أكسيل هونيث: كيف نواجه الاتجاهات المرضية التي تسعى العولمة إلى تضخيمها؟

ترجمة: نورالدين علوش
الإحساس بالقيمة

يعتبر الفيلسوف الألماني اكسيل هونيث, من الوجوه الفلسفية البارزة سواء على الصعيد الألماني أو العالمي. فهو مدير معهد فرانكفورت الذائع الصيت, كما انه مهتم بتحديد الآليات الرأسمالية التي تمنع الذات من تحقيق نفسها.

* ما هي في نظركم مواصفات المجتمع الجيد؟

ـ المجتمع الجيد هو المجتمع الذي يسمح لأفراده من خلال توفير الظروف الثقافية والاقتصادية والاجتماعية بتحقيق ذواتهم واستقلاليتهم. كما أنه المجتمع الذي يسمح لأفراده بتحقيق أحلامهم بدون المرور من تجربة الاحتقار أو الإقصاء. أو بعبارة أخرى جامعة فالمجتمع الجيد هو الذي يضمن لأفراده شروط حياة جيدة.

انطلاقا من ما تعيشه مجتمعاتنا الغربية من قصور لا يرجع إلى انتهاك مبادئ العدالة بل إلى الإضرار بشروط تحقيق الذات. وهذه الفكرة السابقة كانت في قلب اهتمامات مدرسة فرانكفورت. فقد تشبثوا بهذا الشكل من المجتمع في أفق تأسيس مجتمع الرجال الأحرار. فإذا كانت المقاربة الماركسية المعتمدة لديهم تجووزت فإن المقاربة الايتيقية لديهم لا تزال صالحة في مجتمع القرن الواحد العشرين. فمع العولمة والرأسمالية المتوحشة أصبحت شروط تحقيق الذات نادرة إن لم نقل منعدمة سواء عن طريق التسليع أو تدمير العلاقات الشخصية.

* بهذه النظرة الايتيقية, فمدرسة فرانكفورت لا تندرج في إطار ما سميتموه بالفلسفة الاجتماعية؟

ـ قطعا لا, في حين أن مفهوم الفلسفة الاجتماعية الذي اتحدث عنه قليلا ما اسمع عنه في فرنسا. أفهم من هذا التقليد الفلسفي الكبير الذي أعطى للفلسفة مهمة تشخيص الأمراض الاجتماعية أو بعبارة اخرى العوائق التي تكبح الإنسان من تحقيق حياة ناجحة. من روسو إلى كاستوريادس أو تشارلز تايلور مرورا بماركس وويبر وفوكو أو هابرماس. فهذا التيار أحدث منهجا فلسفيا جديدا حيث الاهتمام مركز ليس فقط على تصحيح المساواة بل بتحيين المعايير الأخلاقية لحياة كاملة أو أكثر إنسانية. فحنا ارندت مثلا أولت اهتماما كبيرا لدور المواطنين في الديموقراطية.

*هل ممكن أن تتحدث لنا عن مفهوم الصراع من أجل الاعتراف؟

ـ من أجل إدراك المفهوم الجديد, لا بد من الانطلاق من النموذج البراغماتي المهيمن في العلوم الإنسانية. فهذا النموذج ينطلق من فكرة مفادها أن المجتمع عبارة عن مجموعة من الأفراد الذين يتحركون بدافع مصالحهم الخاصة، ومن أجل إثبات ذواتهم. للوهلة الأولى من غير الممكن أن نعلل الصراعات التي تنشأ من الرغبات غير المشبعة. بالاعتماد على هيغل الشاب ولكن أيضا على مكتسبات علم النفس الاجتماعي (من جورج ميد إلى دوناد وينيكوط) اقترح إدراك الصراعات الاجتماعية بمنظور الصراع من اجل الاعتراف. فهذا يقتضي بان تحقيق الذات مرتبط أشد الارتباط بالاعتراف المتبادل. لهذا أميز بين ثلاثة مستويات لهذا الاعتراف, متناسبة مع ثلاثة نماذج من تحقيق الذات:

المستوى الأول هو الحب الذي يجمع فرد ما بمجمعة ما. فقط هذه القوة العاطفية التي تربطه بمجموعته هي التي تحقق له الثقة في نفسه وبدونها لن يتمكن من المشاركة في الحياة العامة.

المستوى الثاني هو قانوني – سياسي: باعتبار الفرد هو فرد عالمي له حقوق وواجبات ويجب أن نفهم أفعاله على أنها تعبير عن استقلاليته. من هنا فالارتباط ضروري بين الاعتراف القانوني والاحترام الذات. لكن هذا ليس كل شيء. من أجل إقامة علاقة دائمة مع أنفسهم فالناس عليهم التمتع باحترام اجتماعي يسمح لهم بالتعاطي الإيجابي مع قدراتهم ومواهبهم أو مع بعض القيم المستلهمة من هوياتهم الثقافية.

والمستوى الثالث: التقدير الاجتماعي الذي هو مرتبط بتقدير الذات أو ما نسميه بالإحساس بالقيمة.

وإذا ما انتهك أحد المستويات فإن الذات ستعتبر هذا الانتهاك مسا خطيرا بكامل الذات سواء السياسية أو الاجتماعية أو الأخلاقية. لكن هناك الكثير من الأسئلة المعلقة من قبيل ما هو الشكل الذي ستتخذه ثقافتنا السياسية والأخلاقية في هذا العصر لمحاربة الإقصاء والانغلاق ومن أجل إعطاء فرصة للمقصيين والمحتقرين.

* بتطبيقكم هذه الفكرة على فرنسا. فهذه الخطاطة المفاهيمية أكثر وضوحا: أزمة الضواحي, قانون حول منع الحجاب, تنافس الذكريات.. ما هو تعليقكم على هذه التطورات؟

ـ لا بد من الحذر في ما يخص النتائج السلبية الناتجة عن احتقار بعض الأفراد. إذا لم يدخلوا في صراع مع القيم العالمية فهذه مغامرة ناقصة لهم. فالذين يتميزون بنماذج خاصة لا يمكنهم أن يعطوا لوجودهم معنى إيجابيا بالنظر إلى الغايات الأخلاقية المشتركة التي تطبع الحياة الجماعية. مثلا الحجاب فأنا أصنف نفسي في وضعية لا أدري: حتى ونحن لا نعرف ما هي الأسباب الحقيقية التي دفعت الفتيات على ارتداء الحجاب لهذا لا يمكن منعهن من الفضاء العمومي.

إذا كان ارتداء الحجاب يشكل نوعا من الاضطهاد العائلي أو المجتمعي فيمكن اعتباره تحقيق الذات المستقلة. فيما يخص السجالات الأخيرة حول واجب الذاكرة فقد بينت تلك السجالات أن الاحترام الاجتماعي مرتبط ببعد أساسي ألا وهو الماضي. فالكثير من الناس يفشلون في الإحساس بأنهم مواطنون كاملو المواطنة في المجتمع الذي يعيشون فيه لأنه لم يتم الاعتراف بالانتهاكات التي عرفتها مجموعته القومية.

فلاننسى أن اعتراف الألمان بالجرائم التي اقترفوها في حق اليهود كانت شرطا لعودتهم إلى الحياة العامة. كما أن فرنسا بدأ فيها النقاش حول ألمانيا أو ما يسمى صراع المؤرخين من 1986- 1987 بخصوص الماضي النازي.

هناك من يقول كفانا إحساسا بالذنب والندم والجلد الذاتي ولنا الحق في رفع رؤوسنا. في حين آخرون ومن بينهم هابر ماس يقول لنرفع رؤوسنا علينا أن نتحمل مسؤولية الماضي وتكون لنا الجرأة في مناقشته في أجواء مفتوحة.

* تأويل هذه السجالات لمعاني مثل تكاثر الضحايا ألا يعتبر الأمر مرتبطا بالموضوع؟

ـ وضعية الضحية من الآن وصاعدا لها قيمة ومن الأجدر أن نحتاط في تقويمها. لكن يجب التفريق بين ضحية حقيقية وأخرى مزيفة فالتمييز ليس سهلا.

مرة أخرى فإن الصراع من أجل الاعتراف العام بالهشاشة الأخلاقية للماضي أمر شرعي. وأنا مهتم لفهم أن الكثير من المثقفين الفرنسيين أقل إحساسا بهذا الأمر. وسأقدم دليلا آخر: فقط الاعتراف العمومي بجرائم الماضي حتى ولو كانت قديمة هي السبيل للخروج من حالة الضحية. فبدون الاعتراف العمومي بالجرائم لن تتمكن الذات من تحقيق كامل المواطنة في حياتها.

* ركزت في كتابكم الأخير "مجتمع الاحتقار" على مفارقات الرأسمالية المتوحشة. نفس الفكرة نجدها في كتابكم الذي سيصدر بفرنسا. فنقد الرأسمالية هل له من مستقبل؟

ـ هذه المفارقات قاومت المثل العليا للتحرير التي تطورت في الغرب لمدة تلاثة عقود، وأصبحت تتمسك بها التيارات نيوليبرالية. فإذا كانت إمكانيات التفتح الفردية قد توسعت مع (التربية والتعليم والوقت الحر...) فإنها مع ذلك تحولت لصالح الرأسمالية المتوحشة.

يمكن الحديث من هنا عن تراجع أخلاقي وقيمي. فمبدأ تحقيق الذات أصبح محوسلا الشيء الذي أعطى ميلاد أمراض جديدة من قبيل الإحساس بالفراغ الداخلي. العدمية والقلق.... الضغط الهائل النيوليبرالية تجبر الناس على التفكير في أنفسهم كمواد ومعرضين للبيع دائما: فيجب أن نكون دائما مرنين ومتكيفين.

فلا يتعلق الأمر بالقدرة على الحوار الداخلي والتضامن الذي أصبح امتيازا بل نجده يسهم في تدمير هذه القدرة: تطبيق الفعل الاستراتيجي على الذات وعلى الآخرين. في هذا المعنى فالاعتراف الذي يؤدي إلى الاعتراف بالأخر باعتباره ينتمي إلى الإنسانية عليه أن يسقطه على الاعتراف الذاتي.

الأمر لا يتعلق بالعودة إلى الماضي لأن المسالة أصبحت مرتبطة بمعرفة كيف نواجه هذه الاتجاهات المرضية التي تسعى العولمة إلى تضخيمها. فجوابي لا يتماهي مع ما يطرحه بعض الجمهوريين الفرنسيين في إقامة مؤسسات سياسية وطنية. فالحلول تكمن في إقامة أوروبا قوية لمقاومة النتائج السلبية للعولمة لكن بدون أن نرجع إلى هوياتنا القديمة أو ثقافتنا المسيحية. فهذه المقاربة الأخيرة تبدو لي أكثر فعالية. فمفهوم التضامن لن يكون فقط في المجال السياسي بل حتى في المال الفني والثقافي. فأنت تجد نفسك دائما على مسافة متساوية من الفكر الليبرالي والفكر الجماعاتي، فأنا أتقاطع مع كانت ومع الليبراليين في مفهوم الاستقلالية وكونية المعايير. فأنا أتفق مع الجماعاتييين فيما يخص ان تحقيق الذات يحتاج إلى إشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية التفاعلية بين ذاتية والنظر إلى الآخرين باعتبارهم ذوي مواهب وقدرات إيجابية.