المخرجون العشرة الأكثر جنونا في العالم 1 ـ اكيرا كوروساوا

ترجمة: طاهر علوان
إنجازات مدهشة

مما لا شك فيه ان هنالك نخبة من المع المخرجين الكبار اللذين شكلوا علامات فارقة وخطوا لأنفسهم مسارات مميزة شكلت فيما بعد مدارس حقيقية ذائعة الصيت خاصة الراحلين بينما مازل عطاء الأحياء منهم يلفت الأنظار بشكل مستمر. وقد لفت نظري هذا العنوان "المخرجون العشرة الأكثر جنونا" ودفعني ان اتأمل لماذا وصفوا كذلك بالرغم من كل عبقريتهم لأكتشف ان تلك العبقرية كانت قد بلغت حدا يصل الى حافة الجنون. ولهذا قررت ان اقوم بترجمة السلسة كاملة. (ط .ع)

كلمة اولى

مما لاشك فيه أن الشخصيات الأكثر جذبا للانتباه على مر تاريخ السينما هم المخرجون والمخرجات من خلال تجاربهم الطليعية والمهمة بين تنصرف أنظار الجمهور تقليديا إلى الممثلين والممثلات، النجوم والنجمات الأكثر تأثيرا في أوساط المشاهدين وغالبا ما كان الكثير من اولئك المخرجين بسحب منطقة تألق الممثين الى نوع من التمركز حول رؤية المخرج التي تصل احيانا الى نوع من الجنون المحض المرتبط بالنبوغ والعبقرية.

في هذه السلسلة اخترنا عشرة من تلك الشخصيات الإستثنائية من بين مئات المخرجين، وصنفناها ضمن ثلاث فئات تلتقي في صفات الشجاعة، النرجسية، الغطرسة، المرض النفسي وقد جمعت وصنفت على وفق معايير ثلاث: الفئة الأولى ترتبط بطبيعة العمل، المخرجون المولعون بالأعمال الصعبة، الغرائبية والتي تنطوي على مخاطر وهي تشكل اعلى درجة في هذه القائمة.

في الفئة الثانية: هنالك المخرجون الذين لديهم متطلبات كثيرة يفرضونها ابان عملية الإنتاج وتنسحب تلك المطالب الكثيرة على فريق الإنتاج ذاته وعلى الممثلين، وكلما كان المخرج أكثر مطلبية انتاجيا كلما ارتقى الى قائمة المخرجين المتعبين بشكل فظيع وبالتالي صاروا يحتلون مرتبة متقدمة يستحقونها في القائمة.

أما الفئة الثالثة والأخيرة من المخرجين فهم فئة المخرجين الذين تنعكس طباعهم وطريقة حياتهم من خلال اعمالهم، بعض منهم لديه وساوس وسلوكيات شخصية غريبة لا يستطيعون التخلص منهما وتنعكس في تعاملهم مع فريقهم العامل معهم وكذلك في داخل أفلامهم.

عندما تجتمع هذه المواصفات الثلاث سنحصل من دون ادنى شك على على قائمة المخرجين الأكثر جنونا الذين يتمتعون بسمعة خلاصتها ان افلامهم من النوع الذي لا يتكرر ولنبدأ من اسفل القائمة من المخرج رقم 10 وهو المخرج الياباني الكبير اكيرا كورورساوا.

إنجازت كوروساوا المدهشة

مما لا شك فيه ان كوروساوا يعد واحدا من المع الفنانين الموهوبين والمؤثرين في القرن العشرين. لقد أسست أفلامه الثلاثون "نوعا خاصا" اثرت فيما لا يعد ولا يحصى من المخرجين في كل أنحاء العالم.

فيلمه الأكثر شهرة (الساموراي السبعة – 1954) هو عمل إبداعي فريد من نوعه بحق وقد أسس نوعا فيلميا خاصا هو فيلم الحركة / المغامرة حتى عد الأكثر تميزا ومن أعظم الأفلام التي انجزت حتى ذلك التاريخ. اما فيلمه (راشومون – 1951) فهو اول فيلم ياباني يحصل على مثل تلك السمعة العالمية من خلاله عرضه في العديد من المهرجانات وواحد من عناصر تميزه انه اسس لنوع سردي جديد حتى صار شائعا تقييم بعض الأفلام المنتجة بعده انها تتسم بتأثيرات راشومون .

اما فيلمه "اكيرو" 1952 فكان استجابة عميقة وانسانية لرائعة فرانك كابرا "انها حياة رائعة" 1946 ليطورها فيما بعد في فيلمه الكبير والمهم "القلعة الخفية" 1958. وقد ألهمت القصة والشخصيات في هذا الفيلم بعد ذلك بسنوات مخرجا كبيرا هو جورج لوكاس في فيلمه "حرب النجوم".

واخيرا يأتي فيلمه "يوجيمبو" 1961 الذي يعد رائعة اخرى تلقفها العديد من المخرجين ومثال ذلك ثلاثية سيرجيبو ليوني وكلنت ايستوود "رزمة من الدولارات" (1964)، "من اجل حفنة من الدولارات" (1965)، "الجيد، السيء والقبيح" ( 1966).

الجنون

عرف كوروساوا بأنه قائد فريق العمل المتشدد والصارم الى حد التعسف احيانا، وايضا ذلك المهووس ببلوغ اعلى درجة من الاكتمال.

كان كوروساوا يكنى بأنه "تينو" في اللغة اليابانية والتي تعني " الأمبرارطور". لقد كان يعكس سيطرته المطلقة التي تصل الى حد الديكتاتورية من خلال اصدار الأوامر الصارمة. هنالك العديد من القصص التي تكشف الى اي مدى سيذهب كوروساوا من اجل الوصول الى اللقطة التي يتخيلها ويريد تنفيذها حرفيا وفي منتهى الدقة والاكتمال. فمثلا من اجل تصوير مشهد من مشاهد فيلمه "راشومون" أراد تصوير عاصفة شديدة المطر، وخلال ذلك قرر خلط الماء بالحبر لغرض يجري رشها من عربات الأطفاء العديدة في موقع التصوير ودفعة واحدة على موقع التصوير على ان تظهر تلك التفصيلات الدقيقة للون المطر في عدسة الكاميرا.

وفي فيلمه "عرش الدم" 1957 المأخوذ عن مسرحية مكبث لشكسبير لم يلجأ كوروساوا لاستخدام السهام غير الحقيقة التي تستخدم عادة في افلام المبارزة والأفلام الحربية في العصور الوسطى بل عمد الى تنفيذ الإعدام رميا بالرصاص وخلال التدريبات جلب رماة حقيقين يطلقون ذخيرة حية وكان يتقافز بينهم غير مبال ان تصيبه رصاصة طائشة فترديه. وهو الذي كان مولعا ببناء القلاع والصروح الضخمة وواحدة من اضخمها على الإطلاق بنيت بناءً على اوامره في مدينة شانتي اليابانية من اجل تصوير فيلمه "اللحية الحمراء" 1965 وقد صور مستخدما ذلك البناء الهائل لقطة او لقطتين قصيرتين فقط.

ومرة اخرى بنى قلعة ضخمة في فوجي اليابانية الشهيرة وذلك في فيلمه "ران" 1985 والذي ما لبث ان اضرمت فيه النيران وانهار تماما وسوي بالأرض من اجل مشهد فيلمي واحد فقط.

يعد كوروساوا من المخرجين كثيري الطلبات ايضا وكان فضا وغليظا في بعض الأحيان مع فريق العمل. ومن غرائبه في تعامله مع الممثلين انه كان يتبع تكنيكا خاصا به بأن يختار ممثلا محددا من بين الممثلين وسرعان من يعامله يتهجم عليه بغلظة ويوبخه بشدة امام الجميع مما يدفع باقي الممثلين والممثلات الى الحذر الشديد من الوقوف في نفس الموقف ولهذا فأنهم يتفانون في بذل اقصى ما يستطيعون من الأداء، ومثال على ذلك الممثل "يوشيو اينابا" في فيلم الساموراي السبعة.

والحاصل انه بالرغم من ان طريقة العبقري كوروساوا في العمل كانت صعبة الا انها اثمرت مجموعة من افضل الأفلام على مستوى العالم وعبرت عن جنون لا يصدق في آن معا.