عن نتائج تعليمنا ونتائج تعليم 'إخوانهم'

بقلم: سيف نصر الفيصل

لف الكاتب الدكتور يوسف اليوسف ودار في مقاله "الإمارات... من حكومة بلا شعب إلى حكومة بلا ارض!" ليتحدث عن الحقوق والأمن القومي والوضع السكاني والثروات في بلدنا.

لكنها حاجة في نفس يعقوب كان يريد إيصالها: الإخوان في الإمارات خسروا كثيراً ما أن كفت أيديهم عن حملاتهم "التبشيرية" في مؤسسة التعليم.

يتهم اليوسف التعليم في الإمارات بسلسلة من الاتهامات، لعل أبرزها "ترك سلطة التعليم في أيدٍ غير مواطنة" (وهذا غير صحيح) وأن "لا تكون للرؤية الوطنية والكوادر الوطنية اليد العليا في صياغتها" (وهذه فيها من المغالطة الكثير).

لنبدأ قبل أربعين عاماً. أين كان التعليم في الإمارات وماذا حقق خلال أربعة عقود؟

أن أي مراقب منصف، وغير موتور، سيقول إن دولة الإمارات قفزت تعليمياً بشعبها بشكل مذهل وهو واقع ملموس يكفي اليوسف أن يتلفت حوله ليدركه. أين كنّا وأين صرنا؟

المواطن الإماراتي متعلم (موضوع الأمية غير مطروح الآن)، ويحسن في أغلب الأحيان لغة ثانية ويتطلع بالعموم نحو الحصول على شهادة جامعية أو تقنية أو تأهيلية تفتح له باب العمل. كما أن حصة الإناث من التعليم لا تقل عن حصة الذكور بشهادة أن دوائر الدولة والمؤسسات الخاصة تحفل بالكادر النسوي الشاب المتعلم.

شبابنا يذهبون إلى الجامعات الإماراتية ويتعلمون على أيدي أساتذة أجلاء. بعضهم يختار الدراسة في الجامعات العالمية الكبرى التي استوطنت في الإمارات، وثمة عدد كبير من الطلبة يختارون الدراسة في الخارج في جامعات عريقة أو إكمال دراساتهم العليا فيها للحصول على الماجستير والدكتوراه.

صار مألوفاً أن تجد إعلاناً في الصحف الإماراتية يدعو الطلبة إلى الالتحاق بدراسة العلوم الهندسية النووية والإلكترونية وصناعة الطائرات في جامعات عالمية تستقبلهم لأنهم يحملون معدلات تسمح بقبولهم أسوة بالطلبة الغربيين أو أولئك القادمين من شرق أسيا أو الهند.

التعليم في الإمارات الذي لا يروق للدكتور اليوسف أوصلنا إلى معهد ومبادرة "مصدر" التي جعلت من أبوظبي عاصمة الطاقة البديلة وشريكة أهم المؤسسات التعليمية والبحثية في العالم في هذا الخصوص. لا أعتقد أن دكتورنا العزيز يستطيع أن يعترض على مكانة معهد أم أي تي الأميركي أو امبريال كوليدج البريطانية.

التعليم الذي يروق لليوسف شيء آخر. إنه التعليم الذي يتيح للداعية الإخواني أن يستغل فرصة درس الفيزياء في مدرسة ثانوية على سبيل المثال، ليبث أفكاره عن الإسلام السياسي ويجند العقول الطرية في هدفه. إنه التعليم الذي يتحدث عن الخوارق أو ذلك الذي يقوم على شعارهم "الإسلام هو الحل" دون أن يبالي بالرد على السؤال "الحل لأية مسألة؟".

أين أوصل هذا النمط من التعليم الآخرين؟ سأقول لليوسف لعله نسي.

كانت مصر رائدة في العلوم والفكر والثقافة على مستوى العالم العربي بأقل تقدير. في الفسحة الزمنية نفسها (الأربعين عاماً) التي تحول فيها المجتمع الإماراتي من مجتمع بسيط بمدارس ومؤسسات تعليمية تعد على الأصابع إلى ما هو عليه الآن، انتكس التعليم في مصر على يد "الدعاة" وسوء الأداء الحكومي ليصل إلى ما وصل إليه من نكبة تخلف البلد. هل يجازف اليوسف في أن يرسل أولاده إلى مدرسة مصرية يديرها "إخوانه" أم أنه سيسعد "بمساوئ" التعليم في الإمارات؟

التعليم الإخواني في مصر غيّر وجه المجتمع وحوله إلى مجتمع سلفي لا يفكر بالعلم والمعرفة بقدر ما يضيع في جدل الدخول بالرجل اليمين أم اليسار أو ما هو نجس وما هو طاهر.

التعليم الإخواني في السودان (باعتبار اليوسف ذكر هذين البلدين كقدوة للإماراتيين في مقاله) لم يكتف بتدمير البنية الاجتماعية في البلاد، بل مزق السودان سياسياً. صار البلد مصنعاً للمتطرفين الذين يأمرون بقتل المسيحيين من أبناء بلدهم وينهون عن التعامل العقلاني مع قضايا البلاد، بدلاً من أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.

دعني أزيدك من تجربة الإخوان "التعليمية" في اليمن. افتتح الشيخ الزنداني عدة جامعات "دينية" في البلاد. أتعرف ماذا تخرّج؟ سأقول لك. إنها تخرج فرقاً عسكرية متشددة بدأت أول ما بدأت باستباحة الجنوب وها هي اليوم كتائب تسيطر على المناطق المحيطة على مطار صنعاء، تقطع الطريق إليه وتوقف حركة الطائرات. لا أشك أن الرئيس اليمني علي عبدالله صالح يعض أصابع الندم اليوم على ما جناه بيده من خلال السماح لمثل هذا "التعليم".

السعودية انتبهت قبل فوات الأوان لخطورة المسألة، وها هي تحاول إصلاح ما أفسده "الدعاة المدرسون" ممن استقدمتهم اعتباطياً من مصر.

هل أقول لك كيف كانت مدارس الجزائر قبل استقدام المدرسين المصريين من الإخوان الهاربين من نظام عبدالناصر تحت غطاء التعريب وماذا حدث بعد ذلك؟ لا شك أنك سمعت، وأنت المهتم بالسياسة، عن الحرب الأهلية التي أودت بأكثر من 100 ألف جزائري في التسعينات من القرن الماضي. الدروس النظرية لتلك الحرب القذرة كان قد أعد لها على يد "الدعاة المدرسين".

***

قطع الطريق عليكم في نظام التعليم الإماراتي لم يكن بسبب اختلافكم السياسي مع توجهات قيادة البلد، بل لأن هذه القيادة سبرت أغواركم وقاست بما "أنجزتموه" في مصر والسودان واليمن والسعودية والجزائر وغزة وسوريا ولبنان والكويت وقطر.

منْ يسمح أن تكون الفتنة مادة تدرس في مدارس الإمارات إلى جانب الفيزياء والكيمياء والأحياء والعربية والدين الإسلامي الحنيف؟

سيف نصر الفيصل