ملصقات مخلوف: تقنية في قبضة الفن .. وبانوراما حيّة لثورة ليبيا

بقلم: محمد الأصفر
لولا هذه الثورة ما ولد هذا الفن

يظل للملصق الصحفي أهميته الخاصة في التأثير في الرأي العام، وفي تعبئة الجهود من أجل خوض المعركة الإعلامية والتي لا تقل أهمية عن المعركة الميدانية العسكرية، قد تنتكس سريعا وتهزم إن لم تجد إعلاما قويا يواكبها ويحتضنها ويقدمها للرأي العام العالمي في صورة تدعمها وتناصرها مستغلا لتحقيق ذلك كل الإمكانيات المتاحة من مادة خام أفرزتها المعركة على الأرض.

ومن هنا كان للملصق الصحفي دوره الثمين في التقاط اللحظات الإنسانية التي يعيشها المقاتل ويعيشها الشعب الذي يناصره ليستثمرها في عمل فني يضع عليه الفنان لمسته الساحرة ليتحول هذا العمل من صورة عادية نمطية إلى صورة حيّة تقاتل في الميدان بفاعلية وحب.

محمد مخلوف الذي عرفناه مخرجا سينمائيا، والذي يعيش في بريطانيا منذ زمن كمعارض للنظام الديكتاتوري في ليبيا، لم يكن بالسهولة قبل انطلاق ثورة 17 فبراير الاتصال به أو محاورته أو تناول أعماله الفنية، وإن تم الاتصال بواسطة النت أو الفيس بوك فينبغي أن يكون بحذر، وأن تزن كل الكلمات التي تكتبها، وأن تحذف الدردشة سريعا بعد كل سطرين، وإن كانت هناك مراسلات بالإيميل ينبغي حذفها، فللأسف الشديد كانت الوسائل الإعلامية الإلكترونية في ليبيا مراقبة جدا، وكان هناك خبراء حاذقون يدفع لهم من ثروة الشعب الليبي بسخاء من عدة دول من العالم مهمتها اختراق المواقع الالكترونية وإيميلات المعارضين أو المشبوهين ومن ثم ملاحقتهم والزج بهم في السجون القذرة.

إبان الثورتين التونسية والمصرية يمكننا أن نلاحظ ذلك بجلاء، عندما سقط زين العابدين وهرب بطائرته كنت في نت بمدينة سلا المغربية، وكنت في حالة انتشاء وشجاعة فوجدت الأستاذ محمود شمام على خط الدردشة في الفيس بوك حيث كان تلك الأيام شبه متفرج للتفاعل مع ناشطي الفيس بوك والتويتر عكس الآن حيث ازدادت المسؤوليات ولا وقت للاتصال بالجماهير العريضة التي ها هي قد أدت دورها بنجاح في تفجير الثورة، لا وقت لشمام الآن كي يتحاور مع الأصدقاء.

أفكر أن أتقدم بالعمل في حلف الناتو كي يرد علي بأسرع من لمح البصر أي فرد من المسؤولين الجدد المؤقتين على حسب زعمهم وتصريحاتهم. تبادلنا بعض الكلمات، قال شمام: لقد سقط الزين. قال الأصفر: العاقبة للشين، بعد ربع ساعة تقريبا امتلأت صفحتي بالمشاهد الجنسية المقززة، أعضاء ذكرية ضخمة تدخل مؤخرات الرجال، فهمت الرسالة سريعا، وشعرت أنهم سيضاجعونني إن لم أتوقف عن هذه الأنشطة.

فنان الملصقات محمد مخلوف

لم أكن أعلم أن جهاز المخابرات الليبي يمتلك قسما لمثل هذه الممارسات اللاخلاقية في الاعتداء على الصفحات النشطة من أجل فض المتابعين عن تصفحها وحذف أصحابها، لقد كان الأمر مبيتا في استخدام أي قذارة من أجل تكريس سلطة القذافي وعائلته، وها نحن نرى الآن فضيحة الفياجرا والإغتصابات والتي ورطت الدكتاتور أكثر مما هو متورط، ستحتار المحكمة الجنائية بأي تهمة تحاكم القذافي، بل سيحتار الشيطان أيضا لأنه في عدة أشياء شريرة تفوق القذافي عليه بجدارة.

التقط محمد مخلوف الفنان الليبي المبدع ـ الحائز على "جائزة الاتصالات البصرية" عام 1981 من "كلية برادفورد للفنون والتصميم", وهي الكلية نفسها التي تعلّم فيها وتخرّج منها الفنان المعروف ديفيد هوكني ـ حياة الثوار في ميدان المعركة وفي الشارع وفي البيت وفي ميادين الاعتصام موظفا الخلفية التاريخية لليبيا من أعلام استقلال ونشيد وطني وموسيقى وأطفال ومناضلين في الأسر، ولم ينس بالطبع أن يخص الديكتاتور القذافي ورموزه ببعض الملصقات الساخرة مستدعيا لذلك تاريخا دمويا رهيبا عبر شخصيات مجرمة مثل نيرون وهتلر وغيرهما.

لم يعتمد مخلوف على الرؤية عن بعد وجمع المعلومات عبر شبكة النت أو بواسطة الأصدقاء إنما خاطر بنفسه وشد الرحال إلى معقل الثوار مدينته بنغازي، تجوّل في المدينة دون حرس سوى عين الله، لم يخش الطابور الخامس الذي ارتكب الكثير من الجرائم في حق الإعلاميين والفنانين غيلة وغدرا، زار الأهل والأصدقاء وعاش الثورة وتنفسها وامتزج بها وجمع مواده الفنية طازجة حية ليشتغل عليها لاحقا فنيا تاركا لموهبته وجنونه الإبداعي كل الحرية في التصرف في المادة وبعثها فنيا.

وأنت تتأمل في ملصقات محمد مخلوف تتوارد إلى ذهنك الكثير من التساؤلات، لولا هذه الثورة ما ولد هذا الفن، هذه الملصق قريب مني، وهذا عبر عما أريده، في كل ملصق حكاية، في كل ملصق رأس قلم يمكنك أن تحركه وتذهب بعيدا في دنيا الإبداع، الملصق يقاتل، الأغنية تقاتل، الحب يقاتل، وأيضا النيّة الصافية الشفافة تقاتل.

لقد حاول محمد مخلوف عبر ملصقاته التي سماها ملصقات الثورة أن يلم بنشاط الثورة من كل جوانبه، وأن يفتح نوافذه أكثر ليشم نسيم ثورتنا أكثر عدد من عشاق الحرية، ملصقات بها براءة وصدق فني، طفل صغير يمتشق بندقية على كتفه يحرس المصلين في يوم الجمعة، المصلون جالسون في أمام، طفولة بريئة تحميهم، وشمس ظهيرة تبعث في أوصالهم الدفء. فنان يعزف على آلته الموسيقية في الجبهة والنار تحيط به من كل الجوانب معلنا أن الفن أقوى من البارود. شاب من الثوار وسط النار الحمراء يمسك براية الاستقلال التي يتوسطها نجمة وهلال ويبتسم بصدق، يمكن للمشاهد أن يحس بصدق ابتسامة النصر هذه، يبتسم ويغني للعلم الليبي الحر: "يا بونجمة وهلال .. عليك سكبنا دم حلال".

مركب في اليم مطلي بألوان العلم الليبي مكتوب على مقدمته الحرية .. الله .. لا أحد سيمتنع وهو يشاهد هذا المركب يمخر العباب في الصعود إليه، سيجد فيه كل الثوار الذين أطلقوه في بحر الحرية يوم 17 فبراير، ملصق آخر بعنوان الثروة في يد الشعب تجد فيه قارون ليبيا وهو جالس على مصطبة من العملة الصعبة ويحيطه الذهب والمجوهرات مصالبا يديه على صدره في راحة بال ظانا أن باستيلائه على ثروة الشعب الليبي يمكنه أن يستولي على حريته أيضا. وأنت تنظر إلى الملصق ستقول له كلمة واحدة: هيهات.

ملصق آخر بعنوان نغم في خاطري. طفل فرح جدا خلفه علم ليبيا، على وجنتيه مرسوم العلم الوطني وفمه مفتوح على ابتسامة ساحرة تظهر أسنانه المقتلعة والتي أضفت إلى صورته جمالا لذيذا. ستنبت الأسنان أيها الصبي من جديد أيها الطفل وستكون ابتسامتك أكثر ألقا وعظتك أكثر إيلاما.

ملصق آخر معبر جدا بعنوان "دم الشهداء مايمشيش هباء" يظهر فيها أناس يحملون نعشا، بعضهم صابر وبعضهم صارخ وإلى جانبهم نخلة. ملصق آخر يؤرخ فيه محمد مخلوف للثورات العربية في تونس ومصر، فترى في الملصق شبابا ملثمين يرفعون أعلام البلاد الثلاثة أو البلد الواحد متعدد الرايات وفي الواجهة الخلفية عساكر تجري.

ملصق آخر لفتاة ليبية من الوضع الجانبي مرسوم على خدها على الاستقلال في شحمة أذنها قرط صامولة يشع بسبب شمس الله أو شمس الثورة، الملصق عنوانه صباح الحرية. وأنت تشاهده تشعر أن المشهد حي وأن هذه الطفلة ستلتفت إليك وتقول لك صباح الخير أو صباح الثورة.

ملصق آخر يصور شاب في يده عصا نحيفة يحاول بها ترويض ديكتاتور ليبيا قصاصا من كل الجلدات التي جلدها للشعب والعالم طيلة 42 عاما، الشاب في وضع الهجوم والديكتاتور في وضع الاستسلام رافعا يديه الدمويتين إلى جانبيه، في بعض الملصقات نجد أن أفكارها عبارة عن عمليات تشفي من شخصيات النظام الديكتاتوري، وهذا ليس ذنب الفنان إنما هو حالة أحس بها استنبطها من خلال متابعته ومشاركته في هذه الثورة منذ بدايتها واحتكاكه بمبدعيها من جميع الشرائح والنفسيات، وهناك ملاحظة أخرى على بعض هذه الملصقات أن المادة الكتابية بها كثيفة أحيانا تؤثر على الصورة في الملصق، لكن يبقى الحس الفني ورؤية الفنان الخاصة التي ينبغي علينا أن نحترمها هي الراجحة.

وحول استخدامه للمدة في كلمات يحتاج حرف ألفها لهمزة قال لي إنها لوحة المفاتيح في جهازي يا صديقي، ليس بها همزة فأقترح عليه أن يترك الألف حرا بدون همزة أو مدة أفضل من وضع حركة لا تناسبه، فاللغة مثل اللوحة حساسة، هل يمكنك أن توافق أن أضف لونا غير مناسب لإحدى ملصقاتك؟

لم ينس الفنان مخلوف أسرى الثوار القابعين في سجون القذافي سواء كانوا من الإعلاميين أم من الشباب الثائر أو من المقاتلين في الجبهات فخصهم بأكثر من ملصق، الحرية لإدريس المسماري. الحرية لمحمد سحيم، الحرية لحبيب الأمين، الحرية لعاطف الأطرش، الحرية لكل أبناء ليبيا، لكل أبناء العالم، كل ملصقاته تنادي بالحرية، وربما كلمة حرية في الملصقات لو جمعنا حبرها لوجدناه أكثر من حبر الألوان.

ملصقات محمد مخلوف التي استخدم فيها تقنية الحاسوب حيث جعل بجدارة التقنية في قبضة الفن، حكت بانوراما شبه شاملة عن الثورة بواسطة الصورة وناصرتها وجدانيا، وبثت في قلوب المقاتلين المزيد من الشجاعة، وفي قلوب الناس المزيد من الثقة بأن الانتصار النهائي قادم. لقد سبق الفن المعارك الميدانية وحسم معركته مع الطاغية، وهذه الملصقات الإبداعية ينبغي الاستفادة منها في تصميم طوابع بريد جديدة لليبيا الحرة، فطوابع الديكتاتور ماعادت تنقل الرسائل بأمان، فلا أحد يريد أن يستلم بريدا ملوثا بالدماء.