العراق: أية متاهة جديدة

بقلم: موفق الرفاعي

فيما يقترب موعد الانسحاب الاميركي من العراق نهاية العام ويستنفد رئيس الحكومة نوري المالكي مهلة المائة يوم التي حددها لتحسين الاوضاع المتردية دائما، وتتصاعد وتيرة الاتهامات المتبادلة ما بين القوى والتيارات السياسية لتصل حد تبادل الرسائل ما بين قادة تلك القوى محملة باللوم والوعيد والقاء كل طرف فيها مسؤولية توقف الحياة على الطرف الاخر.

في ذات الوقت يشهد الشارع العراقي حالة من الغليان تترافق مع صيف حار بدأ مبكرا في غياب شبه كامل للكهرباء من المتوقع ان تقود الى تظاهرات تشمل المدن العراقية من اجل اسقاط العملية السياسية برمتها هذه المرة، وعدم الاكتفاء كما سبق في المطالبة باصلاح النظام والخدمات وإطلاق سراح المعتقلين الابرياء ومعالجة مشكلة البطالة التي تحولت الى ازمة حقيقية تزيد من معاناة الناس.

وسط كل هذه البانوراما السوداء تصل الخروقات الأمنية التي كانت مقتصرة على التفجيرات في الشوارع والاغتيالات في الأزقة الى محاولات هروب المعتقلين والسجناء الخطرين او تهربيهم كما يذهب الكثيرون والتي كان اخرها ما وقع في سجن مكافحة الارهاب في الكرادة وسط بغداد.

القتامة تلف المشهد السياسي العراقي والبرلمان انهى فصله التشريعي الاول بعد ان ختمه بالتصويت على حزمة نواب الرئيس الثلاثة بعد ان تعذر التصويت على نائبين كما كان الحال في الدورات السابقة ارضاء لـ"دولة القانون" التي ابت الا ان تفرض مرشحها خضير الخزاعي وتنجح في ذلك.

في هذه الاثناء تأتي تصريحات المتحدث باسم السفارة الأميركية في بغداد دايفيد رانز لتزيد من اشتعال النقاش الدائر منذ زيارة وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس الى العراق لتفقده قوات بلاده المتمركزة في قاعدة ماريز بمدينة الموصل، في الثامن من نيسان الماضي، والتي حث خلالها المسؤولين العراقيين الإسراع بمطالبة الولايات المتحدة الأميركية بتمديد بقاء قسم من جنودها بعد العام 2011.

رئيس الحكومة نوري المالكي، امتنع، قبل ايام، عن إبداء رأيه بتمديد أو إنهاء تواجد القوات الأميركية في العراق، والقى بالكرة في ساحة البرلمان والكتل السياسية فيما يشبه الرغبة الضمنية بالتوافق على ابقاء جزء من القوات الاميركية حتى بعد انسحاب الجزء الأكبر منها.

وشاعت قبل أكثر من اسبوع سيناريوهات عدة لتمرير الابقاء على جزء من تلك القوات كان منها.. ان تتواجد هذه القوات داخل السفارة الأميركية او على الحدود الدولية ما بين العراق والكويت فيما صوت مجلس محافظة كركوك بالاجماع على ضرورة ابقاء قوات اميركية في المحافظة خشية من تحول الجدل السياسي القائم ما بين العرب والتركمان من جهة وبين الكرد من جهة ثانية حول اصرار حكومة اقليم كردستان على الحاق المحافظة بالاقليم الكردي الى صراع مسلح سيؤدي في حال وقوعه الى كارثة لا تتوقف تداعياتها عند حدود المدينة بل ستشمل البلاد باكملها.

المالكي الذي يبدو هذه الايام من خلال تصريحاته اكثر اطمئنانا واكثر قوة مقارنة بما كان عليه بعد اعلان نتائج الانتخابات وحتى تشكيل الحكومة ربما يكون قد تلقى ضوءا اخضر من قبل الادارة الاميركية فيما يتعلق ببقائه على رأس الحكومة لقاء العمل على تمديد بقاء القوات الاميركية او بقاء جزء منها، خاصة وان الادارة الاميركية تعلم الكثير مما لا تحصل عليه وسائل الاعلام عن مستقبل تداعيات الاوضاع في المنطقة ما يجعل من تمديد بقاء قواتها امرا ضروريا حتى لو تطلب ذلك منها اجراء تغييرات دراماتيكية على المسرح السياسي العراقي.

ومع ان مقتدى الصدر هدد في حال لم تنفذ بنود اتفاقية الإطار الاستراتيجي والأمني بين الولايات المتحدة الاميركية والعراق فانه سيعيد العمل بجيش المهدي الذي اضطر الى تجميده بعد تلقيه ضربات قاتلة في البصرة ومدينة الصدر من قبل قوات اميركية عراقية مشتركة منتصف العام 2008.

المتحدث باسم السفارة الاميركية في بغداد دايفيد رانز اكد على ان موقف الصدريين من قضية الانسحاب انه "لا يمثل الشعب العراقي ككل" وان "الحكومة العراقية وقعت على اتفاق الإطار الاستراتيجي والأمني، وأكثرية الأحزاب ساندت ذلك، وهؤلاء هم من يمثلون أكثرية الشعب العراقي".

هذا التصريح بمقدار ما يحمل من تلميحات عن الرغبة الاميركية لتمديد بقاء قواتها فهو يعد الأكثر تحديا للتيار الصدري ويعزز ما ذهبنا اليه من ان الادارة الاميركية ربما تدعم رئيس الحكومة نوري المالكي او ربما انها تراهن على طبيعة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي عرف عنه اتباعه سياسة حافة الهاوية. فهو سريعا ما يتراجع عن مواقفه بعد ان يحصل على تعويضات لتياره على شكل مشاركة اقوى في الحكم وقد تكون الدعوة التي وجهها الى اتباعه للتظاهر في الخامس والعشرين من الشهر الجاري للتعبير عن عدم رغبتهم التمديد لبقاء القوات الاميركية في العراق، هي من اجل تبديد حماسهم نتيجة تصريحاته السابقة.

الساسة منقسمون حول التمديد لبقاء القوات الاميركية اذ ان الداعين الى التمديد يشككون في مقدرة الفوات الأمنية الامساك بالملف الامني دون مساعدة القوات الاميركية.

اما الشعب العراقي فهو الاخر يخشى من ذات الامر اضافة الى خشيته من استفراد طهران بالعراق. فالمسؤولون الايرانيون وعلى جميع المستويات كثيرا ما صرحوا عن استعدادهم ملء الفراغ في العراق الذي سيخلفه انسحاب القوات الاميركية.

وعلى اعلى مستوى فالرئيس الايراني احمدي نجاد كان قد صرح اثناء زيارة له الى تركيا بأن على إيران والدول المجاورة للعراق ملء الفراغ في حال خروج القوات الأميركية.

هذه الخشية التي يُجمع عليها اكثرية الساسة والشعب العراقي قد تجعل من مهمة المالكي النزول عند الرغبة الاميركية في التمديد امرا يسيرا وهذا ما يفسر مبعث اطمئنانه وقوته التي يبدو عليها اليوم.

بالمقابل فوسط هذه الاجواء يبدو تهديد مقتدى الصدر ببعث جيش المهدي من جديد مجرد بروباغاندا إعلامية قد تعجل في تحجيمه الى القدر الذي يُمَكَّن الساسة الاخرين من التعامل معه بمستوى من الندية وليس على انه المحرك الاقدر للشارع العراقي. فقد سبق ووقف بالضد من ارادة المتظاهرين في 25 شباط الماضي حين نصح اتباعه بعدم المشاركة وطرح بدلا من ذلك استفتاءً على مستوى الاداء الحكومي ما اضعف كثيرا من تصاعد حركة الجماهير الامر الذي احرج تياره.

المسرح العراقي اليوم يعاد ترتيبه او بالاحرى بعثرته من جديد وربما دفع العراق باتجاه متاهة اخرى. فلطالما ادخل العراق ومنذ التاسع من نيسان 2003 الى متوالية من المتاهات التي لم يتمكن فيها من تبين الطريق الذي يخرجه منها حتى اليوم.

موفق الرفاعي