أحداث المتلوي: التونسيون بين الاصطفاف القبلي والولاء للدولة

الأحداث الأخيرة تشكل تهديدا للوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي في تونس

تونس - أثارت الاشتباكات والمواجهات العشائرية والقبلية التي شهدتها مدينة المتلوي التونسية امتعاضا شديدا واستنكارا واسعا لدى الأوساط السياسية والإعلامية ولدى المواطنين على حد سواء.

كما أثارت تلك الصراعات تساؤلات حول مدى نجاح المشروع المجتمعي الوطني الذي باشرته تونس منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي سنة 1956 وهو مشروع تأسس على قيم المواطنة والولاء للدولة المدني والانتماء إليها دون سواها.

لكن أحدث المتلوي التي خلفت 11 قتيلا وأكثر من 90 جريحا خلال ثلاثة أيام أعادت إلى أذهان التونسيين أن النسيج العشائري والقبلي مازال متماسكا بل قادر على التمرد على مؤسسات الدولة وعلى ثقافة المواطنة.

وقد دفعت شراسة المواجهات السلطات الأمنية إلى فرض حظر التجول في المدينة وإلى إرسال تعزيزات أمنية وعسكرية إلى المدينة في خطوة إلى احتواء الاشتباكات القبلية.

ولطالما افتخر التونسيون بقيمة المواطنة وبمدا الوحدة الوطنية التي تجمع مجتمعا متجانسا دينيا وعرقيا، لذلك رأى السياسيون في أحداث المتلوي أنها تمثل تهديدا للوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي.

ونبه الحزب الديمقراطي التقدمي الذي يتزعمه أحمد نجيب الشابي إلى خطورة الانزلاق في متاهات النزاعات القبلية والعشائرية مؤكدا أنها "تهدد الوحدة الوطنية وتحيد بها عن أهداف الثورة في بناء تونس الجديدة والحرة والمتضامنة والديمقراطية".

وتساءل المعرض منصف المرزوقي في مقال نشره على شبكة الانترنت "كيف يمكن للمرء أن يصدق أن هناك في تونس من يقتل على ''الهوية'' كما كان الحال في أظلم سنوات الحرب الأهلية في لبنان"

وبدوره دعا "حزب المجد" كافة التونسيين ومكونات المجتمع المدني إلى "الدفاع عن الوحدة الوطنية وتحكيم العقل والمنطق والاحتكام للقانون بعيدا عن منطق الثأر ورد الفعل".

وطالب بفتح تحقيق عاجل للكشف عن "الجهات المحركة والمستفيدة من هذه النعرات والفتن" بما يدعم الوحدة الوطنية ويعيد الثقة إلى المواطنين.

ورأت بعض الأحزاب السياسية في أحداث المتلوي نتيجة لضعف أداء الحكومة وحملتها ما جرى فقد أكد حزب "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات"انه "كان على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة بالتدخل الفوري والناجع وبالحجم المناسب لقوات الأمن والجيش الوطنيين من أجل إيقاف هذه المواجهات الدامية بسرعة وإعادة الطمأنينة إلى نفوس الأهالي".

وطالب الحزب بفتح تحقيق في والكشف عمن يقف وراء إشعال نار الفتنة وإثارة نعرات العروشية.

وطالب حزب المستقبل من جهته الحكومة المؤقتة بالتدخل الفوري لـ"القيام بدورها في تحقيق الأمن لكل الأهالي والكشف عن كل المتورطين في أعمال العنف"، مشيرا إلى أهمية تحقيق العدالة في التشغيل باعتباره "حق مقدس لكل أفراد الشعب التونسي".

ودفعت خطورة أحداث المتلوي ببعض الأوساط السياسية إلى التأكيد على نشر قيم التسامح حيث حث "حزب الوطن" أبناء المتلوي والمناطق المجاورة على "التدخل السريع بهدف إطفاء نار الفتنة" من أجل التعايش السلمي، داعيا الحكومة الانتقالية "إلى مضاعفة الجهد قصد إرساء الأمن والاستقرار بالمنطقة".

وأرجع عدد من الأحزاب السياسية والمحللين المتابعين لتطور الأحداث الاشتباكات الطائفية في التلوي إلى وجود تجاذبات سياسية تقف وراء العشائر.

واستنكر "حزب التحالف الوطني للسلم والنماء": "التجاذبات السياسية المتخفية وراء اندلاع هذه الأحداث من قبل فلول النظام السابق"، مطالبا الحكومة الانتقالية بفتح تحقيق جدي وسريع للكشف عن المورطين في هذه الأحداث الدامية وإلى "ضرورة تحمل مسؤوليتها كاملة في معالجة مظاهر التوتر".

ودعت "الحركة الإصلاحية التونسية" الحكومة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني إلى "مساعدة أهالي الجهة العقلاء من الطرفين من أجل نزع فتيل الأزمة"، مؤكدة على ضرورة "الاحتكام إلى القانون ومعاقبة من يثبت تورطه في الأحداث الأخيرة".

من ناحيته توجه حزب المجد إلى أهالي المتلوي أكد فيه "لا للفتنة نعم للوحدة، نعم للحوار لا للقبلية" مطالبا "الحكومة بتحمل مسؤولياتها في فض النزاعات وتجنيب الجهة مزالق النعرات القبلية التي لا مكان لها بين التونسيين".

واللافت أنه لأول مرة تحمل جهة أمنية المسؤولية لوزارة الداخلية فقد أصدرت نقابات الشرطة و الحرس والجمارك بمدينة قفصة بيانا مشتركا حمّلت فيه مسؤولية الأحداث المتلوي إلى وزارة الداخلية والحكومة المؤقتة وذلك "لعدم مبادرتها بإصدار أوامر مباشرة وصريحة لأعوان الأمن والحرس بالتدخل لفض الخلافات منذ البداية".

وأمام شراسة المواجهات التي وصلت إلى حد التمثيل بجثة أحد الضحايا تدخلت السلطات الأمنية ونفذت حملة التمشيط وأفضت إلى اعتقال 108من المشاركين في الأحداث فيما تم كذلك حجز عدد من بنادق الصيد وبعض الوسائل الأخرى المستعملة في الأحداث.

وإضافة إلى ذلك تجندت عدة هيئات ومنظمات في سبيل فض النزاع القائم بين العشائر المتخاصمة وذلك عبر الاتصال المباشر ببعض أعيان المدينة.

وحالة الانفلات الأمني التي عاشتها مدينة المتلوي ليست الوحيدة فقد شهدت مختلف المدن والبلدات التونسية منذ ثورة 14 كانون الثاني/يناير حالات انفلات أمني خطير وعاشت حالات عنف استعملت فيها الزجاجات الحارقة والأسلحة البيضاء، لكن أحداث المتلوي كانت الأحداث والأخطر لأنها عكست نزعة قبلية وصراع عشائري دموي مما دعا بالمراقبين بالقول أن قيمة المواطنة مازالت ضعيف أمام الانتماء القبلي والعشائري، ما يعني أن الولاء للقبيلة أو العشيرة يبقى أقوى من الولاء للدولة.

وهذه نقطة في غاية الأهمية لأنها تؤشر على ضعف الدولة الوطنية سواء من حيث مؤسساتها وأجهزتها التي فشلت إلى حد الآن في وضع حد للانفلات الأمني أو من حيث الثقافة السياسية القائمة.