يااااااأحمد إسماعيل: صمت الدهر!

بقلم: ظبية خميس
نفضوا أرواحهم من هذه الدنيا التي تكيد لنا ومضوا

حاأشوفك إمتى؟!

- النهارده حا أكلمك 8 بالليل ونروح الزمالك ونأكل حاجة حلوة!

فين؟

في مقهى دييلز وألا بب 28 وألا لا بوديغا؟ أو جولة بالسيارة في شوارع القاهرة ووسط البلد والمقطم وألا استوريل نرى وجوه أصدقائنا القديمة ونتذكر جلسات لو جريون وريش والأوديون وجولاتنا على حفلات على الحجار في التسعينيات وسهراتنا في الماريوت والمينا هاوس وسميراميس والصن ست.

أحمد كل هذه الكتب التي سأقرأ لك عناوينها ومقاطع منها, وقصائدي الجديدة والمقالات وأخبار الأصدقاء والمدن وعائشة أبوالنور وأحمد عبدالوهاب وعلاء عبدالهادى وأحمد الشويخات.

وأيوه يا أحمد نبيلة الخطيب بتسأل عليك من الأردن، وهدى خليل كويسة بس محبوسة في دريم خايفة من البلطجة، ومنحة زيتون كويسة جالها دور في مسلسل، وقالت لي من كام ليلة يالله كلمي أحمد يلف معانا في العربية شوية. ولم نكلمك!

وذهبنا إلى النيل في الزمالك ثم سمعنا إطلاق رصاص وصراخا وشاهدنا حرائق أمام ماسبيرو على الناحية الثانية من النيل، فرجعنا سريعا إلى المهندسين.

حا انروح الفيوم سوا ونأخذ محمد ومريم من المريوطية يلعبوا ومنحة وهدى خليل ونأكل سمك بلطي مقلي وبوري مشوى وجندفلي وجمبري وسمك موسى على بحيرة قارون ونعدى على وادي الريان وقرية تونس ونروح نسلم على عبده جبير ومحمد عبله يوم الجمعة - إيه رأيك؟!

وجاء يوم الجمعة ولم نتصل ولم نذهب. أحضر الشنطة للسفر إلى بيروت, ومكالمة مع الصديق الصحفي علاء العريبى في جريدة الوفد، ونتحدث لساعة أو أكثر عن الثورة ومصر واللي حصل والمستقبل، وفرحنا بكل ذلك وذكرياته الرائعة عن خروجه مع أولاده أيام جمع الثورة في ميدان الحجاز في مصر الجديدة، ويسألني عن رأيي في أن يصدروا نسخة عربية لجريدة الوفد من الخليج، ومع اقتراب نهاية المكالمة يسألني إن كنت أعرف أحمد إسماعيل، فأجيبه عن أي أحمد يتحدث فيقول نائب تحرير جريدة الأهالى ومسئوول الصفحة الثقافية الشاعر أحمد إسماعيل - يقول إنه على النت الآن جاء على اليوم السابع خبر وفاته. لا أصدق وأكرر أنت تقصد شخصا آخر. أحمد كويس ولسه مكلماه من كام يوم وما فيهوش حاجة - إزاى يموت يعني ده هو قاللي حنتقابل بكره السبت!

أتصل ببيته ولا يرد الهاتف. أعاود الإتصال فيرد على ابنه محمد. أسأله إزاي بابا يا محمد؟ تعيشى إنت يا طانط بابا توفى النهارده الفجر في مستشفى النيل بدراوي ودفناه عند أهله في طنطا والعزاء بكره إن شاء الله.

رحل الأصدقاء. أجملهم. محمد الحسينى وثريا نافع وأحمد إسماعيل الذي ادخرته دائما لآخر العمر. نفضوا أرواحهم من هذه الدنيا التي تكيد لنا ومضوا. ولم يعد لي إلا أن أكتب مراثيهم وتزداد وحشة هذا العالم - الموحش لي أصلا - وتتطاير أرواح من أحبهم بعيدا بعيدا في دار الفناء هذه.

أحمد إسماعيل المبهج والساخر والودود والمحب والصابر دائما.

أحمد إسماعيل الفنان والثائر والشاعر والعاشق والأب والزوج الذي كان يرعى ذكرياته وحاضره دائما. الذى عاش السجون والمعتقلات والتهم في أول شبابه لأنه قال لا في وجه من قالوا نعم.

أحمد الذي هجر أحلامه والرسم والشعر بل وحتى كتابة المقالات وهو يشهد وفاة من يحبهم الواحد تلو الآخر، وخصوصا عندما فقد محمد عوده فاكتشف أنه فى العشرة أعوام الأخيرة لم يكتب سوى مراثي من يحبهم فتوقف عن الكتابة.

لم يهاجر إلى أميركا مع زوجته الأولى التي كان يعشقها لأنه عشق مصر أكثر. لم يفر إلى باريس من أجل أيقونته التي عشقها عمرا كاملا لأنه لا يجب أن يترك مصر. لا مرتب مجز ولا حتى تقدير بل صراعات في "الأهالي" ولكنه رفض عروض العمل والسفر إلى صحف الخليج.

حرمته أزمته الصحية من الرؤية الكاملة وتوقف عن الرسم غير أنه كان يحضر كل المعارض ويرافق حسن سليمان في يوميات معرض, صديقه الذي عشق لوحاته.

عاش كأسه حتى أرداه فتركه. لاحق الحب وكتب له القصائد غير أنه اكتشف كما قال لى في مكالمته الأخيرة - الظاهر أنني لم أعشق في حياتى سوى دلال زوجتي فكلما ازددت مرضا وهرمت شعرت بحبي لها ينمو أكثر وقد تحولت الآن إلى طفلتي!

يعشق الكتب ويحفظ القصائد وكان يستمع للطرب القديم مع صديقه الراحل الخطاط والرسام عويضه.

تقلص العالم كثيرا علينا في الأعوام الطويلة الأخيرة. ضاق الخناق, مات الكثيرون من الأصدقاء وانزوى عدد منهم أكبر. لم نعد نسهر حتى الصباح في وسط البلد والجريون. صار الخروج أصعب والأحداث تتلاحق. فرح كثيرا بالثورة وذهب إليها, وقف في ميدان التحرير لساعات طويلة. كان ينتظر القادم بلهفة وأمل. سيبقى ديوانه قصائد بلا أغلفة رمزا لعصارة حلمه وعشقه وحياته التي لم تتحقق فيها الكثير من أحلامه ولكن أعطى وترك وراءه وله الكثير, الكثير, من الحب.

أحمد إسماعيل كنت زهرةً مباركة منحنى إياها الله في رحلة العمر الشاقة ولروحك اليوم أنثر أوراق الورد لحياتك التي كانت ومقعدك المفضل في بيتي الذي سيبقى شاغرا.

وداعا يا أعز صديق عرفته في هذه الحياة وسلم لي على الحسيني وثريا وقل لهما إنني دائما سأحبك وأحبهما.

وداعا أحمد!

ظبية خميس ـ القاهرة ـ الجمعة 20/5/2011