أفلام إماراتية تبحث في قضايا الهوية والموروث

بقلم: طاهر علوان
السينما مرآة للحياة

لا شك أن موضوعات الهوية والذات والآخر كانت ولا تزال تشكل هاجسا يوميا متناسبا مع واقع الحياة المتسارعة وتداخل الأعراق والقوميات والثقافات في مجتمع العولمة ومابعدها من آفاق مفتوحة ومجتمعات تواصل تعميق هويتها والحرص على الحفاظ عليها، ومن هنا يجيء دور الصورة الفيلمية في تتبع هذه التحولات المرتبطة بالإنسان وبدوافعه وحاجاته وتطلعاته، ومن هنا أيضا يمكن ان نفهم نسق العلاقات الذي تؤسسه مسألة الهوية وتدفع باتجاه حوارات متواصلة تتعلق بهذا الموضوع المهم. ومما لاشك فيه أيضا وجود القلق في مسألة الهوية وتأكيدها خاصة في مجتمعات لها إرثها التاريخي وتقاليدها سواء في المظهر أو في طريقة الكلام أو غير ذلك.

هذه المسائل طالما تناولتها السينما بأشكال شتى حتى تحولت الشاشة إلى مرآة للحياة وللمجتمعات على السواء، حيث صار التعرف على كثير من تلك المجتمعات يتحقق عبر الأنواع الفيليمة التي تعكس كثيرا من أوجه الحياة فيها.

ولأن انفتاح الآفاق على تداخل الأعراق والثقافات في بلد مفتوح كدولة الإمارات التي تستوعب ما يقرب من 150 ـ أو اكثر ـ من الجنسيات بما يترتب على ذلك من أعراق وثقافات وأنماط حياة، لهذا كله وجدنا مخرجي السينما وقد لفتت أنظارهم بعض من الظواهر المرتبطة بتحول المجتمع في الإمارات وهو ما شهدنا بعضا منه من خلال مجموعة من الأفلام الإماراتية.

فيلم "الكندورة " للمخرجتين الشابتين لمياء المعلا وميثاء الحداد

هذا الفيلم الوثائقي يتحدث عن الزي التقليدي الرجالي الإماراتي المعروف بالكندورة وهو مايشبه "الدشداشة" أو هو الدشداشة الإماراتية، إذ طرأت على هذه الزي بعض المتغيرات سواء في التصميم أو في اللون أو في إضافة عناصر زخرفية أو بما يجسم الشخص بسبب تصميمها الضيق حيث تقوم محلات متخصصة بالتصميم وإدخال تلك التعديلات.

هذا الجانب البسيط المتعلق بالزي التقليدي اليومي يفتح أفقا للنقاش والرأي بين أجيال متعددة من المجتمع الإماراتي بل يكاد ان يكون حوارا موضوعيا بين جيل الشباب الذي بدأ بعضه بمغادرة الزي التقليدي إلى ارتداء الأزياء الحديثة كبنطلونات الجينز وغيرها من الأزياء التي صار انتشارها السريع مرتبطا بالموضة وتقليعاتها في أنحاء العالم.

وتستعرض المخرجتان بشكل سلس من خلال مونتاج مميز تلك الخطوط المتعددة للآراء المختلفة وبالطبع هنالك من يؤمن بضرورة الحفاظ على هذا الزي بشكله التقليدي المتوارث المعتاد، ويرفض ما طرأ عليه من تشويه في نظر هذا البعض المدافع إذ يعد إدخال الألوان والزخارف أمرا مرفوضا يشوه جمالية الزي الإماراتي فضلا عن التصاميم الضيقة التي تجسم أعضاء الجسم. وللمدافعين أيضا رأي في أن الزي التقليدي يجب ان يحضر في جميع المناسبات.

ويروي أحد المشاركين في النقاش أنه سافر إلى لندن، وهناك دخل ناديا أو ملتقى اجتماعيا اشترط ارتداء زي رسمي بينما هو دخل بالكندورة الإماراتية، وكان موضع ترحيب. بينما يذهب آخرون أن الكندورة هي زي غير مريح وغير عملي وأنهم يفضلون ارتداء السراويل العملية بدلا عنها، وهؤلاء لا يعدون ذلك خروجا على التقاليد والموروث بل ان المسألة مرتبطة بالحرية الشخصية، وما يناسب الشخص وما لا يناسبه، وان التعبير عن الهوية لا يأتي من خلال الزي فحسب بل هنالك جوانب أخرى كثيرة.

وأما المدافعون عن إدخال الألوان والزخارف على الزي فهم يؤمنون بأن كل شيء آيل إلى التطور والزي هو الآخر يمكن أن يشمل بالتطور أيضا ولهذا لا يجدون غضاضة في إدخال الألون والخطوط والزخارف. بينما نجد آخرون يتحفظون على شراء ذلك الزي بسعر غال جدا وبعضهم يشتري عشرات من الكندورة في السنة الواحدة.

الفكرة بدت طريفة والحوار بين الأجيال لم يخل من طرافة وجمالية دفعت الجمهور إلى المتابعة والاهتمام بسبب سلاسة بناء الموضوع ونجاح المونتاج في الربط بين الآراء المتعددة وعرضها معا.

فيلم "لهجتنا" للمخرجة مريم النعيمي

وكما ذهبنا من قبل نجد ان التداخل بين الثقافات قد دفع الى تغييرات في اللهجة المحكية الإماراتية التقليدية وهو الموضوع الذي كان محور هذا الفيلم الوثائقي إذ أبدى أشخاص من خلفيات متعددة آراءهم بصدد ما طرأ على اللهجة المحكية الإماراتية من تغيير ومنها دخول مفردات من لهجات بلدان خليجية بدأت تدخل إلى اللهجة الشعبية الإماراتية التقليدية، وهو ما يجب الحذر منه في نظر من يؤمنون بضرورة الحفاظ على اللهجة المحكية التقليدية كما هي من دون تشويه من لهجات خليجية أو غير خليجية. فالمدافعون عن هذا الأمر على سبيل المثال غير راضين عن استبدال كلمة "سير" باللهجة الإماراتية بمعنى اذهب واستبدالها بكلمة "روح"، ويضربون أمثلة كثيرة على استبدال كلمات إماراتية بكلمات خليجية وحتى غير خليجية من لهجات البلاد العربية كاللهجة السورية أو المصرية أو غيرها.

بينما يجد إعلاميون ومثقفون أن التداخل بين اللهجات أمر واقع، ومن غير الممكن السيطرة عليه بسهولة بسبب التداخل بين اللهجات بل ويذهبون إلى أبعد من ذلك بقولهم إن الأجيال الجديدة بدأت باكتساب عادات وقيم مختلفة فهنالك من لا يرسل أبناءه إلا إلى مدرسة خاصة إنجليزية، والإنجليزية في هذه الحالة تصبح أسبقية بالنسبة لهم، ولهذا يقول أحد مذيعي البرامج من المشاركين في هذا النقاش إنه عندما يذكر في برنامجه مفردات من اللهجة المحكية غير مألوفة لدى جيل الشباب فإن هنالك من يتصل به مستفهما عن المعنى.

وما بين من يؤمن مثلا بأن انتشار وسائل الإعلام وخاصة التلفزيون كانت عاملا مهما في تقديم لهجة خليجية مفهومة من دول الخليج مجتمعة، وبذلك تغيب كثير من المفردات التي لا يعرف معناها إلا أبناء الإمارات من كبار السن بينما هي غير مفهومة أو معروفة لدى آخرين.

نجوم الغانم

الحوار عن اللغة واللهجة لا شك أنه جزء من منظومة انثروبولوجية واسعة وشاملة وليس مجرد موضوع بسيط وعابر بل انها تتسع إلى مديات أكبر وأوسع بما يرتبط بهوية المجتمعات نفسها وهو ما أثارته هذه المخرجة في فيلمها الذي أضاء جانبا مفيدا وحيويا.

فيلم "حمامة" للمخرجة نجوم الغانم

يعد هذا الفيلم إضافة مهمة لمسيرة المخرجة نجوم الغانم، وهو يذهب أيضا إلى المسار نفسه الذي أشرنا إليه من قبل ولكن من زاوية أخرى، فهو يعرض لجوانب مهمة من حياة وشخصية "حمامة" تلك المرأة البسيطة التي تعالج الناس وتقدم لهم الدواء فيما يعرف بالطب الشعبي، ورغم تقدمها في العمر إلا أنها تجد في عملها الذي أمضت حياتها فيه، انه هو كل حياتها ولهذا تجدها تعبر بروح واثقة عن كل ما قامت به من تقديم المساعدة للناس مما جعلها موضوع ثقتهم ومحبتهم، ولهذا لم ينقطعوا عن اللجوء إليها وهم ينشدون الشفاء على يديها.

تحرص المخرجة في هذا الفيلم على تقديم سلسلة من العلاقات الإنسانية التي ما تزال قائمة بين الناس وبين هذه الطبيبة الشعبية التي ما زال الكثيرون على ثقة بما تقوم به وما تقدمه.

وبموازة ذلك ثم جدل أو نقاش يتعلق بحقيقة وجود وجدوى هذا النوع من العلاج ومدى الثقة به، وهو نقاش يسلط أضواءً أخرى على جوانب من الحياة اليومية والوعي الشعبي الذي يؤمن بضرورة الحفاظ على الموروث لاسيما إذا علمنا أن العلاج بالحجامة وبالأعشاب كان ـ ولا يزال ـ قائما ومتداولا في كل أنحاء العالم تقريبا، مع أن المسألة بالنسبة لحمامة مرتبطة بالفطرة وحيث تطور وعيها وخبرتها في هذا المجال من خلال عملها الطويل.