شيء

ملعقة قديمة عند الذهول المفاجئ

مثقوبة،

تسرب الذكريات

تبقي أثرا أسود في القلب

تنقش عبارة النهاية

على جبيني:

"وداعا يا صاحب القلب الرمادي"

سمكة وحيدة،

تحتضر.

***

مدي يدك لا تخافي،

فلك أتعاب الضحك

على قلبي،

أنا لن أبخسك قيمة وقتك،

لن أسرق منك فرحتك،

أدرك تماما معنى أن تخطف اللقمة من فم جائع.

تختلف الملامح،

تتشابهه الحاجات.

***

نستبق النهاية،

خوفا من الخيبات.

قلوب مخذولة

تحاول أن تحيا على نفقة النهايات الأسرع.

***

في مدينة الضباب

هناك شمس مشرقة

وأوراق شجر تراقص الهواء

ظلال متعددة من هنا وهناك

تملأ الشوارع الباردة.

***

النسيان يدق أجراسه

دون صبر

يفرض ملامح الحزن

يقتل أي بصيص أمل

يسقيني قهوة مرة

يلقي على عمري

وشاحا أسود

ويصمت للأبد.

***

لأنني حلمت بالفرح

وأنت معي،

كل ما يتقدم منه الآن

ناقص.