الأحزاب الكرديّة السوريّة، وفرصة اللقاء والحوار مع الرئيس الأسد

بقلم: فاروق حجّي مصطفى

حديث تلبيّة الأحزاب الكرديّة لدعوة اللقاء بالرئيس السوري بشار الأسد يتفاعل لحظة بلحظة. فما أن تسرّب خبر دعوة الأحزاب الكردية (12 حزباً كرديّاً) حتى بادر الكل لكي يدلوا بدلوهم، ويقواموا بتقديم النصح لقادة الحركة الكرديّة.

لا يخفى على أحد أن غالبيّة الشباب الكرد وخاصة المنضوّن تحت خيمة "الثورة السوريّة" غير مكترثة لأي لقاء مع السلطة. وسرعان ما طالب هؤلاء الشباب عبر وسائل عدة أهمها عبر الانترنت من الأحزاب الكردية أن لا تذهب الى اللقاء قبل أن تتشاور مع المعارضة الوطنيّة الديمقراطيّة الأخرى، وكذلك التشاور مع اللجان التنسيقية للثورة الموزعة على طول البلاد وعرضها. ولم تقف دعوات رفض اللقاء على حدود شباب الثورة، إنما امتدت لتأخذ مداها في أوساط صنّاع القرار الكردي وأوساط غالبيّة كوادر ومناصري ومؤيدي الأحزاب الكردية التي ما انفكت وهي تعاني من صعوبة اتخاذ القرار، ولعل مرد رفض اللقاء يعود الى إحترام الشهداء، هذا فضلاً على أن السلطات لم تعر إهتماماً الى نداءاتهم وتطلعاتهم ورؤاهم وفضلت الحلّ الأمني على حساب الحلّ السيّاسي.

ولا نستغرب أن الأحزاب الكرديّة المدعوة للقاء تعاني من حيرة قاتلة. فهي الآن بين حجّري الرحى، من جهة ترى أوساطاً واسعاً من القاعدة الشعبيّة رافضةً للقاء، ومن جهة أخرى ترى أن لا سبيل غير الحوار أو اللقاء لحل أزمات البلاد.

الظاهرّ للعيّان أن موقف الحركة الكردية من اللقاء ما زال يشوبه التباس ولم يتضح بعد. ولعل السبب يعود الى تشذرم الحركة الكرديّة. وإن بدّت حتى الآن بأنها تعمل ضمن صيغة موحدة، الا انها في واقع الحال فهي منقسمة على نفسها وذلك بسبب أفتقار هذه الأحزاب إلى "مرجعيّة القرار". وما زال في البال ان التحالف الديمقراطي الكردي وهو إطار ينضوي تحته ثلاثة أحزاب منذ سنوات ناضلوا وكرّسوا وقتهم لأجل بناء مرجعية للقرار الكردي. الا ان التحالف فشل في انجاز مثل هذه المرجعية بسبب غياب ارادة كردية لانجاز مثل هذا الاطار. ولهذا نراها في موقع المحرّج وغير القادر على اتخاذ موقف موّحد من اللقاء أو رفضه! تجدر الإشارة ما يحصل اليوم هو أول إختبار بالنسبة للحركة الكرديّة. لكن ما لا ندركه هو كيف سيكون وضع الأحزاب في حال واجهت اختبارا آخر أكثر حدةً وتأثيراً في الأيام القادمة؟

يلوح في الأفق المأزق الذ يلتف على خاصرة الحركة الكرديّة. وإلّا لماذا يخرج الأستاذ فؤاد عليكو (برلماني سابق ومن أبرز القيادات في حزب يكيتي) ويقول على الملأ وعبر شاشات التلفزة بأن الحركة الكردية "لا ترفض الحوار من حيث المبدأ". وسرعان ما نسمع حديثا معاكسا. إذ قرأنا بيانات صادرة عن عدد من الأحزاب مفادها إنهم لا يذهبون الى أي لقاء قبل التشاور مع بقيّة المعارضة الأخرى. وهذا مطلب محق، وله دلالة سياسيّة وأخلاقيّة. ولكن ما لا يمكن قبوله هو لماذا لا تعلن كل الاحزاب نفس الموقف؟

الأمر الآخر المقلق هو الحديث عن تدخل بعض القوى الكردستانيّة في القرار الكردي السوري، إذ أن عمر أوسي (رئيس المبادرة الوطنيّة الكردية - غير معارض للسلطة) يتحدّث مع جريدة "الوطن" السوريّة بأن الطالباني والبرازاني وعبدالله أوجلان (المسجون في تركيا منذ عام 1999) طلبوا من الحركة الكرديّة الانخراط في الحوار الوطني. والسؤال لماذا لم يصدر أيُّ حزب كردي سوري بياناً يفصح عن استقلاليّة القرار السياسي الكردي السوري، وتركوا الأمر والبيان وكأن شيئا لم يحدث؟ هذا هو القدر وإلاّ كيف سيكون الصاق مثل هكذا التٌهم بالحركة الكرديّة على أنهم غير مخوّلين بإتخاذ قرار مستقل يخص مستقبلهم ومستقبل حركتهم وشعبهم.

نعتقد أن الحركة الكرديّة لا تحتاج إلى كل هذه الديباجة الطويلة، ولا فائدة من عملية المزايدات الوطنية والشعاراتية، فهي تمتلك "مبادرة" وهي مطروحة منذ فترة للخروج من الازمة الوطنيّة. ففي مثل هذه الاحوال لا يحتاج المرء الى التفكير العميق، ويقول بينه وبين نفسه: ما العمل؟ فالحركة من المفترض أن تتخذ موقفها بناء على مستوى الذي تم التجاوب مع مبادرتها..وهذا ما لم يحدث!

استطراداً.. ما أن تم جسّ نبض الحركة الكرديّة، بدأت تلك الشخصية الكرديّة "العتيقة" التي لم تطأ قدماها أرض الوطن منذ الثمانينات بتلاوة إملاءات على الحركة الكرديّة. مع أن هذه الشخصيّة قدمت إستقالتها من الفاعليّة السياسيّة الكرديّة منذ سنوات على أساس أنها صارت رجل الثقافة ولا علاقة لها بالسياسة. هذا الشخص الذي انتقد "إعلان دمشق" يوماً مؤاخذاً على رؤية "إعلان دمشق" من حلّ المسأـلة الكرديّة لكنه سرعان ما أصبح رمزاً لـ"جبهة خلاص" ووقع على بيانها الذي لا يحقق أي معجزات بخصوص حقوق الأكراد، وسرعان ما انتفض بوجه "الجبهة الخلاص" عائداً إلى قصره ليأخذ نفساً عميقاً إلى أن اشتعلت الإحتجاجات وصار يتحرك مع المعارضة السوريّة في الخارج قافزاً بنفسه على رأي وموقف الحركة الكرديّة التي أعلنت صراحة بعدم الحضور "مؤتمر أنطاليا" وصار يمثًّل الكتلة الكرديّة في المؤتمر. سبحان مغيّر الأحوال!

من المؤكد إن الحركة الكرديّة في سوريا سوف لن تنظر الى الأمور بعين هذه الشخصيّة الكردية وسوف لاتؤثر ما تطرحه هذه الشخصيّة على قرار الحركة.

والحال، اعلن بعض الأحزاب بأن الحركة تتشاور مع حلفائها من المعارضة الداخليّة وهذا أمر جيد ومهم ويؤسس لفكرة التشاور والحوار بين الأطراف المعارضة السوريّة والكرديّة، خصوصاً وأن هذه المعارضة بحاجة الى تمرين نفسها على الحوار لأنها كانت في موقع شبه جامد منذ ان أعتقلت السلطات قيادة "اعلان دمشق" عندما أسس الإعلان مجلسه الوطني والذي أنضوى تحت لوائه ممثلون من كافة المحافظات وكل التكويانات المجتمعية والسياسيّة السوريّة.

ومن هنا فأن الحركة الكرديّة ترى نفسها وهي تلعب دوراً إيجابياً مع كل فكرة تساهم في انقاذ البلاد من المأزق الوطني، ولكن يبدو أنها بحاجة الى فرصة لتمعن النظر في المشهد الوطني بشكل الأكثر عمقاً. والحق إن عددا كبيرا من الاحزاب سوف تشارك في لقاء الرئيس عسى ولعل أن تكون فاتحة للخير العام من خلال تقديم رؤاها وأفكارها التي قد تكون مغايرة عن تلك التقارير التي تقدم إلى الرئيس.

بقي القول، أن عددا من الاحزاب الكرديّة ستوافق على حضور اللقاء وهي ترى فيه فرصة لها لطرح رؤاها وأفكارها للحل والخروج من الأزمة .وثمة فكرة أخرى مفادها ان الأكراد يريدون من وراء هذا اللقاء إرسال رسالة أنهم لا يعملون تحت أي تأثير من المفاعيل والمؤتمرات، إذ يصرون على رسم مستقبلهم وعلاقاتهم بمحض إرادتهم وتبعاً لقراءتهم للواقع السوري.

فاروق حجّي مصطفى

كاتب سياسي كردي سوري