عندما يصبح جذع شجرة أهم من الدم الفلسطيني!

بقلم: حسان القطب

فلسطين هي القضية المركزية للأمة العربي والإسلامية، وتحريرها مسؤولية الأمة جمعاء، وحماية شعبها ومواطنيها سواء في أراضي الداخل المحتل، أو في بلاد الشتات والمهجر مسؤولية مشتركة تتحملها الدول المضيفة للاجئين الفلسطينيين، والقوى الفلسطينية وعلى رأسها السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وسائر الفصائل بما فيها حركة حماس الممسكة بملف قطاع غزة المحاصر منذ سنوات. وقد ربطت بعض الأنظمة العربية مصيرها ومصير قادتها وأنظمتها بالملف الفلسطيني، ورسمت سياساتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بالقضية الفلسطينية تحت عنوان حماية القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني من محاولات الطمس والتهميش والتنازل ومشاريع الاستسلام، التي يحاول المستعمر فرضها برعاية أميركية على الشعب الفلسطيني لتصفية قضيته نهائياً.

ولكن هذه الأنظمة وعلى رأسها نظام سوريا وبعض التنظيمات الفلسطينية وبالأخص تلك المتحالفة معها، لم تخدم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني بما يتناسب أو يتوافق مع الشعارات المرفوعة، فاكتفى النظام السوري برفع الرايات والشعارات التي تتحدث عن التحرير ورفض الوصاية الغربية ورفض المفاوضات المباشرة للوصول إلى تسوية معينة، ولكنه أعطى لنفسه حق الخوض في مفاوضات شبه مباشرة، حين زار فاروق الشرع الولايات المتحدة ليفاوض رئيس وزراء إسرائيل آنذاك إيهود باراك خلال عهد الرئيس الأميركي كلينتون، فحينها أي في كانون الثاني/يناير من عام 2000، أقام الرئيس الأميركي بيل كلينتون مأدبة عشاء جمعت بين رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع على طاولة واحدة لأول مرة، وقال متحدث باسم البيت الأبيض إن الرئيس يؤمن بضرورة جمع الطرفين معا لمحاولة تضييق فجوة الخلافات بينهما.

انخرط النظام السوري لاحقاً في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، عبر الوسيط التركي في خضم الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2006، وعلى غزة مع نهاية عام 2008، ورغم منعه - أي النظام السوري - الفصائل الفلسطينية من ممارسة أي عمل عسكري عبر جبهة الجولان الصامتة منذ منتصف عام 1974، بعد توقيع معاهدة أو اتفاقية فض الاشتباك بين إسرائيل وحافظ الأسد، والتي أعادت إسرائيل بموجبها بلدة القنيطرة السورية المحتلة للسيادة السورية، فقد اعتبر النظام السوري أن احتضانه لعدد من التنظيمات الفلسطينية غير الفاعلة على الساحة الفلسطينية في الداخل الفلسطيني قمة المقاومة وعنوان الصمود والرفض باستثناء حركتي حماس، والجهاد الإسلامي اللتين خرجتا من رحم الحركة الإسلامية الأم (الإخوان المسلمين) لممارسة العمل الجهادي على الأراضي الفلسطينية وليس لخدمة المشروع الإيراني عبر النافذة السورية كما نلحظ الآن.

وهنا يتساءل الكثير من الإسلاميين الحركيين عن حقيقة وطبيعة مواقف حركة حماس مما يجري في البلاد العربية والتي عبرت خلالها بوضوح عن تأييدها ومباركتها لتلك التغييرات والمتغيرات، وعن سبب صمتها إزاء ما يجري في سوريا من انتفاضات وثورات وتحركات شعبية تنادي بالإصلاح والديمقراطية وتداول السلطة واحترام الحريات العامة السياسية منها والإعلامية، خاصةً وأن النظام السوري ومع بداية انتفاضة الشعب السوري على النظام قد اتهم بعض أركانه وعلى لسان بثينة شعبان، بعض القوى الفلسطينية بالتدخل في الشأن الداخلي السوري. وسبب تساؤل هؤلاء الإسلاميين هو الدور الذي لعبته حركة حماس في التجييش والتحريض داخل المخيمات الفلسطينية لدفع مجموعات من الشباب الفلسطيني للخروج إلى بلدة مارون الراس اللبنانية وجبهة الجولان السورية بالتعاون مع حزب الله والنظام السوري، مما تسبب في سقوط العديد من الشهداء الفلسطينيين دون تقديم مبرر سياسي من الممكن تفسيره بأنه يخدم القضية الفلسطينية، اللهم إلا انه يهدف إلى تشتيت الانتباه عما يجري في الداخل السوري من ممارسات أمنية وسياسات قمع وبطش بحق المتظاهرين السوريين العزل من كل سلاح.

كيف يمكن أن تكون سوريا رمز المقاومة والحليف الموضوعي للمقاومة وهي تبقي جبهتها صامته لمدة تقارب الأربعين عاماً، في حين أنها تنفخ في أبواق الحرب على جبهة غزة ولبنان وتهدد بفتحها مجدداً على لسان حلفائها؟

وكيف يمكن أن تكون حركة الإخوان حركة مرتبطة بالنهج الأميركي وهي تقدم حركة حماس نموذجاً مقاوماً؟

وكيف يمكن أن تكون حماس حليفة دولة إيران وحزب الله التي لا ترى من ثورة في البلاد العربية إلا تلك الفوضى التي أشاعها حلفاء إيران في دولة البحرين، ومشاهد اللحم والسمك المشوي، والاحتفالات الاستعراضية والشعارات الفئوية التي أطلقت خلال الاعتصام في دوار اللؤلؤة خير دليل على نفاق زعماء تلك المجموعات وتأكيداً على ارتباطهم بمشروع مذهبي بعيد المدى؟

وكيف اتفق أن أصبح فجأة من الممكن أن يصل المواطن الفلسطيني في لبنان إلى خطوط التماس مع فلسطين في 15 أيار/مايو، برعاية حماس والجهاد الإسلامي وليس حركة فتح أو منظمة التحرير وهي التي منع اللاجئ الفلسطيني حتى من مراقبتها أو رؤيتها عن بعد إلا بمواكبة أمنية رسمية أو بمشاركة عناصر حزب الله، ليسقط شهداء وجرحى بالعشرات من الفلسطينيين دون أن يتكلف أي مسؤول امني برد العدوان أو حتى بالدفاع عنهم وعلى رأسهم حزب الله، وكلنا يذكر معركة جذع الشجرة التي سقط فيها شهداء وجرحى للجيش اللبناني ومواطنين عزل منذ أشهر قريبة؟

فهل أصبح الدم الفلسطيني أرخص من تلك الشجرة؟ أم أن الدم المطلوب أن ينزف الدم الفلسطيني للفت الأنظار بعيدا عن الدم السوري الذي يراق بيد النظام في كل يوم وبغزارة؟

ومنذ أيام سال الدم الفلسطيني مجدداً في الجولان وأمام أعين العالم أجمع. فكان التصوير مسموحا والبث المباشر من سوريا أصبح فجأة متاحاً لمشاهدة عملية قتل جماعية لشباب فلسطيني أعزل على يد محتل غاصب! ولكن السؤال الأهم لماذا يمنع البث المباشر عبر وسائل إعلامية عربية ودولية من إمكانية نقل وقائع ما يجري في المدن والقرى والبلدات السورية من مظاهرات شعبية طالما أن النظام مرتاح لموقعه وجمهوره وأدائه؟ والسؤال الأهم لماذا امتنع الجيش العربي السوري أو كما يطلق على نفسه "حماة الديار" عن الرد على سياسة القتل الإسرائيلية للمواطنين الفلسطينيين وهم لا زالوا على الأراضي السورية ويتمتعون بحماية النظام السوري المقاوم والممانع، ولماذا الآن سمح لهؤلاء الشباب بمواجهة الجيش الإسرائيلي عزل من دون سلاح بعد أن منعوا من بلوغ الجولان لعقود؟

عام 2009، في السابع من كانون الثاني/يناير، أصدرت حركة الإخوان في سوريا بياناً جاء فيه: "أنها قررت 'تعليق أنشطتها المعارضة للنظام السوري، توفيرا لكل الجهود للمعركة الأساسية' في قطاع غزة التي تسيطر عليه حركة حماس المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين". ولكن حركة حماس لم تبادل هذه التضحية بالمثل. بل ومن الملفت أيضاً أن حلفاء سوريا في لبنان رغم أنهم يتجنبون حركة حماس، إلا أنهم يكيلون الاتهامات لحركة الإخوان في العالم العربي والإسلامي وبالتحديد لقيادتها العالمية ويتهمونها بالتعاون مع مشاريع الولايات المتحدة الهادفة لضرب النظام السوري، وتقديم حركة الإخوان على أنها بديل موضوعي معتدل تلتزم بالنهج الإسلامي الرافض لنهج المقاومة الذي تتبناه "سوريا النظام" وحلفائها في حزب الله ودولة إيران رأس المقاومة والممانعة.

ومع ذلك فإن حماس وخدمة لارتباطها بالنظام السوري وتجاهلها للمشروع الإيراني امتنعت عن الرد على هذه الاتهامات الباطلة بحق حركة الأخوان، والتنظيم الدولي، بل إنها اندفعت أكثر من ذلك فقامت باحتضان كافة حلفاء النظام السوري في لبنان من وئام وهاب إضافةً إلى من هم دون ذلك أهمية، وأعطتهم الإذن بالاتجار زوراً وبهتاناً بالدم الفلسطيني الذي سقط بصدق وإخلاص على الخطوط الأمامية، تماماً كما قام أحمد جبريل باستكمال مسلسل نزف الدم الفلسطيني في مخيم اليرموك في دمشق خدمةً للنظام في سوريا. فاستقرار نظام سوريا مطلوب وهو الهدف والغاية والقضية ولو تطلب ذلك إسالة دماء كافة أبناء الشعب الفلسطيني.

حقيقةً لقد أصبح جذع شجرة في قرية لبنانية جنوبية أهم من دم الشعب الفلسطيني برمته طالما أن المطلوب هو حماية مشروع أو نظام أو استغلال حادثة لأهداف غير بريئة ولو على حساب دماء الأبرياء.

حسان القطب