'لعنة سيناء' تطارد المتسللين الأفارقة إلى اسرائيل

شربنا البول من أجل البقاء على قيد الحياة

القاهرة وتل أبيب ـ كانت غ.أ تتطلع إلى مغادرة اريتريا مع زوجها للحصول على حياة أفضل في إسرائيل إلى أن وجد الزوجان نفسيهما مخطوفين من قبل البدو في صحراء سيناء في مصر الذين طالبوهما بدفع المال مقابل إطلاق سراحهما.

وعن تلك التجربة قالت "هددوا بقتلي وزوجي إذا لم ندفع. لم يقدموا على ضربي ولكن طُلب من أشخاص آخرين أن يخلعوا ملابسهم وتعرضوا بعد ذلك للضرب. وفي النهاية، فصلوا النساء عن الرجال، ثم جاؤوا في الليل وأخذوا فتاتين وعندما عادت الفتاتان كانتا تجهشان بالبكاء. لم يسألهما أحد عما حدث لهما، لأن الجميع كان يعلم أنهما قد تعرضتا للاغتصاب".

و"غ.أ" التي روت مأساتها من مدينة يافا في إسرائيل، هي مجرد واحدة من المئات من طالبي اللجوء الذين تهربهم العصابات الدولية كل شهر من القرن الإفريقي إلى الشرق الأوسط عن طريق السودان في أغلب الأحيان، للبحث عن فرص أفضل.

مع ذلك، تقول جماعات حقوق الإنسان أن الأمر ينتهي بالكثير منهم في الأسر، إذ تحتجزهم في الكثير من الأحيان قبائل البدو في سيناء ـ على الحدود مع إسرائيل ـ حتى يقوم أقاربهم بدفع فدية لإطلاق سراحهم.

وقال شاهار شوهام، مدير قسم اللاجئين وعديمي الجنسية في المنظمة "وخلال السنة الماضية، عالجت عيادة إسرائيل المفتوحة التابعة لمنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان الآلاف من ضحايا التعذيب الذين دخلوا إسرائيل بعد نجاتهم من الأسر والتعذيب في صحراء سيناء".

وأوضح أنه "من بين 284 شخصاً تمت مقابلتهم، ذكر 59 بالمائة أنهم كانوا أسرى مكبلين بالسلاسل؛ و52 بالمائة أنهم تعرضوا لعنف شديد بما في ذلك اللكم والصفع والركل والجلد".

وأضاف قائلاً "إننا نحيي زملاءنا في مصر الذين يعملون على حماية اللاجئين والدفاع عن حقوقهم، وندعو السلطات المصرية لوضع حد فوري للأعمال المروعة التي وثقناها وإطلاق سراح الأسرى وتوفير الحماية الكاملة للضحايا".

شهادات الضحايا

مثل غ.أ، غادر أسير آخر يدعى إ.ف إريتريا بعد أن أخبره صديقه عن وظيفة جيدة في السودان.

وروى قصته من يافا قائلاً "تم اختيار سبعة أشخاص للوظيفة، ولكن صاحب العمل اصطحبنا إلى منزل في كسلا (شمال شرق السودان)، حيث وجدنا فتاتين مقيدتين بالسلاسل...أبقانا صاحب العمل في المنزل لمدة شهر قبل أن يحضر الأشخاص السبعة إلى سيناء. استغرقت الرحلة إلى سيناء عشرة أيام، وهناك ضربونا بشدة".

وبعد ثلاثة أيام، تمكن إ.ف من الهروب ولكن المهربين أسروه من جديد، وقال "ضربوني حتى تورم جسدي...ثم أمروني أن أضرب الآخرين. أمرني رجل عجوز بضرب الآخرين، ولأنه لم يكن لدي خيار آخر، كنت أبكي وأنا أفعل ذلك، وكذلك فعل الأشخاص الذين كنت أضربهم. أرغموني بعد ذلك على بناء منزل مع رجال آخرين. وكان الرجال يعملون وهم مقيدون بالسلاسل".

وأضاف "فررنا من المهربين مرة أخرى....كنت ضعيفاً ومتورم الساقين. ركض الآخرون، ولكنهم وقعوا في الأسر مرة أخرى. لم أتصل بوالدتي لأنها فقيرة جداً وليس لدي عائلة في الخارج أطلب منها المال لدفع فدية. لقد قيدوني لعدة شهور وجعلوني أقوم بوظائف قذرة. لم آكل شيئاً لمدة 12 يوماً. مكثت معهم عشرة أشهر كنت أعمل فيها كالعبيد، كما فقدت الإحساس بالأيام والشهور. وفي نهاية المطاف، أرسلوني إلى إسرائيل بعد أن دفع أصدقاء التقيت بهم في سيناء 3 آلاف دولار لإطلاق سراحي".

وقال أ.د، وهو ضحية أخرى يعيش الآن في يافا "بعد وصولنا إلى السودان من اريتريا، انتظرنا لمدة 21 يوماً لكن المهربين لم يأتوا. وخلال هذا الوقت، توفي خمسة من المجموعة بسبب العطش. ما تزال عبارة "أعطونا الماء...أعطونا الماء" تتردد في رأسي. شربنا البول من أجل البقاء على قيد الحياة.وبعد قدوم المهربين، تنقلت بين خمس مجموعات مختلفة من المهربين. وتم احتجازي في معسكر لمدة 20 يوماً مقيداً بالسلاسل. شاهدت آخرين يموتون، وتعرضت للضرب والحرمان من الطعام والماء، كما تعرضت للتعذيب ولأشعة الشمس الحارقة".

مثل الثلاثة الآخرين، مر أ. بتجربة مؤلمة، حيث قال "رأيت أربعة أشخاص يموتون من العطش، بعد أن تُركوا دون ماء لمدة أربعة أيام في الصحراء. صرخوا طلباً للمياه وكانوا يستنجدون بأمهاتهم، ولكن لم يكن هناك ماء لنعطيه لهم. لقد عانيت من صدمة حقيقية بسبب هذه التجربة. لم يخطر ببالي أبداً أنني سأخرج منها على قيد الحياة. لم أستطع الكلام بسبب العطش. لقد كانت تجربة مرعبة، وعانيت من كوابيس لفترة طويلة بعد انتهائها".

ويجتمع بعض الناجين من هذه المحنة، الذين يطلقون على أنفسهم الآن اسم "مجموعة سيناء"، بشكل منتظم في نيف شانان في إسرائيل للصلاة من أجل أولئك الذين لقوا حتفهم وأولئك الذين ما زالوا في الأسر.

وقالت غ.أ إن "بعض الأعضاء يأتون كل شهر، والبعض الآخر لا يأتي، ولكن من المفيد لهم أن يجتمعوا للحديث معاً"، مضيفة أن بعض المهربين لا يعاملون أسراهم بقسوة.

وأضافت أن "هناك أكثر من 15 مجموعة في سيناء. بعضها يعامل اللاجئين بشكل جيد ويقدم لهم المواد الغذائية والمشورة وهناك ثلاث أو أربع مجموعات سيئة".

أشكال التعذيب

ووفقاً لمنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل، تشمل أشكال التعذيب المستخدمة الدفن في الرمال والصعق بالصدمات الكهربائية والتعليق من اليدين والساقين والحرق بمعدن ساخن لوضع علامة على الجسد، فضلاً عن الاغتصاب والاعتداء الجنسي.

وأفاد شوهام أن "44 بالمائة من الأشخاص الذين استطلعنا آراءهم أفادوا أنهم شهدوا تعرض غيرهم من طالبي اللجوء إلى العنف أو الوفاة أو الأمرين معاً...كما ذكر معظمهم أنهم تعرضوا للحرمان من الطعام أو الماء خلال فترة احتجازهم في سيناء".

وقد دعت جماعات حقوق الإنسان المحلية في مصر حكومتها لضمان حماية طالبي اللجوء تمشياً مع التشريع الصادر في مايو 2010، والذي يجرم الاتجار بالبشر بغرض التشغيل والاستغلال الجنسي.

وفي هذا الإطار، قال أحمد بدوي، رئيس المنظمة المصرية لحقوق اللاجئين، وهي منظمة غير حكومية "يجب أن تعد حكومتنا خططاً واضحة للتعامل مع المهاجرين الذين يحاولون عبور الحدود من هنا إلى بلدان أخرى...لقد وقعت مصر على العديد من الاتفاقيات في هذا الصدد، ويجب عليها التقيد بشروط هذه الاتفاقيات".

وفي ديسمبر/كانون الأول، أصدرت 13 منظمة حقوق إنسان مصرية بياناً يدعو الحكومة إلى التدخل، قائلة إن الضحايا كانوا يتعرضون للضرب والحرق والجلد بالأسلاك الكهربائية أثناء اتصال الخاطفين بأقاربهم للضغط عليهم لدفع فدية.

وذكر البيان كذلك أنه "يتم فصل النساء عن الرجال واغتصابهن بشكل جماعي ومتكرر من قبل الخاطفين".

وتقول هذه الجماعات إنها تتلقى باستمرار تقارير عن المعاملة غير الإنسانية التي يلقاها المهاجرون على أيدي الخاطفين من البدو.

فعلى سبيل المثال، قالت مجموعة من 200 إريتري أنها محتجزة منذ عدة أشهر في ظروف غير إنسانية في سيناء.

ويقيم البدو تقليدياً في شبه جزيرة سيناء، وهي منطقة على شكل مثلث يقع بين قناة السويس غرباً والحدود المصرية الإسرائيلية إلى الشمال الشرقي.

والبدو هم تاريخياً سكان رحل يشكون من إهمال الحكومة لهم والتمييز ضدهم.

وكمنطقة منزوعة السلاح إلى حد كبير، وفقاً لأحكام اتفاقية كامب ديفيد للسلام الموقعة في 1979، لا توجد سوى قوات شرطة محدودة تابعة للسلطات المصرية في المنطقة.

بلد عبور

ووفقاً لتقرير الاتجار بالبشر الذي أصدرته وزارة الخارجية الأميركية في 2010، تعد مصر بلد مصدر وعبور ووجهة للنساء والأطفال الذين يتعرضون للاتجار في البشر، وتحديداً للقيام بأعمال السخرة والبغاء القسري.

ويشير التقرير إلى أن أشخاصاً من إثيوبيا وإريتريا والسودان وإندونيسيا والفلبين، وربما سريلانكا، يهاجرون طوعاً إلى مصر، حيث يتعرضون في بعض الأحيان إلى العمل القسري في المنازل.

وقال تقرير صدر في نوفمبر 2010 عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه قد تم تسجيل نحو 40 ألف لاجئ وملتمس لجوء في مصر. ومعظم هؤلاء، كما لاحظ التقرير، كانوا سودانيين، يليهم العراقيون والإثيوبيون والصوماليون والاريتريون.

ووفقاً لمنظمة هيومان رايتس ووتش، تعمل في منطقة سيناء منذ عام 2007 على الأقل شبكة لتهريب المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء عبر مصر إلى إسرائيل.

وبالإضافة إلى المهربين الذين يرشدون الناس عبر الحدود بصورة غير مشروعة من أجل المال، ولكنهم لا يستغلونهم أو يعتدون عليهم، هناك أيضاً المتاجرون بالبشر العاملون في سيناء، الذين يسيئون معاملة المهاجرين الواقعين تحت سيطرتهم ويحتجزوهم للحصول على فدية.

ويطلب المهربون عادة ما بين 2500 و3 آلاف دولار مقابل الرحلة إلى حدود إسرائيل.

لكن لدى وصول المهاجرين إلى سيناء، غالباً ما يجدون أنفسهم في أيدي مهربين يطلبون أموالاً إضافية تتراوح ما بين 500 و10 آلاف دولار.

ويهدد المهربون بقتل المهاجرين أو إيذائهم ـ وفي العديد من الحالات، يهددون بانتزاع كلاهم وبيعها في سوق كبيرة غير مشروعة في مصر ـ إذا لم يدفعوا الفدية.

وقال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش في ديسمبر/كانون الأول الماضي "وكثيراً ما تقول السلطات المصرية أنها تشن حملة للقضاء على الجريمة المنظمة في سيناء...ولكن رد فعل الحكومة بطيء عندما يتعلق الأمر باحتجاز المتجرين بالمئات من المهاجرين بغرض الحصول على فدية".(ايرين)