في ذكرى حرب 1967... لا تزال الاولوية للانظمة

بقلم: خيرالله خيرالله

قبل اربعة واربعين عاما تغيّرت خريطة الشرق الاوسط. كانت كارثة حرب الخامس من حزيران- يونيو 1967 التي تمثلت باحتلال اسرائيل للضفة الغربية وهضبة الجولان وغزة وصحراء سيناء وصولا الى الضفة الشرقية من قناة السويس. لم تدم استفاقة بعض العرب من النتائج التي ترتبت على تلك الكارثة طويلا. استفاقوا لفترة قصيرة وما لبثوا ان دخلوا في الغيبوبة مجددا. ثمة من لا يزال في تلك الغيبوبة. بدل السعي الى محاولة فهم الاسباب الحقيقية لما حدث ومحاسبة المسؤولين السياسيين عن الهزيمة العسكرية، جاءت سلسلة من ردود الفعل تصب كلها في ممارسة عملية هروب الى امام. اتت لاءات قمة الخرطوم لتؤكد العجز العربي وتكرسه. لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات. ماذا يعني رفع هذه الشعارات اذا لم تكن هناك قوة حقيقية تدعمها وتجعلها قابلة للتحقيق؟ ليس هناك عربي يعترض على مثل هذا النوع من الشعارات. ولكن هل القوات العربية تطوق القدس وحيفا ويافا وتل ابيب؟ لم تعن التصرفات العربية التي تلت هزيمة 1967 شيئا باستثناء ان العرب اثبتوا مرة اخرى انهم لا يعرفون ماذا يريدون. تبيّن ان همهم الاوّل محصور في المحافظة على الانظمة وليس على الشعوب العربية او الكرامة العربية وان تطوير المجتمعات آخر همّ لهم. لا همّ آخر سوى المحافظة على النظام. بدل الاستثمار في الانسان العربي، حصل استثمار في "الحرس الجمهوري"، كي لا تعود هناك الوية قادرة على القيام بانقلاب عسكري واذاعة البيان الرقم واحد!

كان ردّ الفعل السوري نموذجا للفشل العربي في التعاطي مع الواقع من جهة والتحايل على الحقيقة والواقع من جهة اخرى. قبل ايام من الهزيمة المنكرة للجيوش العربية، جمع وزير الخارجية السوري، وقتذاك، وكان اسمه ابراهيم ماخوس العاملين في وزارته ليزف لهم بشرى "سقوط اسرائيل" في الفخ مؤكدا ان الحرب ستقع وستنتهي بالانتصار على ما كان يسميه "الكيان الصهيوني" وازالته. بعد ايام من حرب الايام الستة واحتلال اسرائيل للجولان بسهولة فائقة، جمع ماخوس العاملين نفيهم في الوزارة مجددا ليؤكد لهم ان اسرائيل "فشلت" في تنفيذ مخططها بدليل ان النظام "الوطني" في سوريا لم يسقط. بقدرة قادر صارت الهزيمة المنكرة انتصارا! لم يجد احد الديبلوماسيين السوريين من الذين يمتلكون حدا ادنى من المنطق والعقل سوى الاستقالة من موقعه والذهاب الى فرنسا للعمل في احدى الوكالات الدولية.

هل تغيّر شيء في الذهنية العربية؟ الجواب بكل بساطة ان العرب لم يتعلّموا شيئا من تجارب الماضي القريب. هربوا في البداية، اي في اواخر الستينات ومطلع السبعينات، الى دعم "الفدائيين الفلسطينيين" فكادوا ان يدمروا الاردن لولا شجاعة الملك حسين، رحمه الله، وبعد نظره. هربوا في الوقت نفسه الى لبنان الذي اجبروه على توقيع اتفاق القاهرة في العام 1969 وذلك كي يسهل على اسرائيل احتلال جزء من اراضيه التي صارت منطلقا وحيدا للعمليات الفلسطينية. لا يزال لبنان يعاني الى اليوم من تلك الجريمة العربية التي ارتكبت في حقه والتي تسببت في حرب اهلية وحروب للآخرين على ارضه استمرت عقدين ولا تزال مستمرة بوسائل وطرق اخرى. فبعد خروج المقاتلين الفلسطينيين من معظم اراضيه، لا يزال النظام السوري يرسل الاسلحة الى ميليشيا مذهبية لا همّ لها سوى تدمير مؤسسات الدولة اللبنانية باسم "المقاومة" احيانا و"الممانعة" في احيان اخرى... وكأنّ الانتصار على لبنان بديل من الانتصار على اسرائيل. لا يزال مطلوبا الانتقام من لبنان لانّ قيادته السياسية امتلكت ما يكفي من الحكمة في العام 1967 وتفادت الدخول في حرب مدمّرة، جرّت الويلات على الاردن وادت الى خسارة الضفة الغربية والقدس الشرقية.

كانت حرب 1973 محاولة لانقاذ الانظمة العربية. لم تكن تستهدف في اي شكل اعادة الاعتبار الى الشعوب العربية وتخليصها من الديكتاتوريات. هرب انور السادات من ازمة النظام التي كانت تعاني منها مصر الى معاهدة السلام مع اسرائيل التي وقعت في العام 1979، وذلك بعدما استنفدت حرب تشرين الاول- اكتوبر اغراضها. لم يستوعب العرب خطورة ما فعله رئيس مصر. ردوا عليه بما ينقذ انظمتهم من منظور ضيق. تصالح البعثان السوري والعراقي فجأة من دون مقدمات بعدما تبين ان لديهما مصلحة في ذلك!

في العام 2011، لم يتغيّر شيء في تصرف الانظمة العربية. ما يحرك كل دولة عربية هو مصلحة النظام. ما تغيّر هو المعطيات في المنطقة. منْ كان يصدّق ان الشعوب العربية ستصل الى مرحلة ترفض فيها شراء البضاعة التي تبيعها الانظمة. باتت المتاجرة بالقضية الفلسطينية بمثابة متاجرة ببضاعة كاسدة. لم يعد هناك من يشتري البضاعة التي يسوقها هذا النظام العربي او ذاك، على غرار ما حدث في الجولان قبل ايام في ذكرى حرب حزيران. كل ما في الامر ان العالم تغيّر وان العرب جزء من العالم. ربما تاخروا عشرين عاما قبل ان ياخذوا علما بان الاتحاد السوفياتي انهار وان الحرب الباردة انتهت وان برلين الغربية انتصرت على برلين الشرقية وليس العكس. من الواضح ان الشعوب العربية اخذت اخيرا علما بذلك، في حين ان الانظمة لا تزال ترفض التعاطي مع هذا الواقع. هل صدفة ان النظام السوري لا يزال يتعاطى مع مدينة حماة في العام 2011 بالطريقة نفسها التي تعاطى معها في العام 1982؟

خيرالله خيرالله