ربات البيوت يردن إسقاط النظام..

بقلم: علي مغازي

غالبا ما توصي الأم ابنتها ليلة الزفاف قائلة لها: "هذا زوجك، غطاؤك إذا نمت فكوني فراشه إذا نام، سماؤك إذا مشيت فكوني أرضه إذا مشى. إمّا أمرك فأطيعيه وإمّا تكلّم فانْصتي له، وإمّا صمت ففي صمته حكمة لا تقطعي حبلها بثرثراتك.. هو تاج رأسك وأنت حذاؤه، فكوني أطوعَ له من قدميه وألينَ له من جلده. أَظهري له أحسن ما فيك لتَسرّيه.. ولا تجعلي بصرك يقع على عيب فيه، لأن كل العيب في عينك التي ترينه بها...

يا بنيّتي.. الكمال أصل في الرجال فإذا أصاب الرجلَ نقصانٌ فبسبب زوجته. والنقصان أصل في النساء فإذا اكتملت امرأة فبفضل زوجها..."

وهكذا من تلك الوصايا الجاهزة سلفا.

الأب عادة يوصي ابنه بالشدة والحزم، في معاملة زوجته، ويلقنه المزيد من حكم الأجداد عن غدر المرأة وسوء صنيعها، وعن تحالفها الأبدي مع الشيطان: "لا تزايدْ في شحّك عليها حتى لا تستغني عنك.. ولا تُكْرمها أكثر مما تستحق من كرمك حتى لا تتطلع إلى أعلى السور الذي شيدته حولها.. لا تضحكْ في وجهها أولا حتى لا تضحك منك أخيرا.. لا تُقربها إليك حتى لا تتجاوزك، ولا تتساهلْ معها حتى لا تسهل عليها. كنْ عصيا لتربح طاعتها، صلبا لتضمن لينها، قويا لتكسب ضعفها.."

وهكذا من تلك الوصايا الجاهزة سلفا.

بعض الناس يقولون: دعك من هذا الكلام.. إن الأمور تغيرت في هذا العصر. وأنا أقول: حقا إن الأمور تغيرت، لكن إلى الأسوأ.

الزوج والزوجة في الماضي كانا مؤمنين بوصايا الأهل وقد عاشا معا بكل رضا؛ هي في الأسفل وهو في الأعلى. هو السيد وهي الجارية. ومرت الأمور بينهما كما اتُفق عليه؛ لا شعور بالتناقض ولا رغبة في التغيير. كانا يقولان: إن الحياة هكذا فحسب.

الزوج والزوجة في عصرنا هذا ينفّذان وصايا المجتمع المحكوم بقاعدة "سيادة الرجل ودونية المرأة"، لكنهما ينفذان دون إيمان بصحة تلك الوصايا، فثمة شعور هائل بالتناقض وإمكانات هائلة لإحداث التغيير. لكنهما يقولان معا: لا يمكن أن تكون الحياة هكذا..!!.. ترى أين الخلل..!!؟؟

النساء يعشن تحت تأثير الدراما ويخن أزواجهن في الحلم مع أبطال المسلسلات.

الرجال يشاهدون نشرات الأخبار ويلعنون الحكومة ويتحدثون في أمور بالغة التعقيد تضفي عليهم ملامح الهمة والريادة.. يتحدثون عن الأزمة الاقتصادية والانحلال في المجتمع، وعن ضرورة سقوط النظام وكذلك فساد الجيل الجديد، ثم أنهم يرفضون التدخل الأجنبي. لكنهم أيضا لا يتوانون عن خيانة زوجاتهم مع نساء جاهزات لهذا الغرض، وفي أحسن الأحوال يخونون زوجاتهم في الحلم مع حوريات الجنة.

حتى لا يكون الألم مهنة النساء..

الزوجة تطلق صرخة وهي بالمطبخ، فيهبّ الزّوج المتحضر إليها..

- ماذا حدث يا حبيبتي..؟

- كما ترى لقد تورم ساقي..

في الواقع إن ساقها بخير لكنها تفتعل الألم.

الزوج ينزل على الفور ويشغل محرك السيارة ويحملها بسرعة إلى المستشفى. وتعود بعد ساعة وقد تعافت مما لم يصبها. تستلقي في سريرها سعيدة حزينة..

إنها سعيدة لأن زوجها أبدى اهتماما رائعا وعالج الحدث بكل ايجابية، لكنها تشعر بخيبة من نوع ما لأنها لم تكن تريد أكثر من يدلك ساقها حتى تشعر بالحب.

حيثما تلتقي بعض النسوة، في أية قاعة انتظار، فإن أول ما يتحدثن فيه هو الصحة.

كل واحدة تسال الأخرى عن حالها، وكل واحدة تجيب بأنها "تحمد الله.."، رغم الألم الذي تعانيه، خصوصا في أوقات المساء.

إنها تعابير يتمّ تداولها بسلاسة، متبوعة بحركات معتادة لا تخلو من رائحة عرق غير منفّرة بالضرورة، كأنْ ترفع امرأة ذراعها وتتحسّس مكانا قريبا من إبطها قائلة: "..الألم يبدأ من هنا.. ثم ينتقل تدريجيا إلى هنا.. وأحيانا إلى هنا.. تقريبا إلى هنا.. لكن ليس إلى هنا تماما.. و.. في (مرات قليلة) يجثم الألم هنا.."..

عبارات قليلة لا تعني سوى أن لديها موضوعات احتياطية أخرى قد تلجأ إليها في حال توفر المزيد من الوقت.

إنها تنقل يدها من مكان غامض في جنبها الأيسر إلى مكان أشد غموضا، وقد تسحب يدَ إحدى المنصتات إليها وتثبتها قرب كليتها هذه أو تلك، قائلة: "..آه يا أخيّتي.. نعم بالضبط هنا..".. فتتجاوب امرأة دخلت للتو قاعة الانتظار، قائلة:

- أيحدث لك كذا.. وكذا..؟

- بلى والله.. هذا ما يحدث لي بالضبط..

- أنا أيضا يحدث لي هذا.. لكن ليس في جنبي الأيسر..

وتبدأ المتحدثة الجديدة بإطلاق التعابير والحركات المتفق عليها سلفا. وينتهي الأمر إلى أن موطن الألم بالفعل في الساق.. لا..لا بل تحت الأذن.. أو في رقعة غير معلومة من الجسد.

في الواقع إن الجسد بكامله، لدى غالبية النساء الجزائريات هو مصدر الألم.

الأزواج يؤمنون بتلك الحكمة القائلة "المؤمن طبيب نفسه". لذلك فهم الأكثر قدرة على تحديد مواقع الألم في أبدانهم.

إنهم لا يجتهدون في فهم المرأة التي هي بدورها لا تجتهد في فهم نفسها. وعليه فلا مجال أمام الأزواج الصالحين سوى تشغيل محركات سياراتهم ونقل زوجاتهم إلى الطبيب.

أزواج وزوجات.. والحكومة بينهما

الأزواج ممتنون جدا للحكومة التي لا تتوقف عن تشييد مستشفيات قريبة من مساكنهم، وتوفير أطباء مختصين في الأمراض النسائية، لهم قابلية استماع عجيبة للزوجات التعيسات وهن يخبرن عن حالهن.

إنهم ينقلون زوجاتهم على جناح السرعة إلى الطبيب، ليس بدافع الحرص على علاجهن بالضرورة، ولكنهم يفعلون ذلك ليؤدوا واجبهم اتقاء لتأنيب الضمير، أو لنقلْ إنهم يلقون بالمسؤولية على عاتق الأطباء، ذلك أن الحكومة الرائعة تدفع للأطباء قدرا جيدا من المال، مقابل أن يستمعوا لربات البيوت ويصفوا لهن مسكنات ألم فعالة.

في الواقع إن الأزواج يدركون أن زيارة الطبيب في حد ذاتها هي أفضل مسكن لآلام الزوجات. والحكومة أيضا تدرك هذا، فهي توفر المزيد من أطباء الأمراض النسائية ولا تهتم بتأسيس خلايا جوارية للمساعدات الاجتماعية، ومدارس لمنح الشباب المقبل على الزواج شهادة "مؤهل للعيش مع الجنس الآخر".

الحكومة أيضا ممتنة للأزواج، فهي توفر لهم أجواء مناسبة لمشاهدة نشرات الأخبار المعادية للنظام القائم، وتسمح لهم أن يعبروا ـ وهم في حوض الحمام ـ عن استيائهم من غياب الحرية والعدالة، وينتقدوا المؤسسات الرسمية لأنها لا تستمع لوجهات نظرهم وأفكارهم البناءة. إنها تدعهم يضمرون السوء لها ويشتمونها في السر والعلن، وتغض الطرف عنهم ماداموا يؤدون العمل المطلوب منهم سلفا.

الحكومة الرائعة مقتنعة أنها تخسر قليلا، كونها مضطرة لتحمل ثقل دم الأزواج المعادين لها، لكنها تربح الكثير من هؤلاء الأزواج، لأنهم يقومون نيابة عنها بشلّ النصف الآخر من المجتمع وإعاقته عن الحركة والكلام؛ أعني هنا ربات البيوت.

الحكومة تقمع الأزواج بلطف ممنهج وتنقلهم على جناح السرعة إلى مستشفات رمزية تبث علاجاتها، أفقيا وعموديا، عبر الأقمار الصناعية، ليحصلوا على مسكنات. والأزواج يقمعون بلطف عشوائي زوجاتهم وينقلونهن إلى طبيب المستشفى المجاور لتلقي حصة في تطييب الخواطر.

قدم النظام على أعناق الأزواج وأقدام الأزواج على أعناق الزوجات. والزوجات يربين المجتمع على تقبل العيش تحت أقدام الجميع. إنها معادلة بشعة.

النظام السياسي يستعين بصمت الزوجات لمواجهة احتجاج الأزواج ضد بقائه..

الأزواج يستعينون بصمت الحكومة لقمع احتجاج الزوجات ضدهم..

الزوجات يعتقدن أن إسقاط النظام السياسي ليس من قبيل أولوياتهن، فهن مشغولات بالتخطيط لإسقاط السلطة الذكورية التي يستمد النظام القائم قوته منها.

أيها الأزواج تريدون أن يسقط النظام..!!؟؟.. فليسقطْ إذن ذلك النظام المعشعش في رؤوسكم.

تحدثوا إلى النساء واستمعوا لهن، تتحدث إليكم الحكومة وتستمع لكم.

أحبوا لتطوّرا مستواكم المعيشي

أن تعبر عن الحب لزوجتك فهذا لا يعني فقط، أن تهديها مزيدا من الورد خلال عيد الحب. أو تنتظر عيد زواجكما أو عيد ميلادها لتقوم بتصرف لطيف إزاءها.

التعبير عن الحب يجب أن يكون سلوكا يوميا يبدأ من قبلة الصباح.

يقول قائل: إن الظروف المعيشية الصعبة تنسي أو تحول دون ممارسة بعض الناس لهذه الأمور الحميمة الرائعة.

من المؤسف أن هذا صحيح جدا، لكن ما رأيكم لو قلت لكم إن هذه الظروف الصعبة لن تتحسن إلا إذا بدأتم فعليا في أخذ الأمر على محمل الجد وبادرتم بإعطاء قبلات عميقة لحبيباتكم قبل مطلع الشمس، مرفقة بعبارات جميلة من قبيل: أنت شمس حياتي الطالعة. وهكذا يحدث التعبير عن الحب وتتحرر الطاقات الداخلية وينموا الذكاء الاجتماعي لديكم، وتكونون على استعداد لإحداث التغيير العميق في حياتكم الخاصة، مما ينعكس ايجابيا على مستواكم المعيشي،

الشعوب التي تهدر أكبر قدر من السعرات الحرارية في ممارسة التقبيل، هي بالضرورة شعوب أكثر استقرارا وحرية، ناهيك أن اقتصادها القومي في ارتفاع مستمر.

أنا أعرف شخصا كان يعمل في الشبكة الاجتماعية وكانت ظروفه بالغة السوء، كان يبدو مهموما، بينما هو يؤدي عمله بجد في ساحة البلدية، وكان مهموما أيضا وهو في المقهى يتبادل الحديث مع أصدقائه.

أهديته بضعة صفحات تقع جميعها تحت عنوان "المكتمل في صحيح القبل"، وهو فصل من كتاب لطيف أقوم بإنجازه. وقلت له: هيا اقرأه جيدا وانتظرْ كيف يكون مطلع الشمس لاحقا.

لقد تجاوز همومه وقرأ هذا الفصل لعدة مرات، وأظن أنه تشجع وأغرق زوجته في القبل فتحسّنت صحتها.

كان هذا الشخص يصرف الجزء الأكبر من ميزانيته الصغيرة على علاج زوجته المصابة بمرض لا وجود له. وما إن بدأ بتقبيلها والتغزل بها حتى وفّرتْ عليه مصاريف العلاج فلم تعد بحاجة لزيارة الطبيب. ثم اهتم بتطوير تعابيره العاطفية إزاءها فزاد حماس زوجته وصارت تساعده في ميزانية البيت من خلال عملها كخياطة، وهي تفكر اليوم بالاستفادة من مشروع موجه لربات البيوت، حتى يتم التغلب على كل الظروف الصعبة.

تظنون أن القصة من صنع الخيال..صح!!؟؟

بالله عليكم.. متى تكفون عن هذه الشكوك المزرية.. أليس من الأفضل الظّن بأن همومكم هي التي من صنع الخيال..!!؟؟

هيا قوموا حالا واشرعوا في تقبيل زوجاتكم حتى مطلع الشمس.

من هم هؤلاء الجميع الذين نجيد الحديث إليهم..!!؟

لم يشأ أن يخبرني الصديق الشاعر السعودي عبدالوهاب العريض، عن القناة التي ستبث لقاء تلفزيونيا سيحضره.

لقد كان مستعجلا، واكتفى بالقول:

لا عليك.. إنه برنامج خاص بربات البيوت فقط..

والواقع أنني لم أستطع تخمين ما يمكن أن يدلي به شاعر مجنون، من أفكار وأحاديث تكون موجهة للنساء فقط. ليس هذا فحسب، بل لصنف من النساء هن ''ربات البيوت'' تحديدا.

بالنسبة لي، أنا أعاني نقصا فادحا في المواضيع التي تجعل سيدة بيت تترك مطبخها المقدس، وتجلس لمتابعة أحاديثي باهتمام بالغ. ما تراني سأقول لها لأحصل منها على قليل من الإعجاب، حتى لا تجد نفسها نادمة على الوقت الذي ضيعته في الاستماع إلي دون أن تجني فائدة؟

أظن أنها ستتأفف وتطلق عبارة من قبيل:

هل أصيب أصحاب التلفزيون بالجنون؟ ما بالهم يجلبون أشخاصا من هذا النوع الغريب؟

لا أفكار لدي حول ''خل التفاح'' و''دوالي الساقين'' و''طرق تنظيف السيراميك'' و''حريق المقلاة'' و''الطرق الأفضل لكسب المزيد من خسارة الوزن''..

على الأرجح أنني سأعتذر قائلا:

لن أغامر في قبول أي دعوة تلفزيونية ما لم تكن موجهة للجميع.

هيا نتصور أن لدينا في الجزائر قنوات تلفزيونية عديدة.

قناة ''تونة'' موجهة للصيادين، ''خيط الروح'' موجهة لعرض الأزياء، ''بيتها'' موجهة للماكثات في البيت، ''صناعة الظلال'' موجهة للعاطلين عن العمل، ''ورد وشوك'' للمراهقات والمراهقين.. وهكذا..

لنتصور ذلك، ونفترض أننا قمنا بدعوة أحد الشعراء للحديث في إحدى هذه القنوات المتخصصة. هل سيقبل الدعوة؟ وإذا قبلها، فماذا سيقول للصيادين أو المهتمات بالطرز والخياطة أو البطالين أو المراهقين أو ربات البيوت؟ إن هذا لأمر في غاية الصعوبة.

على الأرجح أنه سيعتذر قائلا:

أنا لن أغامر في قبول أي دعوة تلفزيونية ما لم البرنامج موجها للجميع..

تذكروا، إذا توالت الاعتذارات هكذا، فلن يكون بوسعنا تأسيس قنوات تلفزيونية متخصصة. ذلك أن الكلام الموجه للجميع لا ينفع الجميع دائما. فليس المجتمع سوى فئات متداخلة متشاركة..

من هم هؤلاء الذين نجيد الحديث إليهم دائما، تحت مسمى ''الجميع''.. أليسوا الصيادين وربات البيوت والبطالين والحلاقين وباعة سمك ''التونة''؟

آه.. صحيح.. ما أخبار حصة الجزائر من سمك ''التونة''؟

هه.. لا علينا. فهذا موضوع بالغ الاختصاص رغم أنه يهم البحارة ورجال الاقتصاد، ويهم ربات البيوت والدبلوماسيين والمستهلكين وتجار الجملة و.. و.. و..

إنه يهم كل الفئات الخاصة التي تشكل في مجملها ''جميع'' فئات المجتمع.

بعد هذا المقال، سأكون ملزما بتغيير رأيي، وأقبل أية دعوة لأي برنامج خاص بربات البيوت، اقتداء بصديقي الشاعر عبدالوهاب العريض.. رغم ذلك أموت لأعرف ماذا سيقول لهن!

علي مغازي

شاعر وكاتب