عبــد الجليـــل البدوي: ثمة أطراف تريد إعادة تونس لزمن الاستبداد

تونس
'مسار الانتقال الديمقراطي محفوف بالمخاطر'

أهداف حزب العمل التونسي وبرامجه ومواقفه إزاء مختلف القضايا الوطنية وفي مقدمتها الانتخابات والتشغيل والنموذج التنموي ومقاربته لعملية الانتقال الديمقراطي على مختلف المستويات، وكيفية تحقيق تنمية عادلة وشاملة ومستديمة تستفيد منها كل الجهات وكل الفئات, هذه المواضيع وغيرها طرحناها على الخبير الاقتصادي والمنسق العام لحزب العمل التونسي والناطق الرسمي باسمه عبد الجليل البدوي.

أنتم من المتابعين للشأن العام، كيف تقيمون الوضع في البلاد بعد أكثر من أربعة أشهر على الثورة؟

الوضع في البلاد يتسم بوجود عديد الإشكاليات التي تبعث على التخوف وتنبئ باستمرار عدم الاستقرار.

أولا من جانب الحكومة ليس هناك ما يكفي من المؤشرات عن وجود عزيمة سياسية ثابتة وواضحة في ما يخص ملاحقة المتورطين في الاستبداد والفساد ومحاسبتهم لدرى القضاء التونسي، وهذه الوضعية مقارنة مع ما يجري في مصر التي حققت ثورتها بعد تونس، من شأنها أن تبعث الشكوك لدى الرأي العام في ما يتعلق بمسار الثورة.

كما أن هذه الوضعية تتسبب في ضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات القائمة، كما أن التخوف ناتج عن عدم إيقاف عدد كبير من الأشخاص في ولايات مختلفة بخصوص تورطهم في أحداث الشغب والصراعات العشائرية التي حصلت أخيرا في المتلوي وغيرها، ومثل هذه الإطراف التي مازالت تحلم بإعادة الاستبداد أصبحت تهدد إنتاجنا الزراعي بحرق موسم الحبوب وبقطع الطرق على نقل منتجات الخضر والفواكه لبعض الأماكن.

وهذه الفئات تقف في بعض الحالات وراء حركات مطلبية تهدف إلى التعجيز اكثر من أن تهدف إلى تحقيق مطالب شرعية.

والحكومة في هذا المجال مطالبة بحزم أكثر في مقاومة المتورطين في هذه الأوضاع وبتوخي الشفافية والحرص على إعلام الرأي العام في مصير التحقيقات الجارية.

كما أن الأحزاب هي بدورها مطالبة بالقيام بوظيفتها الأساسية في توعية المواطن وتأطيره وتحسيسه بالرهانات الحقيقية وبمخاطر الفوضى التي يمكن أن تقود البلاد إلى ما لا يحمد عقباه.

ومن المؤسف أن نرى أن أغلب الأحزاب منكبة أكثر على قضايا هامشية من شأنها زيادة حدة توتر للأوضاع من ذلك قضايا موعد الانتخابات الذي أصبح عند البعض هدفا في حد ذاته.

ومن جهة أخرى نرى أن بعض وسائل الإعلام المكتوبة والسمعية والمرئية تفتح مجالاتها وفضاءاتها إلى حوارات تساهم في حالات عديدة في توتير الأوضاع عوضا أن تساهم في توضيح الأسباب والمسببات عبر تحقيقات ميدانية وتحاليل موضوعية رصينة تساهم في عقلنة السلوكيات والتخفيف من حدة التوترات وتدعيم علاقات التضامن بين الجهات والفئات الاجتماعية.

وفي كل الحالات لا ننسى أننا في مرحلة دقيقة تتسم بالانتقال من ظرف قمع الحريات وغياب الحوارات وضعف الثقافة السياسية وهذا من شأنه أن يعقد مسار الانتقال الديمقراطي ويجعله محفوفا بالمخاطر.

لكن في مثل هذه الظروف من الواجب أن تلعب النخبة الثقافية والاجتماعية والسياسية دورها بالكامل، كما أن الشعب التونسي مطالب باليقظة التامة حتى لا تسلب منه ثورته وأحلامه في بناء تونس أفضل.

تراجعت نسبة النمو إلى 3.3 بالمئة مقارنة مع نفس الفترة للعام الماضي، برأيكم هل يفسر ذلك بغياب أداء ناجع للقوى المنتجة أو أنه يعود إلى طبيعة النموذج التنموي؟

هذا راجع إلى طبيعة النموذج التنموي الذي قد أظهر بوادر فتور قبل اندلاع الثورة، فقد عرفت نسبة النمو منحى تراجعيا منذ سنة 2007 كما أن عديد القطاعات ومنها السياحة عرفت نفس المنحى وأتت الثورة في هذا الإطار وساهمت في تعميق تراجع النمو هذا إضافة إلى أن هناك أسباب خارجية منها ثورة ليبيا والتقلبات في الأسواق العالمية للمحرقات والمواد الغذائية وأزمة الديون السيادية في منطقة الأورو ساهمت بقدر كبير في تعكر الأوضاع الاقتصادية.

إلا أن هذه الأوضاع لا يجب تهويلها ذلك أن نسبة النمو ستبقى في حدود ضعيفة لكن إيجابية، من 1 إلى 1 فاصل 5 بالمائة، وقد ارتفعت الصادرات خلال الأشهر الخمسة الأولى من هذه السنة بالمقارنة مع نفس الفترة للعام الماضي إضافة إلى أن العجز التجاري قد تقلص كما بقيت نسبة التضخم مستقرة رغم تقلبات السوق العالمية في المواد التي ذكرناها آنفا.كما أن نسبة المديونية العمومية التونسية مازالت في حدود معقولة، أقل من 50 بالمائة، مقارنة مع المديونية العمومية في منطقة الأورو التي تجاوز معدلها 90 بالمائة وبلغت 200 بالمائة في اليابان من الناتج الداخلي الخام، ويعتبر ضعف المديونية إيجابيا لأنه يمكن الدولة من هامش لا بأس به للتداين ومواجهة الصعوبات إذا ما احتدت.

رغم هذه الإيجابيات التي ذكرتها تبقى هناك سلبيات ناتجة عن عدم وضوح الرؤية لدى المستثمرين في ما يتعلق بالمستقبل على المدى القريب والمتوسط وهذا من شأنه أن يتسبب في تراجع الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي.

ورغم هذه الوضعية فالملاحظ أن القطاع البنكي التونسي قد شهد ارتفاعا في نسبة مساهمته في تمويل الاقتصاد مستفيدا من ضخ البنك المركزي التونسي بالسيولة المطلوبة قصد الحد من فتور الدورة الاقتصادية.

وتجدر الإشارة إلى أن كل العوامل الإيجابية المذكورة قد ساهمت في الحد من تدهور قيمة الدينار التونسي وبالتالي الحد من ارتفاع التضخم المالي للمستورد.

ونضيف هنا أن تراجع مداخيل السياحة وتحويلات المهاجرين التونسيين قاد إلى بروز ضغوطات على ميزان الدفوعات الخارجية وتسبب في ارتفاع عجز هذا الميزان من الناتج الداخلي الخام.

إجمالا فإن الصورة العامة للوضع في تونس غير قاتمة خاصة إذا اعتبرنا أن الموسم الفلاحي مشجع حيث ستبلغ صابة الحبوب ضعف ما سجلته في الموسم الماضي، كما أن هناك بوادر تنبئ بنوع من انطلاقة جديدة لموسم سياحي ستساهم في الحد من تراجع القطاع.

لكن يبقى، وبقطع النظر عن هذه التوترات، المواطن يعاني في حياته اليومية من ارتفاع البطالة ومن نوع من تدهور القدرة الشرائية ومن غياب الثقة في المؤسسات التي بقيت على حالها وبنفس الممارسات وفي غياب رؤية واضحة ومطمئنة في ما يخص المستقبل القريب والبعيد.

أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية أن نسبة الفقر تبلغ 27.4 بالمئة في حين أعلن معهد الإحصاء أن نسبة الفقر في حدود 11 بالمئة، بالنسبة لكم كخبير هل نحن بصدد الحديث عن وضع بلدين مختلفين؟

قضية ترقيم الفقر تعتمد على طرق مختلفة تهم تحديد عتبة الفقر ومحتواه ومكوناته المادية وغير المادية.

في كل الحالات فإن مستوى الفقر هو أرفع من مستويات التي وقع الإعلان عنها في العهد السابق، ومن المفيد، قصد تمكين كل المؤسسات والمواطن من معطيات موضوعية تساعد على معرفة الواقع وتحديد أهداف من شأنها أن تنهض بهذا الواقع، من المفيد ضمان استقلالية المعهد الوطني للإحصاء ومطالبته بنشر كل المعطيات على شبكة الانترنت وتحديد بعض المظاهر مثل الفقر والبطالة ومؤشر الأسعار عند الاستهلاك باعتماد طرق تحرص على عدم تنقيص من حدة المظاهر الاجتماعية التي تمس مباشرة حياة المواطن.

ما هي أهداف حزب العمل التونسي وبرامجه؟

أولا، أهداف الحزب تتمثل في بناء قطب ديمقراطي تقدمي له قاعدة جماهيرية عريضة من شأنها أن تخلق توازنات أفضل في الساحة السياسية التونسية التي تتسم بإختلالات خطيرة.

ثانيا، التركيز على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية قصد فتح آفاق تنموية جديدة تستجيب لطموحات الشعب الذي قام بثورة تستهدف في الحقيقة الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية السابقة التي أدت إلى قمع الحريات واتساع الفوارق بين الجهات والفئات الاجتماعية وإلى انتشار الفساد وبروز طبقات طفيلية تستفيد من الاستبداد السياسي لتحويل أكبر قسط من مجهود الشعب ومن ممتلكاته لحسابها الخاص.

وحزبنا سيعمل على إعادة النظر بصفة جدية في مثل هذا المنوال الذي كان قائما في السنوات الأخيرة والذي كان يحافظ على نسبة النمو التقليدية وعلى سياسات إغراق بكل أنواعها .

الإغراق الاجتماعي عبر انتشار أنماط تشغيل هشة، الإغراق الجبائي عبر إسناد امتيازات جبائية مجحفة وحرمان الدولة من موارد تمكنها من الحد من الفوارق الجهوية والاجتماعية، الإغراق التجاري الذي يتمثل مثلا في الميدان السياحي في بيع الإقامة في نزل خمسة نجوم بأسعار ثلاث نجوم، الإغراق النقدي الذي يتمثل في ارتفاع نسبة الديون غير المسددة لدى البنوك نظرا لتدخل السياسة لإسناد قروض لطبقات طفيلية ليس لها ضمانات كافية وليس لها القدرة على إنجاح المشاريع الممولة، وقد تسبب الإغراق النقدي في انهيار مستمر لقيمة الدينار التونسي .

ومن منطلق هذا التشخيص سنعيد النظر في نمط التنمية قصد بناء تنمية شاملة مستديمة وعادلة، وهذا البناء سيقوم على حرصنا على إعادة الاعتبار لقيم أساسية وقع تهميشها في السابق رغم أنها تمثل الركيزة والقاعدة الصلبة لكل عمل تنموي، وهذه القيم تخص بالأساس قيم العمل والمعرفة والمؤسسة والمواطنة، وبدون هذه القيم لا يمكن بناء مشروع تنموي واعد.

إن بديلنا الاقتصادي والاجتماعي سنحرص على بنائه بالرجوع إلى أطر فكرية لها مرجعياتها وأهدافها وقادرة على استيعاب البرامج بصفة تحقق التكامل والانسجام بين الأهداف.

ومن هذه الأطر نخص بالأساس الديمقراطية الاجتماعية التي تقوم على مبدإ الحرية والعدالة والتضامن ونحرص على تحقيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى جانب الحقوق المدنية والسياسية.

والإطار الثاني يخص الديمقراطية المحلية التي سنعمل على ترسيخها انطلاقا من تهيئة ترابية جديدة تقطع مع التمشي الإداري والأمني الذي كان سائدا وتسمح ببناء جهات أو أقاليم متكاملة من الناحية الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية وقادرة على استيعاب برامج تنموية مندمجة وعلى تكريس لامركزية حقيقية قائمة على هياكل محلية منتخبة ومتمكنة من موارد مالية وبشرية تجعلها قادرة على تحمل المسؤوليات المناطة بعهدتها.

وهذا التمشي يندرج في إطار إعطاء الأولوية للاندماج الوطني عبر برامج طموحة تخص تنويع وتوسيع وتحسين البنية التحتية من جهة وبرامج لا تقل طموحا تخص الحفاظ على الموارد الطبيعية عبر مقاومة التصحر والانجراف والتلوث وتعشيب المراعي وإبراز الخصوصيات المحلية والجهوية في كل الميادين الثقافية من عمران وفنون شعبية وتراث ثقافي ومسالك سياحية.

إلى جانب هذه الأطر سنعمل على تحديد أهداف وأولويات ومراحل في إطار إبرام عقد اجتماعي جديد يمكن من إصلاح أربعة أنظمة أساسية:

ـ نظام التشغيل قصد الرفع من نسق خلق مواطن الشغل ومن مقاومة أنماط تهميش التشغيل.

ـ نظام التأجير قصد تغليب جانب التعاون على جانب الصراع والنهوض بالعلاقات المهنية ونشر ثقافة المؤسسة خدمة للإنتاجية والجودة والتوزيع العادل للثروة.

ـ النظام الجبائي الذي يتسم بحيف مشطّ تقرّ به جميع الأطراف حسب الاتصالات التي نقوم بها مع الأطراف المعنية لصياغة هذا العقد.

وفي هذا الإطار سنقوم بتوزيع وبصفة تدريجية العبء الجبائي بين مختلف الأصناف الاجتماعية طبقا لنسبة نصيبهم من الثروة.

ـ وأخيرا إصلاح نظام الحماية والحيطة الاجتماعية وذلك في إطار إصلاح منظومة الصحة قصد ضمان تمويل الصناديق المختصة وجودة خدماتها وتمكين كل المواطنين من هذه الخدمات.

وإلى جانب العقد الاجتماعي سنحرص على صياغة عقد بيئي يضمن استدامة التنمية القائمة على مصالحة الإنسان مع الإنسان ومصالحة الإنسان مع محيطه ومصالحة الأجيال الحاضرة مع الأجيال اللاحقة وذلك قصد الحفاظ على مواردنا الطبيعية وحسن استغلالها والحفاظ على سلامة محيطنا البيئي والحفاظ على حقوق الأجيال

اللاحقة.

النموذج التنموي الذي انتهجته تونس هو نموذج ذو مسحة ليبرالية ينسجم مع توجهات المؤسسات المالية العالمية، ما هو موقف حزبكم من مسألة الليبرالية؟

النموذج الذي تبناه النظام السابق هو نموذج وقع اعتماده انطلاقا من تشخيص قامت به دوائر عالمية معروفة بارتباطاتها بالاختيارات النيوليبيرالية .

كل هذه النتائج وقع تسجيلها بدون اعتبار نتائجها السلبية من اتساع الفوارق بين الجهات وبين الفئات والتخلي على معالجة قضايا التنمية ومقاومة الفساد واحتكار السلط السياسية والاقتصادية وتفكك النسيج الاجتماعي وضعف النسيج الاقتصادي.

ولا غرابة في هذه الحال أن تقع ثورة عارمة هي في الحقيقة ثورة ضد الاختيارات النيوليبيرالية التي لا علاقة لها بحرية المبادرة وتشجيع المؤسسة والاستثمار وإعطاء أكثر دور لآليات السوق في تعديل الدورة الاقتصادية، لأن الاختيارات النيوليبيرالية أدت في الحقيقة لا إلى إرساء قانون السوق لتمكينه من لعب دوره في توظيف الموارد المالية والبشرية بل أدت في الحقيقة إلى انسحاب الدولة من دورها الاقتصادي وفتح المجال أمام إرساء قانون الغاب في ظل القمع والاستبداد خدمة لبروز طبقات جديدة طفيلية شوهت الصورة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية للبلاد التونسية.

وحزبنا، حزب العمل التونسي سيقطع مع كل هذه المظاهر عبر إرساء نمط تنمية يوفر في ظل دولة القانون والمؤسسات مناخ أعمال يساهم في تشجيع المبادرة الفردية وتدعيم المؤسسات الاقتصادية وإعطاء أولوية للتعامل والتضامن بين كل الأطراف (قطاع عام وقطاع خاص، جهات، فئات، عناصر إنتاج داخل المؤسسات...) لأننا نعتبر ان التنمية لا تقوم فحسب على عملية تراكم رأس المال المادي والبشري فقط وإنما تقوم كذلك على تطوير رأس مال اجتماعي داخل كل منطقة وداخل كل مؤسسة ذلك أن رأس المال الاجتماعي يعتبر بمثابة عنصر إنتاج يساهم في تطوير الإنتاجية وتدعيم التنمية.

وهو مخزون إنتاجية لا يستهان به من شأنه، عندما يقع تطويره، أن يساهم في دفع التنمية وتمتينها.

من أهم الأولويات الوطنية اليوم التشغيل لكن في المقابل إزاء نسيج مؤسسات هش، كيف ترون التوفيق بين استيعاب العاطلين من جهة والمحافظة على أداء المؤسسات من جهة أخرى؟

التوفيق يتطلب كما ذكرت إعادة النظر في النمط التنموي برمته لأن التشغيل ومستواه هو في الحقيقة نتاج لنمط وحركية تنموية وديمغرافية واجتماعية.

وبالتالي لا يمكن الرفع من نسق خلق مواطن الشغل دون هذه المراجعة.

كما أن التشغيل يعتمد على توسيع عديد المؤسسات والاتجاه إلى تحقيق تنويع الاندماج بين الأنشطة ، ويتطلب أيضا تدعيم المؤسسات وخاصة باتجاه النهوض بالعلاقات الاجتماعية والمهنية وتدعيم ثقافة العمل والتعاون والانتماء للمؤسسة.

كما يتطلب التشغيل تكاملا وتلاقيا بين حركية منظومة الإنتاج والمنظومة التربوية، والجدير بالذكر أن الوضع الحالي على مستوى منظومة الإنتاج، بعد تراجع دور الدولة، أصبح يتسم في الأساس بخلق أنشطة اقتصادية تعتمد على تشغيل يد عاملة غير كفأة وبأجور بخسة (الصناعات الغذائية، النسيج، الميكانيك، الكهرباء، السياحة...).

أما منظومة التربية والتكوين فإنها تتجه نحو إنتاج حاملي شهادات عليا ذوي كفاءات واختصاصات متنوعة، وقد نتج عن هذا عدم التقاء حركية المنظومتين وارتفاع الضغط في سوق الشغل وخاصة ارتفاع نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات العليا.

وبالتالي فإن معالجة قضية التشغيل يجب أن تأخذ بعين الاعتبار كل هذه الجوانب قصد تحديد نمط تنمية جديد قادر على فتح افاق واعدة لامتصاص البطالة بصفة جدية.

من أبرز خصوصيات المجتمع التونسي وجود طبقة وسطى لكن هذه الطبقة ضعفت خلال السنوات الأخيرة، كيف ترون إعادة الاعتبار إليها؟

هنا أريد أن أؤكد أن إعادة النظر في نمط التنمية يجب أن يندرج في إطار نظرة مجتمعية تتجاوز التنمية بمفهومها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وحزب العمل التونسي يتميز بكونه قد ضبط مقاربة مجتمعية تقوم على أربعة أسس:

أولا: ضرورة إعادة الاعتبار لقيم العمل والمعرفة والمؤسسة والمواطنة لضمان أرضية صلبة تقوم عليها البرامج الاقتصادية والاجتماعية.

ثانيا : اعتماد تمش يحرص دائما على تدعيم التعاون والتضامن والتكامل على كل المستويات انطلاقا من مقاومة الأنانية والفئوية والجهوية والعشائرية والمصلحية الضيقة.

ثالثا: الحرص على تدعيم وتوسيع الطبقة الوسطى عبر إعادة الاعتبار للمصعد الاجتماعي من خلال نشر جملة من القيم مثل العمل والمعرفة التي تمثل قيما هامة تمكن من تحقيق الذات والاندماج والرقي الاجتماعيين .والطبقة الوسطى لها مزايا متعددة حيث أنها أولا تتميز بحسها الضافي فيما يخص تحقيق العدالة الاجتماعية ورفض الشطط والفوارق وحرصها على التوازن ، وثانيا ، ومن هذا المنطلق تمثل الطبقة الوسطى عنصر استقرار اجتماعي وسياسي وعنصر تماسك النسيج الاجتماعي، وثالثا ، ونظرا لمستوى مدخولها، تمثل هذه الطبقة خاصة عندما تتسع رقعتها عنصرا هاما في تنشيط الطلب الداخلي والدورة الاقتصادية، ورابعا تقوم النظرة المجتمعية على ضرورة تجاوز المنطق السلعي والنظرة التي تعتمد قصر المدى في التعامل مع الإشكاليات الاقتصادية العامة، سواء كانت تخص قضية الاستثمار أو الاستهلاك أو الأمن الغذائي.

من هذا المنطلق فإن مفهومنا للرفاه والاستهلاك لا يقتصر على الجانب المادي بل يتجاوزه ليشمل الجانب الثقافي حيث أنه دون غذاء ثقافي بكل أنواعه لا يمكن تدعيم المواطنة وجعل المواطن عنصرا فاعلا في المجتمع وفي التنمية.

إن مفهومنا للأمن الغذائي يتجاوز المفهوم السائد والقائم على نظرة تجاروية قائمة بدورها على منطق سلعي وتعتمد تحقيق توازن بين الميزان التجاري الغذائي أي تحقيق توازن بين صادرات وواردات المواد الغذائية.

وقد قادت هذه النظرة إلى استيراد الوجبة الرئيسية (حبوب وزيوت..) ودفع الإنتاج الفلاحي المحلي نحو تصدير المفتحات والفواكه والورود المستعملة بكثافة لموارد نادرة مثل الموارد المائية ولاستيراد جملة من عناصر إنتاج هجينة غير قابلة لإعادة الإنتاج وخلق علاقات تبعية دائمة في ميدان حساس هو ميدان الغذاء.

إن مقاربة حزبنا التنموية تعتمد نظرة متوسطة وبعيدة المدى تحرص على تحقيق أهداف إستراتيجية ولو كانت في المدى القصير على حساب الربحية العاجلة، مثلا إلى حد الآن ورغم توفير إنتاج الحليب فقد وقع دائما إبعاد إقامة مشروع لتجفيف الفائض على أساس أن سعر الاستيراد أقل من تكلفة الإنتاج المحلي، وقد قادت هذه النظرة الضيقة إلى إتلاف فائض الحليب رغم السياسات التي اعتمدت والموارد التي وظفت لتشجيع تربية الماشية وإنتاج الحليب.

قلتم إنكم ترفضون هيمنة المال على العمل السياسي، ماذا تعنون بذلك؟

العمل السياسي يتطلب تحديد قواعد اللعبة قصد توفير المنافسة الشريفة في ظل الشفافية من ناحية، وعدم انزلاق الأطراف السياسية في علاقات هيمنة سواء كان مع أطراف داخلية ذات نفوذ مالي أو أطراف خارجية تترصد مصالح الوطن.

والمشهد السياسي الحالي يتسم للأسف بمظاهر الاختلال المادي بين الأطراف القائمة مع غياب قوانين تحدد كيفية تمويل الأحزاب وضبط مصادر هذا التمويل.

ومن المفروض العمل على سن هذه القوانين بأسرع وقت حتى نضمن المنافسة الشريفة واستقلالية الأحزاب وعدم توظيفها لخدمة مصالح مشبوهة.

ما هو موقف حزبكم من الجدل الحالي حول الانتخابات؟

إن الصراع حول توقيت الانتخابات يساهم في تهميش العمل السياسي وتغذية الصراعات الهامشية بين المواطنين، ذلك أن المهم في هذه المسألة ليس توقيت الانتخابات بل ضرورة الانتخابات لأن الهدف هو تحقيق انتخابات ديمقراطية وليست انتخابات صورية ، وقصد بلوغ هذا الهدف يجب توفير كل الظروف والشروط طبقا للمقاييس الدولية التي من شأنها أن تضمن انتخابات حرة شفافة وعادلة.

وتونس لم تعرف في تاريخها إلى حد الآن انتخابات ديمقراطية وسلط سياسية نابعة من إرادة شعبية ويمكن لها أن تترقب بعض الوقت لضمان الشروط المطلوبة لإنجاز انتخابات ديمقراطية لأن الخوف الكبير هو أن يقع الارتجال وينتج عنه التشكيك في مصداقية الانتخابات وعدم القبول بنتائجها وعندها تكون الطامة العظمى لا قدر الله.

ونحن في حزب العمل التونسي نحترم استقلالية الهيئة العليا للانتخابات ونثق في تقييمها للظروف الموضوعية ونحترم حرصها على إنجاح الانتخابات عبر توفير كل الظروف الملائمة.

كيف ترون العلاقة بين العمل السياسي والدين؟

نحن نعتبر أن الخلط بين السياسة والدين يمثل خطرا على السياسة والدين في آن واحد، ذلك أن الفضاء السياسي هو فضاء يلتقي فيه المواطنون لتنظيم حياتهم العامة في كل الميادين قصد تحقيق استقرار واستمرار الحياة والتنمية والرقي للمجتمع.

وهذا الالتقاء يتسم في أغلب الأحيان بلقاء مصالح متضاربة ومتناقضة تقود غالبا إلى صراعات.

وحشر الدين في هذا المجال يمثل خطرا لأنه سيقود إلى إعطاء بعد ديني لهذه الصراعات خاصة وان الاجتهادات والمرجعيات الدينية تختلف من فئة إلى أخرى، وإعطاء صبغة فقهية للصراعات من شأنه أن يمس من قدسية الدين ويبعده عن القيام بدوره التوحيدي وهو دور أساسي.

كما أن الصراعات الدينية من شأنها أن تعقد الصراعات حول القضايا الدنيوية وأن تؤجل الإسراع في إيجاد الحلول لهذه المشاكل الدنيوية.

إن تحييد الدين عن السياسة من شأنه أن يحافظ على قدسية الدين ودوره التوحيدي من جهة، وأن يجعل السياسة متفرغة لتنظيم الحياة الدنيوية وإيجاد الحلول لعديد الإشكاليات المطروحة على أساس احترام الحريات واعتماد التمشي الديمقراطي والوفاق والتعاون بين الفئات ذات المصالح المتباينة.