تساؤلات مطروحة وصراعات سياسية مفتوحة وانتهاكات لحقوق الإنسان مفضوحة.. ماذا بعد انتهاء المائة يوم؟

بقلم: محمد الياسين

ما الذي تحقق من انجاز خلال المهلة الزمنية التي الزم بها نفسه رئيس الوزراء نوري المالكي تحت ذريعة تقييم وتحسين اداء الحكومة التساؤل الابرز اليوم في الشارع العراقي ويطرح باستمرار والحاح من قبل المواطنين؟ هل يمكن للمائة يوم ان تحقق للمواطن ما لم يتحقق في ثمان سنوات، قياساً بحجم وطبيعة الازمات الكارثية التي يعيشها العراقيون بدءا من تردي الخدمات وانعدام الامن والاستقرار وتدني الحالة المعيشية والاقتصادية والصحية والزراعية وتفشي ظاهرة الفساد المالي والاداري والانحطاط السياسي والانتهاكات الصارخة في ملف حقوق الانسان وتتمثل بعمليات الاعتقال العشوائي بدون أي مسوغ قانوني يعطي الغطاء الشرعي لعملية الاعتقال ومن ثم تغاضي الاجهزة المعنية عن رفع ملفات المعتقلين الى القضاء للبت فيها وزج مئات الالاف منهم في سجون سرية وعلنية يلاقون فيها شتى اصناف التعذيب النفسي والجسدي والتضييق على وسائل الاعلام والصحافة واعتقال الاعلاميين والصحفيين والاعتداء عليهم بالضرب والشتيمة، وانتشار ظاهرة التسول وتعاطي المخدرات وحبوب الهلوسة وارتفاع نسبة البطالة والجريمة والامية وهجرة الملايين خارج وداخل العراق وتصفية العقول والكفاءات جسديا او معنويا وتغليب النزعة الطائفية والعنصرية على النزعة الوطنية وتقديم المصالح الشخصية على المصالح الوطنية والاستمرار في مسلسل التجزئة والتفريق والمحاصصة الطائفية؟

لو افترضنا جدلاً امتلاك السيد المالكي العصا السحرية وبالتالي نفترض ان لديه القدرة والامكانية على انجاز ملف الخدمات على اقل تقدير، او جزء منه، من خلال إيجاد بعض الحلول الفورية القابلة للتطبيق على ارض الواقع، فما الذي انجز من هذا الملف خلال مهلة المئة يوم وقد انقضت دون شيء يذكر؟! حتى على صعيد المواقف الحكومية مع استمرار زخم التظاهرات وتوسع رقعتها الجغرافية لتشمل اغلب مدن البلاد شمالا وجنوبا لم يصدر عن السيد المالكي او اي مسؤول اخر إعتراف واضح وصريح بفشل اداء الحكومة في إدارة شؤون البلاد وحل الاشكالات العالقة سوى بعض التصريحات الهزيلة والمستفزه التي لم ترقى لمستوى المسؤولية بما يجري على الساحة من احداث متسارعة وتزايد الغليان الشعبي في الشارع.

لم يلمس المواطن العراقي أي تحسن في الخدمات او المعيشة ولا حتى اطلاق سراح المعتقلين الابرياء من السجون وحينما يتم الافراج عن بعض المعتقلين خلال ايام يتم تعويضهم باضعاف العدد الذي افرج عنه خلال ساعات فقط! وكذلك لم نشهد او نسمع عن اي اجراء جدياً وصارم لحسم قضايا الفساد من قبل الحكومة بمحاسبة ومعاقبة الفاسدين والمرتشين والسراق الذين تفيض بهم الوزارات والمؤسسات الحكومية.

خلال مهلة المئة يوم التي كان من المقرر ان نشهد فيها تحسن اداء الحكومة على مستوى تقديم الخدمات وتوفير مستلزمات البطاقة التموينية وايجاد فرص عمل للعاطلين وفتح ملفات الفساد وحقوق الانسان واطلاق سراح المعتقلين الابرياء، كشفت قناة الشرقية الفضائية عن تفاصيل فضيحة جديدة تؤكد على تورط مكتب القائد العام للقوات المسلحة ومقربين من شخص المالكي بتهريب 12 سجينا من تنظيم القاعدة الارهابي متورطين باعمال اجرامية ومحكومين بالاعدام من احد سجون البصرة لايران بترتيب مباشر من قبل المستشار الامني لرئيس الوزراء ابو علي البصري. وبحسب تقرير للجنة البرلمانية بهذا الخصوص كشف عن ان مدير مكتب الامن والمتابعة في مكتب رئيس الوزراء والمسؤول ايضاً عن امن المنطقة الخضراء يعمل كحلقة وصل بين تنظيم القاعدة الارهابي وايران.

وذلك يؤكد على ان فشل اداء الحكومة في توفير الخدمات وتحسين الحالة المعيشية والقضاء على الفساد وحل الاشكالات العالقة لم تعد فقط المبررات لخروج الشعب العراقي في تظاهرات مستمرة للمطالبة بحل الحكومة حيث ان اضافة تهمة احتضان الارهاب وتوفير الملاذ الامن للمجرمين والقتلة من قبل اعلى سلطة في الحكومة زاد من نقمة الشعب واصراره على التظاهرات السلمية والاستمرار في الاعتصامات والاحتجاجات المدنية بكافة مدن العراق ثم الاجراءات القمعية والاستفزازية التي اتخذتها الاجهزة الحكومية ضد المتظاهرين فاقمت من حدة التوتر بين الشعب والسلطة وبالتالي ادت الى رفع سقوف المطالب الشعبية بأسقاط النظام ومحاسبة الفاسدين والمجرمين وتشكيل حكومة تكنوقراط من الكفاءات العراقية المهمشة تتولى إدارة شؤون البلاد.

لم تكتف الاجهزة الحكومية بقتل وقمع المتظاهرين العزل بشتى الوسائل والاساليب المنافية تماما لحقوق الانسان ومفهوم الديمقراطية التي يدعيها رئيس الوزراء واستمرار مسلسل الاعتقالات بحق الناشطين والناشطات المنظمين والمشاركين في التظاهرات والاعتداء عليهم بالضرب والشتائم وكيل الاتهامات الكيدية بحقهم ووصفهم بالمجرمين والبعثيين والارهابيين والمزورين واعتقال المتظاهرين نساء ورجال وشباب من ساحة التحرير (برلمان الشعب) وباقي مدن ومحافظات العراق فالمواطن اينما كان بات مستهدفا وعرضة للاعتقال والقتل من قبل حكومة المالكي. وذهبت ابعد من ذلك بمحاولة القفز على الحقائق وتزويرها والظهور بمظهر الحمل الوديع امام الرأي العام الدولي من خلال المؤتمر الذي عقد في بغداد لحقوق الانسان وحضره رئيس الوزراء نوري المالكي ومبعوث الامين العام للامم المتحدة اد ميلكرت وعدد من اعضاء الحكومة والناشطين العراقيين والاجانب وكان ميلكرت قد ذكر في تصريحاً سابق له بان العراق في مقدمة دول المنطقة التزاماً بالمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الانسان! إلا ان سرعان ما جوبهت هذه الاكذوبة برد قاس وشجاع من قبل السيدة العراقية الناشطة في حقوق الانسان هناء ادور حينما وقفت وسط الحضور في قاعة المؤتمر امام المالكي وميلكرت لتفند هذه الادعاءات بعرض صور لانتهاكات الحكومة اتجاه المواطنين وطالبت المالكي بالاعتذار للمتظاهرين بسبب وصفه لهم بالمجرمين، وعلى اثر ذلك سارع ميلكرت بالتراجع عن تصريحه بدعوى عدم الدقة في ترجمة التقرير الذي صدر عنه ومن ثم تبرأت الامم المتحدة من تصريحات مبعوثها الى العراق الذي وصف فيه العراق في صدارة الدول المطبقة لمعايير حقوق الانسان في المنطقة.

ولا يصح الحديث عن التظاهرات الشعبية دون المرور على الازمة السياسية الراهنة في البلاد التي تعد اخفاقاتها المتكررة وتقلبات المواقف فيها لدى الكتل والقوائم البرلمانية من الاسباب الرئيسية لنقمة الشعب وذهابه لخيار التظاهرات، قرب موعد انسحاب القوات الاميركية فاقم من حدة الاشكالات بين القادة السياسيين وكتلهم. فكلاً يرمي الكرة في ملعب الاخر محاولة لتنصل من المسؤولية والاعلان عن موقف واضح وصريح قد يزعج الاميركيين او يفاقم من حدة التوتر بين الساسة والمتظاهرين الرافضين لتمديد بقاء القوات الاميركية لما شكلوه في الاونة الاخيرة من ضغط حقيقي في الشارع ودخولهم في صلب حسابات المعادلة السياسية بعد ان كان الساسة لا يضعون الشعب العراقي ضمن اولوياتهم في اتخاذ القرارات ظناً منهم ان لهم الحق المطلق في كل عمل يقومون به وان كان هذا العمل يجر بكوارث على الشعب العراقي على اعتبار انهم مخولين من قبل الشعب وفق مفهومهم الخاطئ للتخويل على الرغم من ما يتناقله الساسة والنواب في المجالس المغلقة بالتأكيد على ان الكتل السياسية قد اتفقت سراً على بقاء القوات الاميركية في العراق من خلال تعديل الاتفاقية الامنية الحالية او صياغة اتفاقية بديلة لها.

مع استمرار التخبط في المواقف بين الكتل السياسية والصراع المحتدم بين القادة وتأمر بعضهم على بعض من اجل البقاء في المناصب والحصول على الامتيازات المادية والمعنوية والاجتماعية قدر الامكان من خلال السلطة ونفوذها مما انعكس بكل سلبياته وكوارثه على الشارع العراقي والمواطن البسيط ثم يأتي مسلسل التسقيط السياسي وعرض العضلات في الشارع ومن خلال الفضائيات، موقف التيار الصدري الرافض من تمديد بقاء القوات الاميركية وما لحقه من تصريحات هدد من خلالها بإعادة جيش المهدي الى نشاطاته السابقه في حال وافقت الكتل على تمديد بقاء القوات الاميركية أحرج الحكومة والبرلمان والكتل السياسية خاصة ان التيار الصدري مشارك في الحكومة وله مقاعد في البرلمان.

تأتي اللقاءات النقاشية التي تنقل على الفضائيات بين رئيس الوزراء ووزراءه للحديث عن انجازات الحكومة خلال المئة يوم لذر الرماد في العيون حيث استعرض الوزراء انجازات ما انزل الله بها من سلطان ورسمت صورة وردية لاوضاع العراق وتأتي هذه المسرحية الحكومية لامتصاص غضب الشارع مع انتهاء المهلة والمماطلة الزمنية لفترة 43 يوما حسب عدد الوزراء المتحدثين في كل يوم، الا ان التساؤل عن الذي يفترض به التحدث عن الملف الامني في العراق خلال الجلسات المتلفزة ضروري تزامناً مع بقاء المناصب الامنية شاغرة واستمرار التدهور الامني ومسلسل الاغتيالات بالاسلحة المزودة بكواتم للصوت والعبوات اللاصقة ويعتبر السيد المالكي وزيراً للدفاع والداخلية والامن الوطني ورئيساً لجهاز المخابرات لحين الاتفاق على تسمية الشخصيات التي تشغل تلك المناصب.

ووفق المعايير المتبعة في تقييم الاداء السياسي والامكانيات المتاحة من قوة ونفوذ من خلال السلطة التي يمسك بها السيد نوري المالكي وطبيعة المناخ الدولي والاقليمي وضعف الكتل السياسية الاخرى مقابل دولة القانون يعد المالكي الرجل الاقوى اليوم على الساحة السياسية من خلال اللعب على تناقضات الكتل واضعافها وانتهاجه سياسة الترغيب والترهيب مع قادتها، إلا ان خطاب زعيم القائمة العراقية الدكتور اياد علاوي وما جاء به من موقف يعد الاول من نوعه اتجاه المالكي قد يضع كل الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها بأحياء دور القائمة العراقية الذي تراجع بعد الانتخابات الى ادنى مستوياته في حال لم يتخلى قادة القائمة عن علاوي مع التصعيد بما جاء به علاوي في خطابه يؤدي لقلب الموازين لصالح القائمة العراقية واعادة اعتبارها الذي فقدته امام جمهورها، في حينها سيكون لكل حادث حديث.

محمد الياسين

Moh.alyassin@yahoo.ca