حنان الحبش: الحجاب لا يمنع المرأة من الغناء

'حرية المرء لا تتوقف عند حرية الآخرين فقط'

دمشق - ليس من السهل على الفتاة ان تعيش تجربة مشاهدة بلادها تخرج من حال الاستقرار الى حال الاضطراب والقلق، السوريون قلقون عن مستقبلهم وعلى امنهم ولانهم كذلك فكل منهم يعبر عن قلقه بطريقته، اما حنان الحبش المنشدة لاشعار ابن العربي وابن الرافض في الموالد والحفلات العائلية الملتزمة فقد ارتأت أن تعبر عن قلقها على بلادها بالغناء لها، وفي هذه المقابلة مع صاحبة الصوت الجميل والاداء المتقن كثير من التفاصيل التي تتعلق بمفارقة انتقالها من الانشاد إلى اداء الاغاني الوطنية.

من المعروف عنك انك تجيدين أداء المدائح النبوية والغناء الصوفي فكيف تحوّلتِ إلى الغناء؟

لم أنتقل إلى الغناء، مازلت في المجال الذي اخترته لنفسي وسأبقى دائماً متعلقة بالشعر الصوفي والفن الراقي الذي اعتبر انه يعبر عن شخصيتي وما أهواه في مجال الفن.

فحين نقول الشعر الصوفي فنحن نختصر في هذه الكلمة كل الوجد والحب الذي عبر عنه عارفون كبار بالله وشعراء ذوي كلمة جميلة ودفّاقة في وصف الحب المجرّد المتصل بحب الله.

أما الغناء للوطن (سوريا) فأنا أعتبره مجالاً يشرفني أن أدخل فيه فأن تغني لبلادك يعني أنك تغني لأمك وأرضك وأخوتك، تغني للإنسان، فمن لا خير فيه لبلده، لا خير فيه لأحد.

ألا يشكّل حجابك عائقاً أما انتشارك في وقت تعتمد فيه الأغنية على الصورة أكثر مما تعتمد على الصوت؟

بالتأكيد لا يمثّل الحجاب أي مشكلة فيما يتعلق بعمل الطبيبة، ولا يمثل مشكلة فيما يتعلق بعمل المّدرسة، وكذلك في جميع نواحي الحياة، فلماذا سيشكل عائقاً ما دمت أغني لله ولرسوله وللوالهين من أوليائه وللوطن، وحتى ولو غنيت شعراً حديثاً وحتى ولو ابتعدت عن مجال الغناء الصوفي -وهذا ما لستُ بعازمة عليه لقناعات شخصية ولهواية أحبها هي غناء الكلمة ذات المعنى العميق- ولكن لا أرى أن الغناء حتى للمحجبة هو شيء معيب أو مسيء إلا إذا كان فيه ما يسيء.

فحين تسرق الطبيبة مرضاها هي سارقة لا محجبة، وحين تغش المدرسة طلابها فهي غشاشة لا محجبة، وحين تغنّي امرأة بجسدها وتكسب آذان المستمعين بغنجها، وحينما تتمايل وتتمايع فتلك فنانة استعراض لا منشدة للشعر (أو الغناء).

ونعلم جميعاً أن مسلمي المدينة المنوّرة استقبلوا النبي الكريم بالإنشاد، حيث أنشدوا أروع الكلمات "طلع البدر علينا"، وحتى رسول الله أكرم الشعراء وأكرم المنشدين, وأكد بأن من أراد قراءة القرآن فليكن حسن الصوت.

الأمر يتعلق فيما سأغنيه من كلام, وكيفية أداء ذلك الكلام, فإن كان في الأداء إسفافاً حينها سيكون مُعيباً، وسيكون أمراً معيباً لمن تلبس رمز احترام المرأة المسلمة لدينها "الحجاب" أن تؤديه، أما إن أنشدتُ لله ومجّدته بصوتي، ومدحت رسول الله، وتذوّقت طيب كلام الحب المرتبط بحبّ الله وأنشدته للناس، فلا ارى في ذلك عيباً أبداً.

هل تعلّمتِ الغناء بشكل أكاديمي أم أنّه مجرد هواية وموهبة؟

في الحقيقة لقد كنتُ منذ صغري مولعة بأغاني السيّدة فيروز وكنتُ أردّدها في المنزل فلاحظ والدي بأنني ذات صوت جميل، فعلّمني قراءة القرآن وتجويده وقد برعت في ذلك وتبين له بأنني صاحبة صوت جميل كما شاع ذلك بين أقاربنا، فأخذوا يقدمونني في سهراتهم العائلية والموالد، وقد مارست ذلك وتعوّدت على الوقوف أما الجماهير (عائلتي) منذ كنتُ في الخامسة.

ومنذ أيام ورّطتني والدتي بالغناء في كنيسة "الشيروبيم" وكانت ورطة جميلة جداً، حيث كان الحضور يضمّ شيوخاً مسلمين وقساوسة ورهباناً اجتمعوا للصلاة سوياً رافعين ايديهم إلى الله ليحمي سوريا وأهل سوريا، وقد غنّيت لهم وأسمعتهم صوتي.

وأذكر أنني حين كنت في الرابعة عشرة من عمري غنّيت في مسرح الأوبرا أمام جمهور يزيد عن الألف، وكانت تجربة صعبة جداً لأنها كانت المرة الأولى التي أقف فيها على المسرح لأغني، وكانت أول أغنية أنشدتها هي "يا طيبة".

ألا تجدين بأن غناءك وأنت ابنة رجل محافظ سيحرجه؟

والدي هو أول من شجّعني على الغناء شرطَ أن ألتزم بالضوابط التي يؤمن بأنها ضوابط إسلامية، فهو يرى كما أرى أنا بأنّ الحرام حرامٌ بوصفه وليس بنفسه، بمعنى أنه الكلام ليس حراماً ولكن إن تكلمت بالسوء يصبح الكلام حراماً وكذلك الأمر بالنسبة للغناء.

الله سبحانه وتعالى حينما يخلق إنساناً ويعطيه موهبة الصوت ثم يستخدم الإنسان هذه الموهبة في مرضاة الله، وقلت لك بأني قد سخرت صوتي لتمجيد بلادي ولمدح رسول الله والأولياء ولإلقاء الشعر الذي يّسبح الله سبحانه وتعالى، ومع احترامي لكل المهن إلا أنني لن أمتهن الغناء وإنما أنا مؤدية أناشيد في المجالات التي ذكرتها لك.

'الشعر الصوفي يختصر الوجد والحب الذي عبر عنه عارفون كبار بالله'

ألا تتوقعين رفضاً من الأوساط الدينية لوقوفك على المسرح، ونحن نعلم بأن هناك جولة تحضّر لك في أوروبا وأمريكا؟

أنا أحترم موقف الرافضين كما أحترم نفسي بأن أكون متصالحة معها، لأنني حينما أمارس أي فعل أزنه على ميزان مرضاة الله وما أعتقد بأنه دور سخرني الله لكي أمارسه في الحياة.

ويقال لي من قبل صديقاتي بأنني حينما أؤدي الأشعار نفسها فإنهم يحسون بالراحة النفسية، وحتى أن بعضهنّ لسن من المتدينات أصبحن متدينات لأنّهنّ شعرن بتصاغر الدنيا في عيونهن أمام عظمة الله التي أنشدت شعر الوالهين الصوفيين لها، والصوت الجميل الذي يؤدي كلاماً يسبح الله ومخلوقاته قد يلعب دوراً في تقريب البشر بعضهم إلى بعض وقد يقرب نفوساً تائهة إلى ربها وتخشع له.

اشتهرت لك أغنية وطنية بعنوان "إلى سوريا" وهي التي لفتت أنظار المستمعين إليك، وقد لاقى صوتك قبولاً واستحساناً عند المختصّين وعند الرأي العام، فهل سيضمّ ألبومك الأول الذي تعملين عليه الآن أغنيات وطنية؟

في الواقع سيضمّ أغنية وطنية واحدة وخمسة أناشيد من الشعر الصوفي وثلاث قصائد اخرى من اشعار الاستاذ خضر عواركة.

هل تبنت شركة انتاج اعمالك؟

ألبومي الأول من إنتاج شركة "نينار" السورية التي تبنّت إنتاجه بالكامل وتسويقه، وبعد نزوله إلى الأسواق ان شاء الله سوف أسافر جولة إلى بعض العواصم الأوروبية لتقديم حفلات من الغناء الصوفي في مسارح تقوم الشركة الآن بالتواصل معها لترتيبها في الخارج.

هل تشعرين بأن حجابك سيكون رسالة موجّهة إلى الغربيين بأننا في سوريا لسنا متطرفين؟

قد يفهمون الامر كذلك ولا امانع مثل هذا الفهم، ولكني بصراحة لا يهمني ما يفكره الغربيون بنا فأنا فخورة بحجابي وإسلامي وفخورة بالفن الراقي الذي سأقدمه لهم، فإن فهموا بأننا لسنا متطرفين فشكراً لذوقهم، وإن لم يفهموا ذلك فهم بالتأكيد سوف يتساءلون عن سرّ غنائي ووقوفي على المسرح وأنا المحجبة التي سوف أُمنع من أن أمارس عملاً ما في مؤسسة رسمية مثلاً لو كنت فرنسية حيث أن الحجاب هناك ممنوع.

وفي جانب ما سيكون حجابي حجة عليهم لأن حرية المرء لا تتوقف عند حرية الآخرين فقط، بل إنّ الحجاب هو خيار حرٌّ للمسلمات ولا يجب أن يمنعن من ممارسة حرّيّتهن بموجب قوانين وضعية.