علماء الآثار والعودة الى العراق: خطوة الى الأمام واثنتان الى الخلف

بغداد - من جاك كليمان
أكثر من 12 الف موقع اثري في العراق

بدأ علماء آثار أجانب يعاودون استكشاف المواقع الأثرية العراقية، إلا أن الوضع الأمني الذي يبقى هشا بعد ثماني سنوات من سقوط نظام صدام حسين، لا يزال يردع غالبية هؤلاء عن الخوض في خبايا جنوب العراق، قلب بلاد ما بين النهرين.

من اقليم كردستان الشمالي الذي يتمتع باستقرار امني نسبي، اختار معظم علماء الاثار الانطلاق في مهماتهم من جديد في العراق الذي يحتضن اكثر من 12 الف موقع اثري، بقيت على مدى ثلاثة عقود محاصرة بنيران الحروب والعقوبات الدولية.

وتقول عالمة الآثار الفرنسية ومديرة الابحاث في المعهد الوطني للابحاث العلمية كريستين كبينسكي ان "العلماء الاجانب يراقبون الوضع عن كثب، الا ان عددا قليلا منهم فقط يتوجه الى بغداد".

وتوضح ان "اعدادنا تزداد في كردستان تحديدا"، مشيرة الى نشاطات منذ العام 2006 لجمعيات وعلماء آثار من تشيكيا وايطاليا وبريطانيا وهولندا واليونان وفرنسا والمانيا.

ويقوم علماء المان منذ العام 2009 بالتنقيب في موقع صغير قريب من قلعة اربيل (320 كلم شمال بغداد)، على ما تؤكد مديرة قسم الشرق في المعهد الالماني لعلوم الاثار مارغاريت فان اس.

وكانت كبينسكي وفان اس شاركتا العام 2002 في آخر حملتين اجنبيتين للتنقيب عن الاثار في العراق قبل الاجتياح الاميركي للبلاد في العام التالي. وكان هدف البعثة الفرنسية مدينة سنجار على بعد حوالي 400 كلم من شمال غرب بغداد، فيما كانت نظيرتها الالمانية تعمل في اوروك جنوب البلاد.

ويذكر ان قطاع الاثار العراقي شهد تجميدا للاعمال فيه خلال الحرب العراقية الايرانية (1980 - 1988) والعراقية الكويتية عامي 1990 و1991.

ويختار علماء الاثار الاجانب اليوم البدء في رحلتهم من كردستان، مستندين في هذا القرار الى امرين اساسيين، اولهما انه لم يجر اكتشاف هذا الاقليم بشكل كامل بعد، والاهم من ذلك انه يتمتع بهدوء واستقرار بعدما استطاع، الى حد بعيد، تجنب اعمال العنف التي لا تزال تهز البلاد يوميا منذ العام 2003.

ورغم ذلك، يخطط بعض العلماء والخبراء للعمل في جنوب البلاد، وبينهم العالم اللغوي الايطالي والبروفسور في جامعة سباينزا في روما فرانكو داغوستينو.

ويامل داغوستينو في زيارة موقع ابو طبيره قرب مدينة الناصرية (305 كلم جنوب بغداد) في الخريف المقبل، على ان تشكل رحلته "مهمة التنقيب الاجنبية الاولى في الجنوب العراقي منذ العام 2003"، على ما يقول.

ويشمل الموقع مدينة اور التي كانت مسكونة من بداية الالفية الثالثة وحتى منتصف الالفية الثانية قبل الميلاد ومثلت حينها مركز الحكم في بلاد ما بين النهرين، على امل ان تؤدي اعمال التنقيب فيها الى فهم اضافي للعلاقات بين المدن المختلفة في الحقبة السومرية.

ويقول داغوستينو ان هذه المهمة تحمل ايضا طابعا "سياسيا".

ويرى انه "من المهم اظهار ان المهمات الاجنبية تستطيع العودة للعمل في العراق، وتجاوز المخاوف والثقة بالعراقيين"، مضيفا انه "اذا قال زملائي العراقيون اننا نستطيع العودة، فيجب ان نستمع اليهم".

وتعتبر محافظة ذي قار حيث الموقع الاثري، احدى اكثر محافظات العراق استقرارا، فيما تتركز معظم اعمال العنف في بغداد والمحافظات المحاذية لاقليم كردستان شمال العاصمة.

ورغم ذلك، يبقى الوضع الامني مصدر قلق بالنسبة الى علماء الآثار، وبينهم داغوستينو.

ويقول العالم الايطالي انه "في حال حدوث مشكلة معنا، فان عمليات التنقيب ستتأجل لعشرين سنة اخرى".

وشهدت بلاد ما بين النهرين في القرن التاسع عشر منافسة بين علماء الآثار البريطانيين والفرنسيين، قبل ان ينضم الى هذه المنافسة الاميركيون والالمان وعلماء وباحثون من دول اخرى بحثا عن الكنوز الاثرية في العراق.

ويقول دبلوماسي غربي ان "منطق الاستعمار هذا لم يعد موجودا".

ويوضح انه "لا تزال هناك مدارس مختلفة تعمل في هذا القطاع، لكن بعيدا عن روح المنافسة التي كانت تقوم على افكار جيوسياسية ومادية، حيث ان البعثات كانت تغادر العراق وحقائبها مليئة بالاثار لوضعها في متاحف بلادها".

ويشدد الدبلوماسي الغربي على ان "العراقيين يريدون وضع يدهم على كل ما يتعلق بهذه الآثار، ولذا فنحن نعمل على اعادة اطلاق مهمات التنقيب بروح تعاون".