ماذا بعد المائة يوم؟

بقلم: موفق الرفاعي

لنعترف، انه كان خطأ، الاستجابة الى طلب رئيس الحكومة امهاله مائة يوم، وايقاف التظاهرات المطلبية المشروعة حتى باعتراف رئيس الحكومة ذاته.

بالتأكيد، لا احد صدّق ان ما أهمل انجازه طيلة ثمانية أعوام سيتحقق في مائة يوم.

كان المالكي يبحث عن فرصة لالتقاط انفاسه وترتيب أوراقه، وكان منسقو التظاهرات وقادتها يريدون احراجه او إسقاط جميع ذرائعه.

المنسقون والقيادات ومعهما القوى السياسية المعارضة والمشاركة والتي تختلف مع رئيس الحكومة في توجهاته، اغفلوا كون المالكي، يقبض بيده على اوراق كثيرة تُمكنه من قلب الطاولة بوجوه معارضيه، ويمتلك اضافة الى ذلك، ناصية التأويل والمقدرة على التلاعب بالمفردات اللغوية.

واغفلوا كذلك، انه القائد العام للقوات المسلحة وانه يجمع بين منصبه رئيسا للحكومة وثلاثة وزارات تعد الاهم من بين بقية الوزارات الاخرى.. الدفاع والداخلية والامن الوطني، ما يؤهله اصدار الاوامر بضرب اي تحرك يشعر انه يزعزع موقعه، حتى لو كان ذلك التحرك سلميا.. مثل التظاهرات والاعتصامات والعصيان المدني.

نوري المالكي الذي اشتهر من بين جميع القيادات السياسية العراقية الاخرى، بقدرته على التنصل من تعهداته ووعوده وحتى الاتفاقات التي يبرمها مع الاطراف الاخرى او الالتفاف عليها، فالدستور حمّال الأوجه في يمينه وتفسيرات المحكمة الاتحادية التي غالبا ما تأتي متوافقة ورغباته بل وارادته في يساره.

حتى حلفاؤه في الائتلاف العراقي، لم يسلموا من تلك المناورات والتسويفات والتأجيلات، التي يُذوِّب بها تلك الاتفاقيات والتعهدات.

يقابل كل ذلك ان الاطراف السياسية الاخرى والمعارضة للمالكي، هي في موقف اضعف منه، وليس بيدها ما بيد المالكي من اوراق لتضغط بها عليه، وتخضع باستمرار للضغوطات الخارجية والتي تأتي عادة على شكل نصائح وفي احيان اخرى بشكل توجيهات وأوامر.

نوري المالكي، راهنَ على الوقت في تهدئة الشارع العراقي فترة الايام المائة، وراهن على الوقت ايضا في احراج الادارة الاميركية، التي توشك على سحب قواتها من العراق نهاية العام الجاري، وحريصة على ان تترك العراق، ان لم يكن مستقرا، فشبه مستقر، لتقول للعالم وللرأي العام الاميركي، انها نجحت في تحقيق اهدافها من وراء غزوها للعراق واحتلاله بذريعة اسقاط النظام السياسي فيه واعادة تشكيل الدولة العراقية، وسط اجماع المراقبين والمحللين السياسيين، انها كانت خطوة فاشلة.

قد يقول البعض لا بأس، ان قرار المتظاهرين الاستجابة لمهلة المائة يوم، لم يكن صائبا ولكن بالامكان البدء من جديد.

نعم.. هذا ممكن. ولكن.. من اين تكون البداية؟

هل ستكون عودة الى المطالب التي نُودي بها في 25 شباط الماضي وبذات الشعارات التي رفعت؟

مؤتمر اسطنبول الذي انفضَّ قبل ايام والذي عقده هناك من اطلقوا على انفسهم "ناشطو الحركات الاحتجاجية العراقية"، تمخض عن عدة توصيات هي: "نبذ النهج الطائفي والمحاصصة في إدارة مؤسسات الدولة العراقية، اضافة الى تفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب وممارسة صلاحياته في المساءلة والمحاسبة، والدعوة لتشكيل حكومة كفاءات وطنية تعتمد التخصص في إدارة وزارات ومؤسسات الدولة بعيدا عن المحاصصة الحزبية والمطالبة بفتح جميع ملفات الفساد لكل الحكومات التي تشكلت بعد عام 2003 بما فيها سلطة الائتلاف المؤقتة فيما يتعلق بالأموال والارصدة العراقية المسروقة او المهدورة، والعمل بالمعايير الدولية لحقوق الانسان والحريات العامة من دون أي تقييد او تأويل".

هذه التوصيات، تغفل جانبا مهما.. هو استحالة العمل عليها او تحقيقها في ظل النظام السياسي الحالي - العملية السياسية- كون هذا النظام، يرتكز على اساسين اثنين، كانا وما زالا هما المسببان لكل هذه الفوضى غير الخلاقة.. المحاصصة السياسية - الطائفية ومبدأ التوافق، واللذان يقودان الى تشارك الاطراف والقوى السياسية، وليس الى المشاركة في صنع القرارات، وبالتالي تحمّل المسؤولية التي تقع على جميع الاطراف.

لقد روج المالكي في الفترة السابقة، الى موضوع تحمل الجميع للمسؤولية في فشل البرنامج الحكومي، كون الجميع مشاركون في الحكومة. فيما الحقيقة، ان القرار له وحده، بما يجمعه بيده من سلطات دستورية وقانونية وعسكرية.

وقد اشتكى كثير من المسؤولين من هذا التفرد في اتخاذ القرارات حتى من داخل الحكومة، مثل نائب رئيس الوزراء صالح المطلق او من رئاسة الجمهورية مثل عادل عبدالمهدي ومن الكتل السياسية من خارج الائتلاف الوطني مثل اياد علاوي ومن داخله مثل عمار الحكيم وحتى من داخل قيادات قائمته.. دولة القانون.

يجب ان تتوجه مطالبات المتظاهرين.. الى اعادة النظر في العملية السياسية وما يستتبع ذلك من الغاء لمبدئي المحاصصة والتوافق، والى اعادة النظر في صلاحيات المحكمة الاتحادية، بما يضمن نزاهتها واستقلالية احكامها، بعيدا عن تأثيرات السلطة التنفيذية او اية سلطة اخرى، سواء كانت تشريعية او سياسية، واجراء التعديلات الدستورية التي تضمن ذلك، والى الدعوة لاجراء انتخابات مبكرة، يسبقها سن قانون جديد للانتخابات، يأخذ بمبدأ الترشيح الفردي. فحتى القانون الجديد الذي سبق الانتخابات الاخيرة في العام الماضي، والذي استند الى القائمة المفتوحة، امكن لقيادات الكتل السياسية الالتفاف عليه.

لست متفائلا، ان هذا كله ممكن تحقيقه. ففي ظل غياب كامل لاحزاب وتنظيمات مدنية من خارج العملية السياسية، لن يكون بالامكان تجميع الشارع العراقي المنقسم، على استمرار المطالبة بكل ذلك حتى يتحقق.

الوضع في العراق يتعقد، وكل شيء فيه يسير نحو المجهول، ما لم يكن المتظاهرون، اكثر وعيا بمطالبهم، واكثر ادراكا، لما يمكن ان يؤول اليه الوضع حين يتراخون او يُفرّطون بأهدافهم، تحت وطأة القمع الحكومي او استجابة لوعود لن تتحقق وتصاغ بلغة تتعدد تأويلاتها تمهيدا للتّنصّل منها.

موفق الرفاعي