'عزوزة' ومتعة الحكي

عرض: هشام بنشاوي
هكذا تبدأ الكتابة

رغم أن الرواية تناهز الثلاثمائة وثمانين صفحة من القطع الكبير، فقد كنت حريصاً على أن أنهي قراءة "عزّوزة" في وقت قياسي، فهي بخلاف تلك الروايات المملّة التي يغرق كتّابها في الحشو اللغوي والإطناب السردي، ولن أبالغ إن قلت بأنها أجمل ما كتبته الزهرة رميج على الإطلاق! مع أني أنفر- عادة - من الكتابات التي تنضوي تحت باب الأدب النسوي، حتى لا أتحسر، مرة أخرى، على وقت ضيعته في قراءة كتب لا تستحق الالتفات؛ كتب تتاجر بمعاناة المرأة، بدل أن توقظ شمعة في دربها المتعم.

تبدأ الرواية بحديث حليمة مع أمها عزوزة، قبل أن تلج غرفة العمليات، وتترك حليمة فريسة للقلق، بردها على سؤال الأب الميت، الذي يستعجل حضورها. إنها قادمة، ومن قبل، حين كان يزورها في المنام تجيبه بأن الوقت لم يحن بعد.

وينتقل الفصل الثاني من قاعة الانتظار إلى القرية، في ظهيرة يوم صيفي قائظ، حيث لا يصمد بشر ولا حيوان، وحدها الطفلة المدللة عزوزة عند البئر، وتنتابها الرغبة في السباحة في النهر، فتتذكر تحذيرات الفقيهة (زوجة أبيها)، لأنها لم تعد طفلة كما كانت، ثم تتفيأ ظلال شجرة التين المقدسة، التي تحوم حولها أرواح الأجداد، ونتعرف على علاقتها بأبيها، التي تختلف عن علاقات سائر إخوتها البنات والذكور بالأب، ثم صلتها الحميمية بزوجة أبيها، التي غلب لقب الفقيهة على اسمها، فكانت عزوزة محظوظة بأمّين، بدل أم واحدة، فزوجة أبيها (أولى زوجاته)، لم تكن تنجب، لأن رحمها يسقط الجنين في شهوره الأولى. ولعل القارئ سيستغرب هذه العلاقة المثالية، غير المعهودة بين ضرتين! ثم نتعرف على انجذابها الصامت إلى أحمد، صديق أخيها البكر عبدالرحيم، واختلاج قلبها حين تسمع صهيل فرسه عند زيارته لأخيها.

وفي ليلة سمر يعاتب الأصدقاء أحمد على أنغام "الكنبري" الحزينة، فيقترح الحلوف (الخنزير) أن يعدوا أغلى شاي، بالأوراق النقدية بدل الجمر، ويشرع في تنفيذ فكرته المجنونة ليتباهى بثروة أبيه، مما يدفع أحمد إلى أن يصارح صديقه برغبته في الزواج بـ "عزوزة"، وكان هذا الأخير يعرف مشاكله مع بنت خالته، التي كان يعاملها بقسوة، ليرغمها على أن تهرب من بيت الزوجية، ورغبة أمه في أن تزوجه ابنة خاله، مثلما كان يعرف أنه زير نساء.

حين لاح موكب الخطبة قادما، اختفت عزوزة، وأدهش الحاج الجيلالي تعبيرها عن رفضها الزواج بتلك الطريقة الجنائزية، بالتفرغ في الرماد، ولأن إرجاع جهاز العروس إلى بيت العريس نذير شؤم، وخوفا من موت العريس أو أحد أفراد عائلته.

يتوقف الموكب أمام بيت فيه بنات في سن الزواج، ويقسم والد عزوزة على جلدها، فيتدخل أخوها عبدالرحيم، ويقبل نعليه، ولم يتراجع عن قراره إلا عند قيام أبناء عمومته بذبح كبش فداء لعزوزة، التي يعلم الجميع أنه سماها على أبيه، فأنث الاسم الذي لا يؤنث (عزوز)، وأمام فعلتها لم يجد والدها إلا قبول أحمد زوجا، بينما تصر أمه على رفض الزواج، وتعاملها بجفاء، ويأتيها خبر وفاة والدها إثر إصابته برصاص المستوطنين الفرنسيين، ويموت الأخ قبل الأربعينية، بينما تستمر قسوة الحماة، بعدما أنجبت بنتين (حليمة ونوارة) على التوالي.

***

يعود السرد إلى قاعة الانتظار، وتتذكر حليمة ردها على عزوزة - هكذا كانت تناديها، منذ طفولتها - بأنها ترفض الزواج، حتى لا تكرر مأساتها، ويعذبها من تحبه العمر كله.

في الفصل التالي، بعدما ينفض السوق الأسبوعي بالمدينة يلج أحمد مبغى، مبررا خيانته بانشغال زوجته ببنتيها والأشغال المنزلية، وكذلك شجارها اليومي مع أمه.

في المبغى يرتبط بفاطمة، أو فاتي كما يدعوها الزبائن النصارى، بعدما علم أن حبيبته مريم تزوجت نصرانيا وصار اسمها ماري، وبفضل بنحمّادي - الذي صادفه هناك - سيتعرف على مسيو فرانسوا، ويصير شريكه في التجارة، فينتقل إلى العين الزرقاء، ليستقر بالدكان بدل التنقل بين الأسواق الأسبوعية، وفي بيتهم الجديد تضع عزوزة، وحدها، ابنا، بعد أن رفضت الحماة أن تبقى معها هنية، وبعد أن تسترد وعيها، تعلم بأنهم دفنوه، وتتهم حماتها بأنها السبب في قتل وليدها، إثر شجارهما.

وللتعرف على محيطها، تطلب من أحمد أن تخرج من البيت وحدها، لتزور مرجانة، زوجة بلخير حارس بيت فرانسوا، أما الحماة التي طلب منها أحمد أن تحل محله بالدكان ليعود إلى تجارته بالأسواق، فتعود إلى الاهتمام بأنوثتها، عند سماعها كلمات غزل من فرانسوا، فتعتقد أنه يحبها، وتنتظر بلهفة أن يعبر لها عن رغبته في الزواج، وجن جنونها حين رأته يلاطف حفيدتيها، فاختلقت كذبة علاقته بعزوزة، فانهال أحمد على زوجته بركلاته. هكذا تصير مرجانة الصدر الحنون والأم البديلة لعزوزة، بعد موت الفقيهة والأم وسائر الأهل غرقا، بسبب الأمطار الطوفانية، التي أدت إلى فيضان النهر.

وتعتبر ولادة حسن ميمونة، لأنه ولد مختونا، فضلا عن انتقالهم إلى بيت جديد، يضم مركزا تجاريا، ورغم أن عزوزة أنجبت الحفيد الذكر، فقد استمرت المشاكل بينها وبين حماتها، وفي المبغى يهجر أحمد فاتي، بعد أن علم بأنها مع زبون، حيث كان الاتفاق مع صاحبة المبغى (طامو) أن يدفع مقابل شهر، وتبقى له وحده، فتعرض عليه الحمرية، الفتاة الجديدة بالمكان، وحديثة العهد بالدعارة، بعد أن طلقها ابن عمها بسبب عقمها، وسرعان ما يعلن عن رغبته في الزواج منها، مثلما سيتمسك برفضه العودة إلى فاتي التي أحبته، مما كان يسبب الخلافات بينها وبين الحمرية، وهو ما ترفضه طامو، لأن المكان ليس للحب، وتعترض على فكرة زواجه، لأنها كانت تخشى أن تفقد زياراته، وأمواله.

أثناء قراءتنا للمتن للحكائي، سنلاحظ حضورا قويا لحليمة، وهي كما أشرنا سابقا تنادي أمها باسمها فقط، كما أن الرواية تحفل بالتفاصيل الدقيقة، المتدفقة في سرد انسيابي آسر، لذا أمارس الانتقاء، مركزا على أهم الأحداث. لكن هذا العرض لا يغني عن قراءة الرواية.

الكاتبة الزهرة رميج

***

في ظل غياب أحمد بالمدينة، تنجب عزوزة بنتين توأما، ولكي يجعل بنحمّادي مخططه ينجح يقنعه بأن يجعل عزوزة تغادر البيت، حيث سيبلغها - وبحسن نية - محمدين عامل المطحنة بنية زوجها ذبحها، ويساعدها على الهروب، تاركة حليمة ونوارة، وفي الطريق، يصادفها بنحمّادي، الذي يخبرها بزواج أحمد الليلة، وكان بذلك يريدها أن تطلب الطلاق ليتزوجها، بعد أن يطلق إحدى زوجاته الأربع، وهو الذي كان يتحين الفرص لرؤيتها، كلما زار بيت صديقه. فتطلب منه أن يوقف سيارته.

تستقر عزوزة في بيت هنية، لكنها سرعان ما تتنازل عن كبريائها، وترضى بالعودة إلى بيتها - لأن لا أحد يتحمل أبناء غيره، ثم ضعفها أمام شوق حسن إلى أبيه وبكائه كل يوم - عند زيارة أحمد لها، وتقتنع بأن تمثيلية الذبح دبرها حتى يهنأ بليلة زفافه، وتتألم لوجودها، وتلجأ إلى استخدام سلاح أنوثتها، لكنها لا تدعه يلمسها. ولأن الحمرية لاحظت أن طبخ عزوزة يستهويه، تلجأ إلى إفساده، بوضع كمية كبيرة من الفلفل الحار، فتتشاجران، ويعاقبهما معا، بجلدهما بالسوط، وتلجآن إلى الهدنة.

***

يلتقي أحمد بماري، ويدبر اللقاء بنحمّادي، معلنا عن رغبتها في تبنى إحدى بناته، لتؤنس وحدتها، بعد أن صار زوجها مشلولا. يعلم أنها تزوجت نصرانيا عجوزا حتى لا تلقى نفس مصير طامو البائس، فهي تهيئ للرجال سبل المتعة وهي محرومة منها، بل إنهم يعافون جسدها.

تزوره ماري في بيته مع بنحمّادي وسائقها، الذي تقمص شخصية الزوج، لكن الحمرية تصارح عزوزة بشكوكها، ويرضخ أحمد لشرط انضمام عزوزة إلى الضيوف، بأن تعد الشاي في حضورهم، حتى يتسنى لها أن تراقب خفية ما يحدث من حولها، فتلاحظ أن نظرات زوجها مسلطة على ماري في جلستها الفاضحة، بتنورتها القصيرة، بينما صديقه بنحمّادي يتلهمها بعينيه، دون أن ينتبه زوجها.

كان مخطط بنحمّادي، الذي باء بالفشل، أن تستفزها تصرفات زوجها، فتصر على الطلاق، ويحقق أمنية بنحمادي أمام الضيوف. وتنتهي الليلة باعتداء أحمد على الزوجتين معا بجنون، بعد مصارحتهما له بالحقيقة، وانتقادهما لاستضافة صديقته المومس في بيت الزوجية، التي أوهمهما أنها فرنسية.

في بيت ماري يلاحظ أحمد أن صديقه توجه إلى الطابق العلوي متجاهلا وجوده، فيعلم منها أنه يشرف على شؤون زوجها، ولمساعدته على إجراء العملية، يعرض عليه بنحمّادي شراء محصول الضيعة للسنة القادمة، وأمام تخوفه، يثير نخوته ليعبر عن حبه لمريم. وبذهاب حليمة إلى المدينة لمتابعة دراستها، تحس عزوزة بالوحدة، فحليمة كانت صديقتها وكاتمة أسرارها، وتتذكر حلم الجمل الذي حكته لها مرارا، حيث الجمل في الحلم يرمز إلى أحمد، لأنه غدار مثل الجمل.

ومع اندلاع المقاومة، يرد المستعمر بالهجوم على الفلاحين بالطائرات، مستغلا تجمعاتهم في الأسواق الأسبوعية، وبإتلاف المحاصيل وإحراق الحقول. أما مريم فترحل مع زوجها إلى فرنسا، مثلما سيغادر مسيو فرانسوا، ويختفى بنحمّادي، ويقابله أحمد مصادفة. يسأله عن الضيعة والمحصول الذي اشتراه، والذي لا أثر له، فيرد عليه بأن المقاومة أربكت كل شيء، ويتهمه أحمد بأنه ورطه في الصفقة، وهو يعلم بأن الفرنسيين كانوا يصفون ممتلكاتهم، ويتهمه بأنه من وشى بالإدريسي (معلم القرية)، وأن حرصه على ممتلكاته الخاصة دفعه إلى خيانة الوطن والأصدقاء.

هكذا ستتبخر ثروة أحمد، ويقرر الرحيل إلى المدينة، ويبيع البيت والمركز التجاري. يغادر القرية بعد أن رفضت أمه- التي عادت للإشراف على أراضيها بعد وفاة الخال - مساعدته لشراء المحصول.

وفي فصل موجع، شديد العذوبة، تصف الزهرة رميج فراق أحمد الأليم لصديقه الأدهم حصانه الذي رفض بيعه للفلاحين، لأن لا أحد سيحسن معاملته، فيقرر بيعه لغريب في السوق، لكن المشتري يفاجئه بأنه سيأخذه إلى المجزرة، ويحاول استعادة الأدهم، لكن الرجل رفض أخذ المال وتهجم عليه وانهال بالسوط على الحصان ليحثه على السير. ويخيم جو الحداد على البيت، فلكل واحد من أفراد الأسرة ذكريات مع الحصان، وبقى أحمد طريح الفراش أياما، في حين تخبر الحمرية عزوزة بأنها ستطلب الطلاق، لأنها لم تعد تتحمل معاملته القاسية ونفوره منها. وفي المدينة، تبقى العلاقة جافة بين الزوجين، وتحس عزوزة بالانكسار حين صد محاولتها التقرب منه، وتصير حليمة صلة الوصل بين الأبوين.

***

يعود السرد إلى حليمة في قاعة الانتظار، وقد غادر الطبيب الجراح غرفة العمليات بوجه مكفهر، فأدركت حليمة أن أمها فارقت الحياة، وتحاول الانتحار، فرغم نجاح العملية، فالأم كانت ترغب في الموت للحاق بزوجها، ولأن حليمة لن تتحمل رحيل أمها، فكانت تفكر في اللحاق بها بالانتحار، دون أن تصارح أمها، التي كانت تحاول إقناعها بالزواج والإنجاب، حتى تجد من يعتني بها في شيخوختها.

تستغرب حليمة كيف أن أمها تحب والدها، رغم كراهيتها المعلنة له، فهو سبب معاناتها في مرض القلب بنفيها من حياته، ومراهقاته المتأخرة مع فتيات في سن بناته، حيث كان يتعمد ترك صوره معهن ظاهرة، وتبلغها العمة هنية بوصية الأب، التي طلب منها ألا تخبر ابنته بها إلا عندما تحس بنهايتها (نهاية العمة) أو نهاية عزوزة. فتعلم حليمة أن والدها أصيب بالعجز الجنسي بعد إفلاسه التجاري.

حتما، سيتعاطف القارئ مع حليمة، وسيقتنع بأن هذا الإرث ذنب في حقها، فبسببه كرهت الحب والزواج، بيد أن ما يربكها هذه الازدواجية في عواطف وتصرفات الأبوين.

وبعد غيبوبة طويلة بالبيت، تجد حليمة نفسها نزيلة مصحة نفسية، حبيسة "الغرفة السوداء"، كما يسمونها هناك، تلك الغرفة المعتمة ليلا ونهارا، ويأمر الطبيب أختها شميشة بجلب أوراق وقلم لها. هكذا ستدفعها رغبتها في البوح إلى الكتابة لاستعادة التوازن، وتحميها أيضا من الانتحار، كما يشرح لها الطبيب، ولأنها كانت الأقرب إلى أمها، فهي لم تكوّن أسرة كبقية إخوتها، وهكذا تبدأ في الكتابة، وتكتب في أعلى الصفحة، وبخط بارز: "عزوزة".