فلسطين في مخيم اليرموك

بقلم: صبري حجير

حدثَ، يومَ السادس من حزيران في مخيم اليرموك، ما يمكن أن يقال فيه "أمراً جللاً" حيثُ انحرفت مسيرة تشييع الشهداء الفلسطينيين عن مسارها الطبيعي، ودخلت في منزلقات خطرة أصابت أو كادت تصيب بحدَةٍ السمعة الوطنية للشعب الفلسطيني المناضل!

وكان قد سقطَ عدد كبير من الشباب الفلسطيني شهداءً على جبهة الجولان السوري المحتل، في الخامس من حزيران، برصاص الجيش الإسرائيلي الذي أطلقَ الرصاص الحيّ على المتظاهرين الفلسطينيين والسوريين ممّن نجحَوا في الوصول الى هناك، ليعلنوا أمام العالم، وأمام عيون المحتلين الصهاينة عن رفضهم لنتائج النكسة العربية التي وقعت في الخامس من حزيران عام 1967. تلكَ النكسة التي أدت الى احتلال الجولان السوري، والضفة الغربية بما فيها القدس، وسيناء على الجبهة المصرية.

النكسة العربية رغمَ ما تنطوي عليه من آلام تُعيد ذكرى المقاومة الفلسطينية المسلحة التي نهضت إثر الانهزام العربي، وسجلت انتصارات مشهودة على العدو الإسرائيلي، وتحكمت في نشوء النظام الفلسطيني المقاوم، حيثُ استطاعت المقاومة الفلسطينية حينها أن تملأ الفراغ الأمني والسياسي الذي أطبقَ على الواقع العربي فجأةً إثرَ النكسة عام 1967، عندما استثمرت تلك اللحظة التاريخية، تماماً كما يستثمر الآن الشباب الفلسطيني اللحظة الوطنية السائدة، ويقتحمون جبهة حق العودة بالطرق التعبيرية السلمية، فهذا التعبير الشعبي الفلسطيني والسوري هو حق إنساني تكفله المواثيق والقوانين والشرائع الدولية، والمؤسسات الإنسانية، وهيئات ومؤسسات الأمم المتحدة ذات الصلة، التي يبدو أنها لا تصحو من سباتها إلا اذا أيقظتها الولايات المتحدة واسرائيل والقوى الغربية! لقد أنار الشباب الفلسطيني مشاعل العودة الى فلسطين في الذكرى الثالثة والستين للنكبة الفلسطينية على جبهة الجولان، ومارون الراس في جنوب لبنان، ووضعوا الكيان الإسرائيلي برمتهِ أمام السؤال التاريخي: ما هو مصير اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا من وطنهم عام 1948؟ ومتى يعودون؟

قُدِرَ للشباب الفلسطيني في الذكرى 63 للنكبة أن يحدد ملامح النضال الجماهيري في مستقبل الأيام، ويفرض تعبيراته الجديدة على الساحة النضالية الفلسطينية، فقد أعاد القضية الوطنية الفلسطينية الى سياقها الحقيقي في تبني قضية العودة، التي حاول البعض استخدامها في تحسين شروطه وموقعه في المحادثات والعلاقات مع العدو الصهيوني.

هذه هي اللحظة التاريخية التي يحاول الشباب الفلسطيني استثمارها، في ظلّ مناخ ثوري تحقق بفضل انتصار الثورتين الشعبيتين في مصرَ وتونس، وفي ظروف متوترة ودقيقة تعبرهما سوريا العربية. وهنا قد يتساءل البعض: لماذا تمّ إغلاق جبهة الجولان كلّ هذه السنين أمام الفلسطينيين؟ ولماذا الآن تُفتح هذه الجبهة؟ وهناك مَنْ يتهم النظام السوري بأنه يوظف التحرك الجماهيري الفلسطيني في معركته ضدّ الحركات المناوئة له في الداخل السوري، وفي مواجهته للولايات المتحدة واسرائيل والغرب الأوروبي والدول والقوى العميلة في المنطقة. وفقاً للحقائق السياسية التي كانت سائدة في الواقع العربي، يمكن القول: أنه ماكان باستطاعة سوريا أن تفتح جبهتها المحتلة، في ظرف عربي مترد، بل متهاو ومنقسم، تتقاذفه المصالح القطرية الضيقة، وتعبثُ به الإستراتيجيات والأحلاف الدولية، وخصوصاً في غياب مصر العربية عن ساحة الصراع العربي الإسرائلي، وفي ظروف دولية منحازة تماماً لاسرائيل. كانت سوريا دائما تخوض معاركها الوطنية والقومية برفقة مصر العروبة، ولا تستطيع بمفردها أن تحسم معركة فاصلة مع الدولة الصهيونية التي هي جزء لا يتجزأ من الإستراتيجية الأمنية والعسكرية للولايات المتحدة.

عندما تحررت مصر من أسرة مبارك القوى المتسلطة على السلطة والثروة القومية، والمتحالفة مع اسرائيل والولايات المتحدة، وانتصرت ثورة الشعب المصري، بدأت القوى الدولية، وبعض

الدول العربية والفئات الداخلية المتضررة من الثورة، تضع العقبات والمعيقات أمام التحولات الثورية للشعب المصري، وتستخدم معه استراتيجية المحاصرة والمناكفة والتفقير، وتعمد على إشغاله الدائم في القضايا الداخلية، وتحاول تفتيت لحمته القومية، خدمة للمشروع الأميركي الإسرائيلي، لأن قوة مصر العروبة مرتبط بقوة سوريا العربية والعكس صحيح، ووفقاً لهذه الجدلية الراسخة تحاول القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، في سباقٍ مع الزمن، إضعاف الدولتين العربيتين، وبنفس الوقت الولوج بشكل سافر في الإجهاد على كل دولة منهما على حدة، وذلك بافتعال ألون من المشاكل والأزمات، ويساعدهم في هذا الهدف دول عربية خليجية تدور في حدود البوتقة الأميركية.

من جانب آخر، ليسَ من ضير أن يستفيد النظام السوري من الحالة الوطنية الناهضة لدى الشباب الفلسطيني، وأن تستفيد الحركة الجماهيرية الفلسطينية في فتح الطريق الى الجولان، وطرح قضية العودة باسلوب جديد وبفعاليات وطنية أكثر إبداعاً ممّا سبق، طالما أن هذا التقاطع في المصالح الوطنية موجه ضدّ العدو الصهيوني الذي يحتل الجولان وفلسطين، ولا يعترف بحق العودة للشعب الفلسطيني، وكذلك موجه للذين يضعون قضية العودة في السطور الأخيرة لأجنداتهم،ويعمدون على إبقائها مع القضايا المؤجلة، ويستخدموها لتحقيق أغراض إجرائية وثانوية في سياق الإتفاقيات المنقوصة.

ما حدث في مخيم اليرموك يدخل في حيزين اثنين؛ أحدهما محاولة إجهاض الحراك الشبابي الفلسطيني،

وحرف مساره الوطني باتجاهات عبثية، بعيدة كلّ البعد عن فعالية الإبداع الوطني، ومحاولة شقِّ البنية السياسية للفلسطينيين في المخيم، وإبعادهم عن فصائلهم الوطنية، وبذلك لم نتفاجأ ببعض الأقلام والمواقع الإعلامية المحسوبة على محمد دحلان المقيم في رام الله، في اشعال الفتنة، والتحريض ضدّ الفصائل الفلسطينية التي تساند وتدعم هذا الحراك الشبابي الفلسطيني.

أمّا الحيز الثاني فإنه يأتي في سياق محاولة بعض المندسين المناوئين للنظام السوري لجرّ الشارع الفلسطيني، وبالتحديد مخيم اليرموك أكبر المخيمات الفلسطينية في دول اللجوء، ووضع الفلسطينيين في مجريات الحملة المعادية للنظام وللشعب السوري، الذي وقف شبابه مع الشباب الفلسطيني في الجولان صفاً واحداً، والذي يدعم القضية الفلسطينية ويساند قواها وفصائلها الوطنية.

لقد جعل الشباب الفلسطيني من ذكرى النكبة، ومن ذكرى النكسة، حافزاً للفعل الوطني، ولم يبقيهما مناسبتين عابرتين يحيهما كل عام، ويعيد ذكراهما، وأكدَ على انصهار السياج الإسرائيلي الذي بات منكشفا ًأمام الممارسة الفعلية لحق العودة الى فلسطين، وهو الحق الذي سوف تجسده جماهير اللاجئين الفلسطينيين بإبداع للفعل الوطني المثابر.

صبري حجير

كاتب فلسطيني مقيم في السويد

sabri_hajir@hotmail.com