تصفية بن لادن: ماذا وراء تناقض الروايات الأميركية؟

بقلم: عمر نجيب

يشهد العالم منذ نهاية القرن الماضي جدلاً حول حقيقة تنظيم القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن؛ فالبعض يؤكد أن التنظيم معادٍ للولايات المتحدة بصفة خاصة وللغرب الاستعماري بصفة عامة وهو يوجه الضربات إليهم رداً على ما يرتكبونه ضد العرب والمسلمين ولإجبارهم على الانسحاب من البلاد التي يحتلونها، في حين أن آخرين يقولون إن تنظيم القاعدة هو من صنع المخابرات المركزية الأميركية التي وضعت أسسه وساهمت في نشأته خلال الحرب الأفغانية ضد السوفييت التي استمرت 10 سنوات.

ففي 25 ديسمبر 1979 أدخل الكرملين الجيش الأربعين إلى أفغانستان لمساندة الحكومة الشيوعية في كابل.

وانسحبت القوات السوفييتية من البلاد بين 15 مايو 1988 و15 فبراير 1989 تحت ضغط المقاومة الافغانية التي ساندتها ومولتها وسلحتها الولايات المتحدة ودول أخرى خاصة خليجية.

الذين يتبنون النظرية القائلة أن القاعدة هي من صنع واشنطن، يقولون دفاعاً عن موقفهم أن هذا التنظيم كان الشماعة التي علقت عليها الادارة الأميركية عمليات غزوها وحروبها وتدخلها عبر العالم، خاصة بعد أن انهار نظام القطبين في العالم.

بناء على هذين الموقفين المتناقضين تتشابك وتتصادم محاولات فك الغموض الكبير الذي أحاط بإعلان الرئيس الأميركي أوباما في اليوم الأول لشهر مايو 2011 عن نجاح جيشه في قتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن في باكستان.

دروس من الفيتنام

انكب المخططون السياسيون والعسكريون في الولايات المتحدة خاصة بعد هزيمة قواتهم في حرب الفيتنام والتي تؤرخ رسمياً بـ 30 أبريل 1975 عندما انهارت آخر رموز الوجود العسكري والسياسي الأميركي في العاصمة الجنوبية سايغون، وتحولت السيطرة عليها إلى القوات المشتركة للفيتكونغ والجيش الفيتنامي الشمالي، انكبوا على وضع تكتيكات جديدة للحروب التي قد تخوضها بلادهم في مختلف مناطق العالم وذلك على أساس الدروس التي أخذوها من الحرب في منطقة الهند الصينية.

كان كسب الحرب الإعلامية والنفسية سواء مع الخصم أو مع الرأي العام الأميركي أولاً والعالمي ثانياً أحد أهم العناصر التي يتوجب على القيادة توفيرها حتى تتجنب أحد أسباب الانكسار كما حدث في الفيتنام.

على هذا الأساس يمكن افتراض تفسيرات لحالة الغموض والشكوك التي أحاطت بالعملية الأميركية في مدينة أبوت أباد الواقعة على مسافة 80 كيلومتراً من العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

إذا أخذنا بموقف هؤلاء الذين يعتبرون أسامة بن لادن خصماً حقيقياً لواشنطن، فإن إحاطة عملية الهجوم على مخبأه بغموض كبير يمكن تعليله بأسباب عديدة.

يدرك المخططون في واشنطن أن هؤلاء في الدول العربية والإسلامية الذين يوجدون في حالة عداء نفسي تجاه الولايات المتحدة ويؤمنون أن بن لادن كان خصما لواشنطن، سيتلهفون لتبني وتصديق الروايات التي ترجح أن زعيم تنظيم القاعدة لم يقتل، وحتى في الولايات المتحدة والغرب ستكون الثغرات الموجودة في الروايات الأميركية عن العملية في ابوت اباد دافعا للتشكيك في مصداقية البيت الأبيض.

ولهذا فإن ترك أيام أو أسابيع قليلة تمر ثم النزول بثقل بإثباتات وصور وتسجيلات فيديو عن العملية العسكرية سيكون بمثابة الصدمة لكل المتشككين.

ففي ما يصفه المحللون في أميركا بمعسكر الخصوم سيكون الإحباط النفسي قويا وسيعمق حسب التقدير الأميركي الإحساس بالضعف والعجز أمام القوة الأميركية، في حين ستتعزز شعبية الرئيس أوباما في بلاده وفي الغرب عامة وهو ما سيرجح كفته في الانتخابات الرئاسية القادمة.

غير أن هذا التكتيك هو سلاح ذو حدين، حتى وإن كانت العديد من المصادر قد نشرت بعد أيام قليلة من الهجوم الأميركي بلاغات للقاعدة تقر فيها بمقتل أسامة بن لادن.

تناقض

قصة العملية مليئة بالمتناقضات، يقول الأميركيون أنهم اكتشفوا المكان الذين يقيم فيه بن لادن صيف سنة 2010، ورغم ذلك لم يتحركوا ضده إلا مع بداية صيف 2011.

رواية رسمية تقول أن البيت الأبيض أبقى معلوماته عن مخبأ بن لادن طي السرية شبه الكاملة ولم يعلم بالموضوع سوى عدد قليل من كبار المسؤولين.

ولكن السؤال المنطقي هنا هو كيف تحتفظ بسر ولو داخل دائرة صغيرة لمدة سنة تقريبا.

واشنطن ودوائر رسمية أميركية تحدثت عن إخفاق السلطات الباكستانية في التعرف على مخبأ بن لادن، ولكن سلمان بشير أعلى موظف في وزارة الخارجية الباكستانية أكد يوم الاربعاء 4 مايو لراديو هيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي" أن بلاده أعلمت الولايات المتحدة منذ عام 2009 بمخبأ زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن "من بين ملايين المواقع الأخرى" المحتملة.

ولا نعلم منذ متى كان بن لادن يقيم في هذا المنزل المبني على قطعة ارض اشتراها احد شركائه الباكستانيين ويدعى ارشاد خان.

المخابرات العسكرية الباكستانية حددت عدد جنود الوحدات الخاصة الأميركية التي قامت بالهجوم بـ79 رجلاً جاءوا على متن 4 طائرات عمودية هجومية.

وحسب شهود عيان في ضواحي مدينة ابوت اباد ومدون باكستاني قالت وكالة "رويترز" أنه أول من بعث برسائل على الشبكة العنكبوتية حول الهجوم دون أن يعرف هدفه، خسرت القوات الأميركية طائرة عمودية واحدة سقطت.

إذا كان ذلك صحيحاً فمعنى ذلك أن القوات المسلحة الأميركية جاءت بوحدات إضافية وأكثر من طائرة عمودية لنقل الحطام وإخلاء الساحة المفترضة للمواجهة حول المنزل.

البيت الأبيض لم يتحدث عن خسائر في صفوف قواته ولا تحطم إحدى طائراته وذلك حتى يوم 5 مايو.

مصادر في البنتاغون أفادت في البداية بمشاركة عدد أقل من الجنود في الهجوم ما بين 20 و25 جندي من قوات مشاة البحرية وحدة "سيلز" أو عجول البحر.

وبعد ذلك بأيام أقر البيت الأبيض بوجود عدد أكبر من الجنود بل ذكر عسكريون أميركيون انه كانت هناك وحدات أخرى محمولة جوا كانت معدة لمواجهة القوات الباكستانية إن هي تدخلت.

البيت الأبيض تحدث عن مواجهة دامت 45 دقيقة وكانت عنيفة جدا وأن بن لادن قاوم حتى قتل.

ولكن البيت الأبيض لم يشرح لماذا استغرقت عملية كهذه 45 دقيقة، خاصة أن المشاهد التي نقلها الباكستانيون عن المنزل المستهدف والمكون من ثلاث طبقات والواقع في حي بلال لا تقنع أحداً أنه كانت هناك معركة استمرت 45 دقيقة بين قوات أميركية من النخبة معززة بكل القدرات العسكرية والاستطلاعية عبر الأقمار الصناعية وخمسة أشخاص أو أربعة، كذلك كان هناك تناقض حول المرأة التي تقول تصريحات أميركية تارة أنه قتلت وأخرى تتحدث عن جرحها، والتي قيل أنها ليست زوجة أسامة ثم قيل أنها زوجته.

يوم الثلاثاء 3 مايو صرح ناطق بإسم البيت الابيض ان زوجة زعيم تنظيم القاعدة اصيبت في ساقها ولكنها لم تقتل، في تراجع عن تقرير سابق قال فيه انها قتلت اثناء استخدامها درعاً بشرياً خلال تبادل اطلاق النار.

يوم الخميس 5 مايو ذكر مسئولو أمن باكستانيون أن أسامة ورفاقه لم يبدوا أي مقاومة عندما قتلتهم القوات الأميركية.

تبديل القصة

في نفس الوقت تغيرت روايات الولايات المتحدة بشأن ما حدث وتراجعت حالات الوصف الأولية لمعركة بالأسلحة النارية لمدة 45 دقيقة لتحل محلها تصريحات مسئولين نقل عنهم قولهم أن شخصاً واحداً فقط من الأشخاص الخمسة الذين قتلوا كان مسلحاً.

وفي تبرير لكل هذه التناقضات قال البيت الأبيض ان "ضباب الحرب" كان سبباً لمعلومات مضللة أولية بشأن ما اذا كان بن لادن الذي اصيب بطلق ناري في رأسه مسلحاً عند وقوع الغارة.

وذكر مسئولان امنيان باكستانيان كبيران نقلا عن نتائج تحقيقاتهم، أنه لم تكن هناك معركة بأسلحة نارية لأن سكان المنزل لم يردوا باطلاق النار مطلقاً.

وأضاف احد المسؤولين "الاشخاص داخل المنزل كانوا عزلاً. لم تكن هناك أي مقاومة، كانت غارة بدم بارد".

ضابط في الاستخبارات الباكستانية قال إن قوات الجيش والأمن الباكستانية التي وصلت الى المنزل بعد مغادرة مجموعة الكومندوس الأميركية المجوقلة، وجدت طفلة عمرها 12 سنة مع اثنتين او ثلاث نساء وثمانية أطفال.

تبرير تناقض الروايات الأميركية بما وصف بـ"ضباب الحرب"، غير مستساغ لأن البيت الأبيض نشر صورة كبيرة تظهر كيف تتبع الرئيس الأميركي وطاقمه على شاشة ضخمة وعبر بث الأقمار الصناعية الحربية سير العملية العسكرية لحظة بلحظة في مدينة أبوت أباد، البث كان في منتهى الوضوح حسبما أفاد بعض من حضروا العرض في قاعة الأزمات الموجودة أسفل أرضية البيت الأبيض على عمق يزيد عن 32 متراً والمزودة بأجهزة اتصالات فائقة التطور.

في وقت لاحق بعد الغارة المفترضة، وفي الوقت الذي قرر فيه الرئيس أوباما عدم نشر صور لجثة بن لادن، وزعت باكستان صوراً عن العملية على وكالات أنباء عالمية، الصور التي حصلت عليها "رويترز" قيل لها أنها التقطت بعد ساعة تقريبا من الهجوم وهي تبين جثث ثلاثة رجال في بركة من الدم.

ولم يمكن رؤية أسلحة في الصور التي اجتزئت بإحكام.

وتوضح الصور التي التقطها مسئول امني باكستاني كان في المجمع بعد الغارة جثتان في زي باكستاني تقليدي وجثة آخر يرتدي صاحبها قميصاً ويتدفق الدم من آذانهم وانوفهم وافواههم.

طرح اعلان نبأ مقتل بن لادن وإلقاء جثته في البحر، تساؤلات عدة.

وطرحت هذه التساؤلات خصوصا بعدما امتنعت السلطات الأميركية عن نشر أي صور لجثة بن لادن بينما تبين ان الصورة الوحيدة التي عرضتها محطات تلفزيون على أنها له مزيفة، وقد تم سحبها بعد أن كشف خبراء فرنسيون التلاعب الذي تم.

روبرت الان غولدبرغ استاذ التاريخ في جامعة اوتا بالولايات المتحدة قال لوكالة فرانس برس "كما كان الأمر بالنسبة إلى وفاة ادولف هتلر ستكون هناك علامات استفهام حول ما إذا كان أسامة بن لادن قد قتل فعلاً".

وأضاف هذا الاختصاصي صاحب كتاب "ثقافة المؤامرة في تاريخ أميركا المعاصر" انه "علاوة على ذلك سيكون بن لادن جزءا من لعبة السي آي ايه في نظر اولئك الذين يؤكدون ان مؤامرة تقف وراء هجمات 11 سبتمبر 2001".

وتابع "سيقولون أن الولايات المتحدة كانت تعلم أين كان بن لادن طوال هذا الوقت وأنها قررت الآن التخلص منه".

وكان سكان ابوت اباد المدينة الباكستانية التي جرى فيه الهجوم أول المشككين في الرواية وقالوا "نريد أن نرى الجثة".

وذكر عدد من رواد الانترنت "كم مرة قيل لنا أن اسامة بن لادن قتل وتبين ان هذه المعلومات غير صحيحة".

وقال سياسي من كينيا التي تعرضت لاعتداءات من القاعدة في 1998 و2002 "اذا كانت الولايات المتحدة قتلت فعلاً بن لادن فلماذا لم تقدم صوراً عن العملية وتكشف معلومات عن الظروف التي أدت إلى مقتله؟ لماذا القت جثته في البحر بحجة انها تريد احترام الطقوس الاسلامية؟".

وطرح فريال حفاجي رئيس تحرير صحيفة "سيتي برس" الجنوب افريقية التساؤلات نفسها "كيف نعرف ان بن لادن هو فعلاً من قتل اذا "دفن في البحر؟" ومن سيعارض نتائج فحص الحمض الريبي النووي".(دي ان ايه)".

وفي براغ قال بيتر هايك مستشار الرئيس فاكلاف كلاوس، ان بن لادن "لغز اعلامي لأنه قتل كما برز في ظروف غامضة شبه سرية، صدقوا هذا النبأ إذا أردتم".

وكانت النقاشات حامية على فيسبوك وتويتر ويوتيوب وتحدثت عن "كذبة كبيرة" و"فحص وهمي للحمض الريبي النووي وجثة وهمية".

وفي بيروت كتبت صحيفة السفير القريبة من حزب الله "يحتاج المرء إلى قدر كبير من السذاجة لكي يصدق ما إذيع عن تفاصيل مقتل زعيم تنظيم القاعدة".

واضافت "السفير" ان هذه العملية "تبدو اشبه بسيناريو فيلم هوليوودي رديء ينتمي الى موجة افلام العنف والقوة التي طالما انتجها الاميركيون وصنعت مجدهم السينمائي وربما السياسي ايضا".

وكتب برونو فاي على موقع "لو نوفيل اوبسرفاتور" انه "لدينا كل العناصر اللازمة للتشكيك في نبأ مقتل بن لادن.

حتى وان كشفت لنا غدا ظروف عملية الاعدام سيتساءل "المؤمنون بنظرية المؤامرة" على الدوام لماذا تم إخفاء بعض عناصرها".

ضغوط داخلية

داخل الولايات المتحدة طالب أعضاء في الكونغرس منذ يوم الاثنين 2 مايو بنشر صور جثة بن لادن.

ويأمل النواب في أن يبرهنوا للرأي العام العالمي ان مطاردة الرجل المطلوب الاول من طرف حكومتهم في العالم انتهت ويكذبوا هؤلاء الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة وان الولايات المتحدة ركبت هذه القصة من ألفها إلى يائها.

ويشير ملاحظون أن حجة البيت الأبيض للإمتناع عن نشر الصور غير مهضومة فبعد إحتلال العراق سنة 2003 ولإسكات التكهنات، نشرت واشنطن صور جثتي عدي وقصي ابني الرئيس العراقي صدام حسين بعيد هجوم القوات الأميركية على مخبئهما في الموصل شمال العراق في يوليو 2003.

رئيس لجنة الدفاع في مجلس الشيوخ كارل ليفين رأى انه من الضروري نشر الصور في نهاية المطاف.وقال "اعتقد أنه في وقت ما ستنشر صور جثمانه. لا اعلم متى، لكن اعتقد أنها ستنشر ويجب أن تنشر".

زميله المستقل جو ليبرمان الذي يرأس لجنة الأمن الداخلي قال انه "قد يكون من الضروري نشر الصور مع أنها مروعة لاستبعاد أي فكرة توحي بان الأمر خدعة من الإدارة الأميركية".

من جهته، قال كبير مستشاري اوباما لشؤون مكافحة الارهاب جون برينان "سنفعل ما بوسعنا حتى لا يحاول احد إنكار اننا وصلنا إلى اسامة بن لادن".

وعلقت صحيفة "واشنطن بوست" انه بعد ثلاثة أيام من الدراما الأهم في التاريخ الأميركي تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مشكلة توضيح ما حدث وتبرير العملية قانونيا وان كان استخدام التعذيب الذي قاد لتحديد مكان بن لادن مبررا أم لا.

وأضافت الصحيفة إن عدداً من المشرعين في الكونغرس عبروا عن دهشتهم لأن الإدارة "خربت" انتصارها الكبير من خلال الخلافات والتناقضات حول العملية.

روايات غير مقبولة

روجت واشنطن أن عملية الهجوم في ابوت اباد تمت دون علم السلطات الباكستانية، وأن الحكومة الأميركية حرصت على السرية خشية أن تسرب أوساط باكستانية متعاطفة مع القاعدة الأخبار إلى بن لادن مما سيسمح له بالفرار.

هذه المقولة صعبة التصديق، فمدينة ابوت اباد تقع على بعد 80 كيلومتراً فقط من العاصمة الباكستانية وتنتشر فيها ثكنات للجيش الباكستاني وبها إحدى أعرق أكاديمياته وحوالي عشرة آلاف جندي.

باكستان دولة نووية ولدى جيشها قدرات عالية خاصة لرصد أي خرق لمجالها الجوي، ولذلك فإنه من الصعب على عدة طائرات أميركية أن تخترق المجال الجوي لمدة تفوق الساعة وتقوم بعملية هجومية ثم تنسحب إلى طراد أو حاملة طائرات أمام السواحل الباكستانية دون أن ترصد.

زيادة على ذلك فإن التوقيت الذي تتحدث عنه واشنطن بين القتل والتأكد من هوية صاحبها ثم دفن الجثة في البحر غير متطابق، حيث أعلن أن كل ذلك تم خلال ساعات قليلة.

ولكن التوقيت الواقعي لا يقبل بذلك، فبعد العودة المفترضة للطائرة التي تحمل جثة بن لادن إلى السفينة الأميركية يجب أن تكون قد مضت ساعتان على الأقل بعد بدء الهجوم، إضافة أنه لإجراء عملية الفحص للحامض النووي يحتاج الخبراء في أحسن المراكز العلمية لحوالي 24 ساعة للحسم، بينما كان إعلان البيت الأبيض سابقاً لذلك بساعات.

إذا كان بن لادن صناعة أميركية لتحقيق أهداف معينة كما يقول البعض، فإن عملية بلدة ابوت اباد، لها فرضيتان:

أن الرجل استهلك اعلامياً وسياسياً وأمنياً وأدى ما كان عليه أن يفعله ولذلك قررت واشنطن إنهاء العملية أما بالتخلص منه وقتله، أو القيام بتمثيلية الهجوم والقتل، بينما نقل الرجل أو يوجد منذ مدة قبل ذلك بوجه جديد وهوية مختلفة في مكان ما بالولايات المتحدة أو خارجها حيث يعيش حياة عادية مثل الكثيرين الذين عملوا لصالح الولايات المتحدة وكما تبين ذلك وثائق كشف عنها رسمياً.

في حالة تبني وجهة نظر الذين يعتبرون بن لادن كان عدواً حقيقياً للولايات المتحدة، هناك عدة فرضيات لأهداف ونتائج عملية الهجوم المفترضة:

أسامة لم يقتل وإنما أسر بعد إصابته بمنوم غازي أو سائل عبر رصاصة مخصصة لهذا الغرض، الاميركيون قرروا تجنب التعقيدات الخاصة بمحاكمته وما قد يولده ذلك من ردود فعل مناصرة أو معادية، ونقلوه للإستجواب بكل الأساليب للتعرف على شبكات القاعدة وروابطها، وبعد الانتهاء من ذلك يمكن أن بقتلوه.

الفرضية الثانية قد تعتبر من قصص الخيال العلمي ولكن التجربة بينت أحياناً أن كثيرا مما يصنف في خانة الخيال العلمي قد أصبح حقيقة.

الفرضية تفيد أن الرجل قتل ولكن الأميركيين فصلوا رأسه عن جسده ونقلوها في ظروف حفظ ملائمة إلى الولايات المتحدة حيث سيتم فحص خلايا مخه.

خيال علمي

هناك أخبار نشرتها عدة مصادر بحث في جامعات غربية منها أميركية خلال سنة 2007 و 2008 عن أنه تم تسجيل تقدم كبير في مجال قياس نشاط العقل وترجمته وهو ما سيسمح بتطورات علمية واسعة جداً منها على سبيل المثال السماح للمعاقين بإصدار أوامر مباشرة عبر عقولهم لتنفيذ مهمات معينة.

وأشارت هذه المصادر العلمية أن تطور تقنيات فهم وترجمة ما يصدر عن العقل سيسمح مستقبلاً بتقدم كبير في المجالين العسكري والمدني.

فمثلاً سيمكن للشخص التحكم في هاتفه النقال بعقله بدون لمسه وكذلك الأمر في قيادة السيارات والطائرات والتحكم في أجهزة الكمبيوتر إلى غير ذلك.

الأبحاث ذهبت أبعد من ذلك حيث تبين أن عقل شخص أو حيوان ميت من فصيلة الثدييات يستمر في العمل لمدد متفاوتة حسب الظروف المحيطة أي حرارة وضغط وما إلى ذلك، بعد توقف عمل القلب وحتى بعد انفصال الروابط العصبية بين الرأس والجسد وحتى الفصل الكامل بينهما.

بواسطة هذه التقنيات تجري حالياً تجارب حتى لتحويل أحلام شخص خلال النوم إلى مشاهد تقترب مع تقدم التقنيات من مرتبة لقطات من أفلام الفيديو.

تقنيات من هذه الشاكلة استخدمت وتستخدم بسرية بالغة في معتقلات أميركية وغيرها للإطلاع على معطيات من شخص لا يمكن الحصول منه على معلومات بوسائل الضغط المعروفة حتى الآن.

فيما كان يعتبر قبل سنوات قليلة من قبيل أفلام الخيال العلمي تحول الأمر تدريجيا إلى واقع ملموس.

وهكذا وفي ظل توفير ظروف محيطية مناسبة، أي حرارة وضغط وتوفير تغذية بالاكسوجين أمكن للعلماء الحفاظ على نشاط خلابا مخ كائن لساعات بعد موته.

من هذا العقل لكائن ميت أمكن استخراج معلومات وحتى أشكال هندسية وموجات صوتية لآخر ما مر على عقل الكائن المتوفى.

بمعنى آخر أصبح من الممكن على الأقل نظرياً حسب العلماء الحصول بعد وفاة شخص على معلومات كثيرة عن آخر ما شاهده أو فعله أو من تواصل معه مع كل التفاصيل المسجلة في الذاكرة للتعرف على المتحدث من صوته أو شكله إلى غير ذلك.

بدون الدخول فيما يصنف حالياً كخيال العلمي، أصبح من الممكن الاطلاع على رصيد معلومات من عقل كائن ميت خلال مدة معينة حتى بعد وقف ضخ الدم إلى خلايا المخ، وهذه المدة يمكن أن تمدد إذا أمكن بعد الوفاة مواصلة ضخ الدم إلى المخ.

استثمار العملية العسكرية

تفضيل أحدى الفرضيات السابق ذكرها على أخرى، قد يكون صعباً الآن خاصة على ضوء اختلاف المواقف من دور أسامة بن لادن والقاعدة، ولكن الأمر الذي يمكن مناقشته يتعلق بالأساليب التي ستتبعها واشنطن لإستثمار عملية مدينة ابوت اباد.

هناك ضغط واضح على باكستان وتشكيك في دورها وإبتزاز لجيشها وكل ما يرتبط بقدرات البلد النووية.

رئيس الاستخبارات الاميركية "سي آي ايه" ليون بانيتا صرح في مقابلة مع مجلة "تايم" بأن حكومته لم تخبر باكستان بالعملية ضد بن لادن لان هذا البلد "كان يمكن ان يبلغ" زعيم تنظيم القاعدة بالعملية.وموازاة مع ذلك عاد سياسيون أميركيون إلى ترديد اتهاماتهم إلى باكستان بمساندة حركة طالبان في أفغانستان ولعب دور مزدوج.

وتعرض الجيش ووكالة المخابرات التابعة له "أي.اس.أي" لموجة انتقادات كبيرة في أميركا والغرب بسبب عدم اكتشاف مخبأ بن لادن الواقع تقريباً على بعد كيلومتر واحد من أكبر مؤسسة للتدريب العسكري.

ودعا برلمانيون أميركيون إلى إعادة النظر في العلاقات مع باكستان ورأوا أن باكستان تلعب دوراً مزدوجاً في دعم الناشطين والحصول على الأموال من الولايات المتحدة التي تواجه ديونا كبيرة.

وقال هؤلاء أن بن لادن أقام منذ خمس سنوات في منزله بابوت اباد وتستر عليه الباكستانيون.

واتهم السناتور الجمهوري جون كورنين باكستان بانها "تؤوي" العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر، وقال لوكالة فرانس برس ان الوقت قد حان لمراجعة مليارات الدولارات التي قدمت كمساعدات يتلقاها هذا البلد سنوياً.

واضاف "من المؤكد انه يتوجب علينا ان نبحث هذه المساعدة بانتباه وعمق وان تخدم الدولارات التي نقدمها كمساعدات خارجية في دفع المصالح الأميركية وليس مصالح أي طرف آخر".

وأوضح "يجب أن نكون متبصرين. لا اعتقد أن أحداً بيننا يعيش في وهم ان باكستان تكرس نفسها لخدمة الولايات المتحدة".

وأشار سياسيون في واشنطن أن الولايات المتحدة قدمت لباكستان منذ سنة 2001 مساعدات بقيمة 18 مليار دولار خصص معظمها للقطاع العسكري.وبدعم من اوباما، وافق الكونغرس ايضاً على برنامج للمساعدة بقيمة 5700 مليون دولار في 2009 لبناء مدارس وطرق ومؤسسات.

في رد على ذلك هدد الجيش الباكستاني يوم الخميس 5 مايو بإعادة النظر في التعاون مع الولايات المتحدة في حالة قيامها بشن غارات أخرى.

وذكر الجيش في بيان "أوضح رئيس الأركان الجنرال أشفق كياني أن أي عمل مشابه ينتهك سيادة باكستان سيكون مبررا لمراجعة مستوى التعاون العسكري والمخابراتي مع الولايات المتحدة".

وقال الجيش انه سيجري ايضاً تحقيقاً في فشل المخابرات في رصد بن لادن على الأراضي الباكستانية.

ولمواجهة التحركات الأميركية عقد في إسلام آباد اجتماع ضم كل قادة الفيالق في مدينة روالبندي العسكرية القريبة من العاصمة.

وحضر الاجتماع رئيس وكالة الاستخبارات الليفتنانت جنرال أحمد شوجا باشا.

وقال ناطق باسم الجيش الميجور جنرال أثار عباس لقد أظهرت الأحداث أن إنجازات وكالة المخابرات ضد القاعدة وفروعها الإرهابية في باكستان، ليس لها مثيل".

وأكدت السلطات الباكستانية انها تحتجز زوجة بن لادن اليمنية الجنسية، وثلاث بنات من المرجح انهن بنات زعيم تنظيم القاعدة، وهن صفية وامان ومريم.

رغم التحذير الباكستاني أعلن البيت الأبيض ان الرئيس أوباما يحتفظ بما سماه حق التحرك مجددا ضد مشبوهين بالارهاب على الأراضي الباكستانية.

وخلال حملته لانتخابات الرئاسة في 2008، قال اوباما الذي كان عضواً في مجلس الشيوخ انه سيتحرك ضد بن لادن او اي قيادي كبير آخر في القاعدة داخل باكستان اذا كانت قيادة هذا البلد "غير قادرة او غير راغبة في التحرك".

وفي ذلك الحين اتهم المرشح الجمهوري السناتور جون ماكين، اوباما بتهديد دولة صديقة واوصى "بالعمل بالتشاور مع الحكومة الباكستانية" إذا ظهر أي هدف.

دولة نووية

ويسجل أنه رغم كل تلك الانتقادات فإن ادارة اوباما تتحرك بحذر تجاه باكستان، وقال الناطق بإسم البيت الابيض جاي كارنيكارني يوم الاربعاء 4 مايو ان عدد "المتطرفين" الذين قتلوا في باكستان أكبر بكثير من أي بلد آخر في العالم.

وأضاف "نتطلع الى التعاون مع باكستان في المستقبل"، مؤكدا أن "التعاون الذي حصلنا عليه من باكستان كان مفيداً جداً في هذا المجال".

بينما قال دانيال ماركي، العضو في مجلس العلاقات الخارجية أن الغضب على باكستان في الكونغرس لم يصل يوماً إلى هذا المستوى، وأنه على الولايات المتحدة ان "تعالج الوضع بذكاء" مشيرا إلى أن الجيش هو المؤسسة الأساسية في باكستان منذ زمن طويل وقد يتحرك ضد الولايات المتحدة.

وأضاف أن للولايات المتحدة مصالح حيوية في تطوير باكستان الدولة التي تملك سلاحاً نووياً ويعاني سكانها من الفقر بينما تنتشر فيها مشاعر العداء للولايات المتحدة.

وتابع "اذا تركت باكستان دون مساعدة، فسوف يضم هذا البلد في منتصف القرن 300 مليون نسمة، معظمهم غير متعلمين وغير قادرين على أن يكونوا مواطنين صالحين في العالم".

وأضاف "ستكون لهم كل الفرص ليكونوا مثيرين للاضطرابات ما لم يتغير الوضع".

من بين التوقعات عن فرضيات استخدام واشنطن لعملية ابوت اباد، ما قدره بعض المحللين كمخرج من المستنقع الأفغاني.

ويقول هؤلاء ان أوباما سوف يغير استراتيجيته ويعلن عن اكتمال المهمة بهدف تهيئة الظروف لتوسيع مساحة الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة سواء في أفغانستان أو على صعيد السياسة الخارجية بشكل عام.

وقد دعا أعضاء في الكونغرس الأميركي حكومة أوباما إلى سحب القوات الأميركية من أفغانستان بعد تصفية بن لادن الذي قالوا إنه كان هدفاً أساسياً لدفع الولايات المتحدة إلى شن حرب ضد أفغانستان أسفر عن احتلالها بعد رفض نظام حركة طالبان تسليمه.

وأعرب الرئيس الديمقراطي السابق جيمي كارتر عن أمنيته بأن "يسرع مقتل بن لادن بسحب القوات الأميركية من أفغانستان"، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الحرب لم تنته هناك بمقتل بن لادن.

وبدوره قال بارني فرانك العضو الديمقراطي البارز في مجلس النواب الأميركي إن "مقتل بن لادن أنهى الغرض الذي دخلت بسببه الولايات المتحدة حرب أفغانستان ومن ثم ينبغي الانسحاب" من هناك.

وقال مسؤولون أميركيون معنيون بصياغة السياسة الأميركية في أفغانستان إن حكومة أوباما تسعى لاستغلال مقتل بن لادن لتسريع التوصل إلى تسوية مع حركة طالبان عن طريق التفاوض، والإسراع بإنهاء الحرب في هذا البلد.

ونسبت صحيفة "واشنطن بوست" إلى هؤلاء المسئولين قولهم إن إدارة أوباما تعتقد أنه قد يكون من الأسهل حاليا على الزعيم الأعلى لحركة طالبان الملا محمد عمر أن يقوم بإلغاء تحالف حركته مع تنظيم "القاعدة" بعد مقتل بن لادن.

وقالوا إن إلغاء هذا التحالف ظل المطلب الرئيسي للولايات المتحدة لأي اتفاق للسلام مع حركة طالبان.

وأضافوا أن حكومة أوباما تعتقد كذلك أن مقتل بن لادن قد يجعل نتيجة أي محادثات للسلام مع طالبان أكثر قبولا من جانب الشعب الأميركي مما سيجنب الرئيس أوباما أي انتقادات قد توجه إلى إدارته بأنها تتفاوض مع من تسميهم إرهابيين.

وذكر مسؤول أميركي كبير إن "مقتل بن لادن يشكل بداية نهاية الحرب في أفغانستان"، مؤكدا أن "كل الأمور سوف تتغير" هناك.

كما قال مسؤول كبير آخر إن مقتل بن لادن يشكل فرصة للمصالحة في أفغانستان لم تكن موجودة من قبل.

وأشار محللون إلى أنه قبيل إعلان أوباما عن تصفية بن لادن جسديا كان أعلن يوم 28 إبريل عن تولي الجنرال ديفد بترايوس قائد القوات الأميركية بأفغانستان إدارة وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه" خلفاً لليون بانيتا الذي سيتولى منصب وزير الدفاع.وتأتي هذه التعديلات في إطار المستجدات الطارئة على صعيد الأمن القومي الإستراتيجي التي تتيح للرئيس الأميركي توسيع مساحة المناورة بخصوص إستراتيجية الحرب في أفغانستان وإعادة ترتيب الأولويات على صعيد السياسات الخارجية.

وذكر معهد ستراتفورد للتحليلات الاستخبارية في تقرير له أن الاتجاه العام السائد بواشنطن يميل إلى تعديل الخطاب الرسمي من صيغة الفعل المستقبل أو المضارع إلى الماضي للدلالة على تحقيق أحد أهم أهداف الحرب بأفغانستان وهو تقويض تنظيم "القاعدة" وتصفية زعيمه بن لادن.

وأشار إلى أن بداية هذا التحول كانت من خلال الخطاب الرسمي الأميركي الذي ينحو نحو اعتبار أن المهمة في أفغانستان قد استكملت، وهو ما أبرزها تصريحات مستشار الأمن الداخلي في البيت الأبيض جون برينان الذي قال إن واشنطن ستستغل مقتل بن لادن للتأكيد على أن "القاعدة باتت جزءاً من الماضي".

عمر نجيب